تداولت وسائل اعلام عدة اخبار عن عزم الادارة الاميركية سحب سفارتها من بغداد بعد الهجمات التي تعرضت لها المنطقة الخضراء (تسمى المنطقة الدولية لاحتوائها على مقرات اغلب البعثات الدبلوماسية ومكاتب الكثير من المنظمات الدولية) في الاشهر الاخيرة والتي كانت تستهدف السفارة الاميركية، فضلا عن الهجمات التي استهدف ارتال الدعم اللوجستي لقوات التحالف الدولي في مناطق من بغداد وذي قار وبابل وغيرها، والتي قاربت الـ (40) هجوم خلال شهر ايلول الماضي فقط.

وقبل يومين أعلن عن نجاح الحكومة العراقية في تطمين المخاوف والانزعاج الاميركي –كما اسماه السيد الكاظمي– بعد سلسلة لقاءات للسفير الاميركي مع مسؤولين عراقيين. ولوحظ عدم شن هجمات جديدة على المنطقة الخضراء واستهداف السفارة الاميركية.

مع ذلك، لا بد من القول ان التداعيات المعروفة لإنهاء العلاقات الدبلوماسية بين أي دولتين، لا يمكن ان تسري ذاتها على قطع العلاقات بين دولة كالعراق، تعاني من هشاشة في كافة مجالات الحياة، من جهة والولايات المتحدة الاميركية من جهة اخرى، اذ تزيد عليها تداعيات أكثر خطورة من مسألة سحب السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. فانتقال مقر البعثة الدبلوماسية الاميركية من بغداد الى اربيل –مثلا- له كثير من المعاني الامنية والسياسية ذات الابعاد السلبية على بغداد.

ولو تطور الوضع أكثر وتغير الانزعاج الاميركي الى حالة من رفض الوجود الدبلوماسي في العراق، فمؤكد ان التداعيات خطيرة سياسيا واقتصاديا وامنيا وسينتهي الحال بالعراق الى دولة مارقة لم تستطع حكومتها توقير الحماية للبعثات الدبلوماسية على اراضيها وفقا لاتفاقيات جنيف للشؤون الدبلوماسية والقنصلية، وستدخل البلاد في نفق العزلة الدولية.

ما ينبغي ادراكه سياساً

• الولايات المتحدة الاميركية قوة كبرى مهيمنة على قمة هرم النظام الدولي، وهي دولة دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي، الجهاز التنفيذي لمنظمة الامم المتحدة. كما انها دولة ذات قرار مؤثر في المنظمات الدولية ومنها الاقتصادية كصندوق النقد والبنك الدوليين وهما من أكثر المنظمات التي لازالت مساندة للدولة العراقية، وكذلك المنظمات المتخصصة في منظمة الامم المتحدة والتي جميعها لها تماس مباشر او غير مباشر مع المؤسسات العراقية بسبب ما يحتاجه العراق من الاستشارة والتمويل والمعونات اللوجستية وغيرها. وان الاشكاليات في العلاقة مع الولايات المتحدة تقود الى تباطؤ دور هذه المنظمات والمؤسسات الدولية وصولا الى فقدانه في العراق.

• معروف ان الادارات الاميركية ومنها الادارة الاميركية الحالية لها مبادئها الجيوبوليتيكية التي تقود السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه مختلف مناطق العالم ومنها الحيوية فضلا عن مناطق الازمات وفي مقدمتها منطقة الشرق الاوسط، والعراق يشكل محور التفاعلات الاقليمية والدولية في المنطقة. وبالنسبة للإدارة الاميركية الجديدة برئاسة الرئيس دونالد ترامب، ظهر ما أطلق عليه مبدأ ترامب في السياسة الخارجية. وأبرز خصائص وسمات هذا المبدأ هو أن السياسة الدولية في عهد ترامب صبغت بطابع اقتصادي وأنها سوف تكون محكومة إلى حد بعيد بالصفقات الاقتصادية، ويرغب ترامب في الوصول لصفقات سياسية ذات طابع اقتصادي بشكل سريع، كما حدث خلال القمة الاسلامية -الأمريكية في الرياض عام 2017.

وفيما يخص الشرق الاوسط، فالسياسة الخارجية اتخذت منحى احياء السياسية الخارجية التقليدية عبر اعادة بناء تحالفات الولايات المتحدة التقليدية في المنطقة خدمة لمواجهة الارهاب والدول والقوى الداعمة له. كما تعمل الادارة الاميركية على اجهاض مسعى القوى الاقليمية الصاعدة لاستثمار دورها الاقليمي في عزل النفوذ الامريكي في مجالاتها الحيوية خدمة لدورها ما بعد الاقليمي كما هو الحال مع إيران.

وأكثر من ذلك، كثيرا ما وصف مسؤولين في الادارة الاميركية ان إيران من أكثر الدول الداعمة للإرهاب في العالم، ويدركون جيدا ان العراق يعد من أكبر واهم الساحات لهذا الدور الايراني. وبالتالي ضبابية العلاقات مع الولايات المتحدة يقود الى ادخال العراق ضمن المحور الايراني في المنطقة وريما سيدفع الادارة الاميركية الى شموله باستراتيجية الضغوط القصوى المتعبة مع إيران والتي تشمل ثلاثة اركان: ضغوط دبلوماسية، عقوبات اقتصادية، ضربات عسكرية دقيقة ومحددة.

• وفقا للرؤية الجيوبوليتيكية للإدارة الاميركية الحالية، انسحاب السفارة من بغداد لا يعني انهاء التمثيل الدبلوماسي وقطع العلاقات مع العراق، بل نقلها (أي السفارة) الى مكان أكثر أمنا ويقلل من تكلفة الدفاع عنها، ويقلل من الخوف على كوادرها والعاملين فيها عبر اقتحامها. واشارت الولايات المتحدة الى وجود مخطط لاقتحام سفارتها في بغداد من قبل مليشيات موالية لإيران، كما حصل في اقتحام قنصليتها في بنغازي الليبية في ايلول/2012 وأدت الى مقتل السفير الأميركي في ليبيا كريستوفر ستيفنز.

كذلك يأخذ صانعو القرار والسياسات في الولايات المتحدة بنظر الاهتمام اجهاض أي محاولة ايرانية للتأثير في الانتخابات الاميركية، كما حصل عام 1979 عندما اخذت مواطنين اميركان كرهائن بهدف التأثير في الانتخابات وحينها خسر كارتر الانتخابات ويومها طلب ريغان من إيران تأخير إطلاق الرهائن كي يفوز هو.

لكن كل هذا لا يعني ان الادارة الاميركية يمكن ان تفرط بمصالحها في العراق، لا بل ستدافع عنها بكل قوة. وبهذا الصدد أكد مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد شينكر بقوله: " لن نتردد في حماية مصالحنا في العراق". وهذا يعني ان انسحاب السفارة من بغداد الى اربيل او أي منطقة اخرى لا يعني انسحاب للولايات المتحدة من العراق وتركها العراق لتملئه إيران وتزيد من شوكتها في المنطقة.

• تدرك الولايات المتحدة جيدا ان "القوى السياسية" في العراق والسلطة التي تتحكم بها تشوبها نقص كبير بالشرعية بعد انتخابات لم تتعدى نسبة المشاركة فيها الـ (20%)، بعد موجة احتجاجات عارمة ضد تلك "القوى" والسلطة سادت مناطق وسط وجنوب العراق في تشرين الاول من العام الماضي 2019، والتي استمرت لغاية شباط 2020 وبسبب جائحة كوفيد-19 تراجعت الاحتجاجات.

