عرفت البشرية عبر تاريخها الطويل أشكالا عديدة من الدول، مثل: الدولة الثيوقراطية، حيث للجماعة المؤمنة المنتمية لدين محدد السيادة على غيرها من الجماعات، التي تكون أما كافرة أو مشركة أو مسالمة تسري عليها قوانين واحكام الجماعة المؤمنة. والدولة العنصرية، التي يسود فيها الاعتقاد بغلبة عرق قومي محدد على غيره من الأعراق، فيرى نفسه فوقها أو أفضل منها، وعليها الخضوع لقيادته، وعبوديته في بعض الأحيان. والدولة الغازية، التي تحكمها قوانين القوة، فتفرض نفسها على غيرها من الدول حيثما امتدت اقدام جيوشها. والدولة الأيديولوجية التي تستند الى فكر محدد يحرم كل مخالف له من الحق في المشاركة العامة، وأحيانا حتى الحق في الحياة...الخ.

وثبت من خلال التجربة ان هذه الاشكال من الدول واشباهها ليست مكانا مناسبا للعيش فيها؛ لما تلحقه من أضرار جسيمة بحقوق الانسان وحرياته العامة، فغالبا ما تحتكر الجماعة الحاكمة الحق وترمي غيرها بالباطل، فتبرر لنفسها ارتكاب مختلف الفظائع بحق المخالفين لها والمختلفين معها، دون ان يرف لها جفن او يتحرك فيها ضمير؛ لأنها تعتقد بحكم قيمها واحكامها وقناعاتها أن هذا هو الاجراء الطبيعي. ولو بحثت في تاريخ هذه الدول عن عدد ضحاياها لهالك مقدارهم، وما لاقوه من افانين التعذيب والقهر والتنكيل والاستباحة، بصرف النظر عن جنسهم واعمارهم وانتماءاتهم العقائدية والفكرية.

ان استمرار خط الحياة لهذه الاشكال من الدول يعني استمرار مناهج وآليات القتل والتعذيب والاقصاء والاستعباد للبشر تحت حجج ومبررات كثيرة. كما يعني جعل حياة البشر على الأرض مجرد غابة للافتراس بين الافراد والمجتمعات والدول. لذا وعلى الرغم من كثير من أوجه القصور والتقصير التي عانى منها ولا زال العقل البشري، الا انه استطاع ان يبتدع أرقى اختراع لتنظيم الحياة بين بني الانسان على الأرض، ذلك الاختراع هو: الدولة الحديثة، أو ما يسمى بدولة القانون والمؤسسات، والتي تستوعب شعبها بصرف النظر عن الانتماءات والأفكار والاثنيات.

فتحويل الدولة من أداة بيد جماعة دينية أو عرقية أو أيدولوجية أو متغلبة تعمل لخدمتها الى مؤسسة هدفها خدمة جميع مواطنيها بصرف النظر عن مسمياتهم، يمثل أكبر قفزة في تاريخ البشرية نحو أنسنة وجودها بشكل حقيقي، ولجم توحشها وافتراسها بعضها للبعض الأخر. والسر الجوهري في نجاح هذه القفزة هو تغيير نوع العلاقة التي تربط المواطن بدولته، من علاقة يحكمها الاستعباد والخضوع المفروض من جماعة محددة على غيرها من الجماعات الى علاقة تحكمها المواطنة المتساوية كبديل عن الانتماء الديني أو القومي أو الأيديولوجي أو غيره.

لماذا المواطنة دون غيرها؟

يكمن اللغز في تفضيل رابطة المواطنة على غيرها من الروابط، في انها تحول العلاقة الرابطة بين الفرد ودولته من علاقة وجدانية تحكمها العاطفة الى علاقة عقلية حقوقية يحكمها القانون لكل من يحمل جنسية الدولة. والقانون في هذه الحالة لن يكون قانون الجماعة الحاكمة، بل هو قانون مجموع المواطنين، الذين يشتركون في صياغة بنوده ومنح الموافقة عليها. هذا القانون سوف يجعلهم شركاء في التمتع بحقوقهم المنظمة فيه، كما هم شركاء في الواجبات المفروضة عليهم. وستكون صياغة نصوص القانون، في هذه الحالة، معدة لمصلحة الجميع على قدم المواساة، دون تفريق بسبب: الدين، والمذهب، والعرق، والانتماء الفكري.

ان البعد القانوني في تحديد رابطة المواطنة مهم للغاية؛ لأنه يجعلها لا تتماثل ابدا مع ما يسميه البعض بالوطنية، فالرابطة الأخيرة مشتقة من الوطن اكثر من اشتقاقها من القانون، وغالبا ما تحكمها الحماسة والعاطفة اكثر مما يحكمها العقل، ولأن العاطفة معرضة للانخفاض والارتفاع حسب الظروف، كذلك تجد الانتماء والولاء المستند لها ينخفض ويرتفع حسب الظروف، فتجد وطني اليوم عديم الوطنية غدا، ومنتمي اليوم ضعيف او منعدم الانتماء غدا، اذا ما تغيرت الظروف المؤثرة على عاطفته، لذا لا غرابة عندما ترى في أحيان كثيرة شخصا ما كان في يوم ما شديد الحماسة لوطنه ومستعد لتقديم حياته في سبيله، والقيام بكل شيء من اجل هزيمة اعدائه وتدميرهم وقد اصبح يلعن هذا الوطن، ويرغب في التخلي عنه، وربما خيانته، في حين لا ترى مثل ذلك الا نادرا جدا في الدول التي تكون رابطة المواطنة هي أساس الانتماء والولاء بين الدولة وشعبها.

فضلا على ما تقدم، تسهم المواطنة بشكل واضح في قطع أسباب التنازع والصراع الاجتماعي، فالعلاقة القانونية التي تولدها بين المواطن ودولته، تكون علاقة متساوية، فالكل يتمتع بنفس الحقوق والواجبات، والكل ينظر بعضهم الى بعض كمواطنين يختلفون في الطباع والشمائل والمعتقدات والقدرات وما الى ذلك، لكنهم متساوين كبشر امام القانون، وهذه المساواة بحد ذاتها تعزز شعورهم بآدميتهم المتساوية، وتعاونهم المشترك في بناء دولتهم، ولن تجد ذلك التنازع الحاد بينهم لأسباب دينية او عرقية أو فكرية، على خلاف الدول غير المكتملة، والتي لم تنضج فيها رابطة المواطنة أو لم تترسخ في عقل ووجدان شعبها، اذ غالبا ما تجد السؤال الأول الذي يقفز الى ذهن الانسان في هذه الدول عندما اللقاء بغيره ليس هو: هل هذا مواطن في الدولة ام لا؟ بل هو: الى أي دين ينتمي؟ والى أي مذهب؟ والى أي قومية؟ والى أي فكر؟ ويتحدد مقدار القرب والبعد من هذا الاخر بمقدار القرب والبعد من هذه التوصيفات، وهي في الغالب توصيفات تنتج الصراع والانقسام على حساب الوحدة والتعايش، ويكون الخاسر الأكبر فيها هو الدولة نفسها بكل ما يرمز اليها أو يعبر عنها.

وعليه لا يمكن ابدا بناء دولة حديثة حقيقية بدون مواطنة حقيقية تشد مواطنيها الى بعضهم البعض، لذا تجد ان اغلب دول العالم المتخلفة والتي لا زالت نامية، بسبب تأخر مشروع بناء الدولة فيها، هي في الواقع دول تغيب رابطة المواطنة فيها، ومنها دول الشرق الأوسط، والعراق في مقدمتها، حتى وان حاولت القيادات في هذه الدول الزعم بخلاف ذلك، الا ان مزاعمها تفتقر الى المصداقية الكاملة، والدليل على ذلك طريقتها في صياغة قوانينها، وتشكيل وتنظيم مؤسساتها، وعلاقتها مع مواطنيها، بل وعلاقة المواطنين بعضهم مع البعض الآخر.

انعكاس المواطنة على القيم المدنية

عندما يستند بناء الدول الى مواطنة حقيقية، سيأخذ ذلك طريقه بقوة نحو تهذيب طباع الناس، وتحسين علاقاتهم ببعضهم داخل دولهم وخارجها، فضلا على علاقتهم بحكوماتهم،...والنتيجة تحول منظومة القيم الأخلاقية من منظومة داعمة للكراهية والانقسام والعداوة الى منظومة مدنية حضارية تحفز على المبادرة الفردية والجماعية، وترسخ أسس المحبة والتعايش والتعاون وقبول النقد والنقد الذاتي بين الافراد لتطوير الحياة بكل ما فيها من مؤسسات ونظم وقوانين وعلاقات وأمزجة، بل وتوظيف كل شيء يحيط بهم لتحقيق هدف التطور والتقدم الى الامام من معارف وثروات وطاقات وفرص، فما يحرك الناس هنا هو الرغبة العارمة والشغف المستمر في تقدم المجتمع بكل افراده وجماعاته، وليس تقدم فرد او جماعة على حساب بقية الافراد والجماعات.

ان ما يعجبك عزيزي القارئ من تقدم في البلدان الحديثة التي ترسخت مواطنتها سببه تقدم القيم المدنية لشعوبها وتحولها من شعوب فوضوية متصارعة منقسمة مبددة لفرصها وثرواتها وطاقاتها الى شعوب منظمة متعايشة تعشق التقدم والتطور، وتبذل كل ما في وسعها للوصول اليه. فالقيم المدنية الحضارية هي الثمار الناضجة للمواطنة الحقيقية المحترمة ولولاها لما وجدت شعوبا كانت قبل عشرات السنين قابعة في التوحش والافتراس لبعضها، ولحقوق وحريات الانسان فيها وقد تحولت تحولا جذريا في بناء الدولة والانسان، فارتقت مراقي المجد والقوة والرفاه والسعادة والاحترام لشعبها.

ومن الخدع المضللة الناجمة عن جهل أو أدلجة غير مستساغة، والتي يتم ترويجها هنا أو هناك، بين فينة وأخرى، هي خدعة أن القيم المدنية ودولة المواطنة تكون معادية للدين او العرق او الفكر او ما شابه ذلك، فحجج القائلين بذلك عارية تماما عن الصحة؛ لأن المدنية والمواطنة على العكس من ذلك، فهي في الوقت الذي تعيد الكرامة للإنسان، فإنها ايضا تعيد الاحترام والمكانة للدين، كما هو الحال للفكر، وبقية الهويات الفرعية، وتجعل الفضاء الإنساني داخل الدولة وخارجها أكثر انفتاحا على هذه المسميات، بل واكثر حفظا لحقوقها ومتطلبات بقائها واستمرارها، والدليل على ذلك، هو ان الكثير من المتدينين والقوميين وأصحاب الأفكار وجدوا الرعاية والحماية في دول مدنية تختلف تماما معهم، فيما لم يجدوا ذلك في دولهم التي يتشاركون فيها الدين والقومية والفكر. وزيادة على ذلك، فضل الكثير منهم البقاء في تلك الدول على الرجوع الى بلادهم الاصلية؛ لأنهم شعروا بأن كرامتهم الإنسانية مصانة فيها أكثر.

صفوة القول: ان المواطنة والقيم المدنية تشكل اليوم معيارا للحرية الحقيقية، ومقياسا على كون الناس في دولهم مواطنين احرار فعلا، ام انهم مجرد رعايا يرزحون تحت عبودية جماعة ما: دينية ام عرقية ام فكرية ام متغلبة. ومن العبث البحث عن مواطن فعال (مبادر) في دولة رعايا وعبيد؛ فالمواطن الفعال هو نتاج مواطنة ناجزة، كما هو ابن منظومة قيم مدنية راقية. فضلا على ذلك، لا يمكن تصديق أي حديث عن بناء الدولة في الشرق الأوسط عموما، وفي العراق بشكل خاص، ما لم تكن بوصلة البناء ذاهبة باتجاه المواطنة الحقيقية لإنتاج القيم المدنية الحضارية.

* الأستاذ الدكتور خالد عليوي العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق