بعد جولة من الإمساك عن المفطرات و"الورع عن محارم الله" وإتمام مهمة الصوم كلٌ حسب جهده وقدراته، تقام الأماسي الرمضانية في الجوامع والحسينيات والمراكز الثقافية، بتلاوة القرآن الكريم، والاستماع الى بحوث فكرية وعقائدية من خطباء المنبر الحسيني، و قراءة الأدعية المأثورة عن المعصومين، عليهم السلام، وفي مقدمتها دعاء الافتتاح، الى جانب أعمال عبادية متعددة ورد الحثّ عليها من المعصوم، وهي تجعل صاحبها ضمن أجواء روحانية خاصة ترفعه عن محيطه الضيق وإطاره الذاتي الى حيث التكامل الانساني والعمق المعرفي، لأن معظم الادعية والزيارات – إن لم نقل جميعها- مشحونة بالمعارف التي تعمق الايمان في النفوس.

وبدرجة عمق الايمان، تتبلور صفة الشجاعة والإقدام والتحدي في حياة الانسان، فالأعمال الكبيرة والصعبة، وربما المستحيلة، ستهون عليه لانه يقدم عليها وقلبه مطمئن بالإيمان بوجود قوة كبرى لا متناهية تعينه وتضمن له تحقيق اهدافه وتطلعاته من حرية وعدالة وكرامة انسانية.

فعندما يقرأ أحدنا أدعية شهر رمضان، وايضاً القرآن الكريم، يجد نفسه في محضر الرحمة والقدرة الإلهية فلا يسعه إلا التجرد من كل شيء والذوبان في هذا النور المشع من تلكم الأدعية والاذكار السماوية، فلا يجد لنفسه إطاراً يعتد به، كأن يكون عنواناً اجتماعياً او سياسياً، او حتى منزلة خاصة بين أهله ومجتمعه، وإلا فان الذي يحتفظ لنفسه عنواناً اجتماعياً، كأن يكون من بين الاثرياء المحترمين، او يكون من بين العلماء المجدين، كيف له أن يخوض سوح المعارك اذا اشتدّت الامور كما حصل في الاجتياح التكفيري للعراق من قبل تنظيم داعش؟ علماً أن المقصود ليس توجه الجميع الى المعارك لتخلو المدن من التجار والموظفين والاكاديميين، إنما الغاية صنع الانسان الشجاع القادر على مواجهة أي نوع من التحدي في حياته، فالمواجهة ليست دائماً عسكرية، فربما تكون ثمة مواقف بحاجة الى شجاعة في اتخاذ القرار وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة الجماعية.

الجُبن يخلق الأزمات

طالما أكد علماؤنا على أن أحد اسباب نشوء الازمات الصغيرة منها والكبيرة في حياة الانسان، التقوقع على الذات وعدم الاعتراف الشجاع بالخطأ مما يؤشر بشكل واضح على وجود مشكلة نفسية لدى البعض وهي الخشية من الضِعة والتراجع امام الآخرين، وهذا ما يصعب مهمة التغيير والإصلاح كفكرة وتطبيق عملي، ومن أبرز أدوات هذا المشروع، ما شرّعه الدين لنا بفريضة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لمعالجة أي ظاهرة خاطئة في أي مكان وزمان.

وفي السُنة المطهرة ثمة تأكيدات وافرة على توفر أقصى درجات الشجاعة لدى الانسان المؤمن، وأن "المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف"، حتى ان احد علمائنا وأكد على "أنه لا يمكن تصور المؤمن جباناً، لأن الجبن لا يمتُّ إلى الدين بأية صلة".

وبما ان الانسان محب للراحة والانبساط وعدم إتعاب نفسه بشيء، فانه يقبل لنفسه الجُبن على الشجاعة والاقدام مهما كانت الحاجة اليه، سواءً لنفسه او لمحيطه الاجتماعي، وهذه الحقيقة يشير اليها القرآن الكريم في سورة العاديات التي نزلت في حادثة بطلها الامام علي، عليه السلام، عندما جسد دور الشجاعة والبطولة في تغيير الاحداث، بل وصنع التاريخ، وذلك في عهد النبي الأكرم، حيث عجز البعض عن إحراز النصر على احدى جيوب المقاومة الشركية آنذاك، فاختار وقت الفجر لشن الهجوم المباغت محققاً بذلك نصراً مؤزراً، فنزلت الآيات الكريمة تتحدث عن (العاديات ضبحاً)، ثم تعرج الآيات الكريمة في هذه السورة الى منشأ الشجاعة وكيفية تنميتها في النفس، وتتحدث عن الصفات التي تنمي حالة الجُبن في النفس، وهي نكران نعم الله –تعالى- ثم تفضيله "حب الخير" وحياة الدعة على مواجهة الانحراف والفساد.

ولكن؛ هل يعني أن صناعة الشجعان مهمة لا يقوى عليها إلا القليلون؟ فمن الذي يدافع عن ثغور الامة ويصون الارض والعرض؟ ثم من الذي يواجه المخاطر الداخلية من انحراف وفساد؟

ثمة عملية توازن ممكنة بين حب الخير المفطور المغروزة في نفس الانسان، وبين درجات الشجاعة والتضحية والاقدام، وهي التطلع الى الجزاء الأخروي من لدن ربٍ كريم، ولذا جاءت التأكيدات على الاستهانة بالحياة الدنيا وعدم إعطائها اكبر من حجمها وأنها زائلة، وبامكان الانسان أن يربح الحياة مع الآخرة بصفقة مع الله –تعالى- يشتري منه أمواله ونفسه مقابل جنة الخلد ونعيم مقيم، ومجرد التفكير بصفقة من هذا النوع بحاجة الى شجاعة فائقة تتجاوز حدود النفس والذات، ثم تقتحم العقبات في محيطه الاجتماعي والسياسي ليسجل موقفاً بطولياً في عملية التغيير والإصلاح، وهذا يكون من شخص واحد في المجتمع، واذا ما تعدد المواقف البطولية واتسعت جبهة الشجعان سنرى بكل تأكيد التغيير المنشود في الاصعدة كافة.

اضف تعليق