كذلك تدرك الولايات المتحدة ان الشعب العراقي رفع راية الرفض للفصائل المسلحة و"الاحزاب" الموالية لايران -التي انخرطت بهيئة الحشد الشعبي واكتسبت شرعية وقبول في مواجهة داعش-وأنها تحاول ان تحافظ على النظام القائم خدمة للمصالح الايرانية في المنطقة، وبالتالي فان الانسحاب من بغداد يعني تمكين هذه الفصائل أكثر، وعقوبة للشعب العراقي الذي يشارك الادارة الاميركية في رأيها الرافض لسلوكيات تلك الفصائل والجماعات و"الاحزاب". وان انسحابها من بغداد سيثر ضدها رأي عام عراقي رافض للدور الاميركي بالمطلق. ولهذا تدرك الادارة الاميركية ان عليها انتهاج سلوك داعم للشعب العراقي في طموحاته وليس ترك العراق.

• يبقى معيار المصلحة الوطنية هو المحدد للسلوك الخارجي للدول. وعلى الحكومة العراقية و"القوى السياسية" والجماعات الحاكمة والمسيطرة ان تراعي مصالح الدولة العراقية بالدرجة الاساس، وان لا تسلم البلاد لمن يريد خدمة المصالح الخارجي’.

• أن الدور الاميركي في العراق هو الضامن الاساس لوحدة البلاد وعدم تعرض توازن القوى الداخلي النسبي بين المكونات الرئيسة الى الاختلال عبر القدرة الرادعة للفصائل المسلحة الشيعية التي تريد التحكم بالبلاد. وهو ما لا ترتضيه المكونات الاخرى وفي مقدمتها (السُنة) و(الكُرد). وبالتالي فإن ترك العراق يعني تعرض هذا التوازن الى الاختلال الذي يقد حتما الى صراع مكوناتي جاذب لأدوار اقليمية مختلفة الاهداف والاستراتيجيات في وقت تسير فيه المنطقة الى وضوح أكبر بين محورين اساسيين هما: اسرائيل وحلفائها من دول الخليج العربية، وإيران وحلفائها وأذرعها.

• الادارة الاميركية برئاسة ترامب لا تريد الدخول بمواجهة مسلحة مع الفصائل التي تهدف الى الاضرار بمصالحها في المرحلة الحالية وهي مرحلة الانتخابات الاميركية، كونها تعني مواجهة مع إيران، بعد ان تعهد الرئيس ترامب في حملته الانتخابية تقليل كلف الدور الاميركي في مناطق عدة ومنها منطقة الشرق الاوسط. وان الدخول في حرب مع إيران يعني ان الادارة الاميركية الحالية ستوجه اهتمامها الى هذه الحرب، في وقت تعاني فيه من تراجع اقتصادي بسبب جائحة كوفيد-19، وتعمل على مواجهة هذه الجائحة التي اصبحت متغير مهم في التنافس الانتخابي بين مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة. وبالطبع فإن إيران مدركة لذلك، وتريد جر الولايات المتحدة الى مستنقع الصراع بعيدا عن اراضيها عبر احداث متغير أمنى يستهدف المصالح الاميركية في العراق بعد تراجع دورها وانعدام القدرة على ذلك في سوريا. ولهذا تصاعدت الهجمات ضد المصالح الاميركية على الساحة العراقية.

تريد الادارة الاميركية من التهديد بسحب سفارتها من بغداد اختبار الحكومة العراقية -برئاسة الكاظمي التي حظيت بالدعم الاميركي المحدود في الفترة الماضية- والتأكد من قدراتها في التصدي للجماعات المسلحة التي تستهدف مصالحها، وذلك لحسم موقفها من الحكومة العراقية، اما التعامل معها كحليف استراتيجي لها وفق لما عبر عنه السيد الكاظمي في زيارته الاخيرة لواشنطن، او التعامل معها على انها ضمن المحور الايراني. وهذا يعني انه لا يمكن الركون الى موقف الحياد بعد الآن. وما منح العراق مدة 60 يوم اعفاء من العقوبات الاميركية نتيجة استيراده احتياجاته من الطاقة من إيران، الا مرحلة اخيرة لهذا الاختبار.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق