اذا كان التعايش السلمي يجسد في جوانبه المختلفة مفهوم الانسجام بين ابناء المجتمع الواحد بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والمذهبية فضلا عن اتجاهاتهم وافكارهم، فأن ما يجمع هؤلاء هو وجود اواصر مشتركة من قبيل الارض والمصالح والمصير المشترك، ويستمد التعايش وجوده من خلال تفعيل هذه الاواصر وتغليبها على الاختلاف وصولا لبناء منظومة اجتماعية تقوم على التزام كافة اطراف المجتمع وفئاته بمبادئ الاحترام المتبادل لحرية الرأي والسلوك والتفكير بعيدا عن التهميش والاقصاء والتسلط والعنف، فالتعايش يحسم الكثير من العقبات والمشاكل الفكرية والاجتماعية التي يتمسك بها غلاة الطائفية والعنصرية والمذهبية التي تثير الصراع وتأججه، وهذا بالنتيجة سينعكس ايجابيا على توطيد السلم الاهلي الذي يستطيع الانسان من خلاله ان يعيش حياته ويمارس اعماله بحرية مسؤولة، فضلا عن حصوله على حقوقه ومتطلبات عيشه بيسر وسهولة من دون ان يخشى الاعتداء على حقه وماله وامنه الشخصي او امن عائلته.

اتسم المجتمع العراقي عبر تاريخه الطويل وعلى الرغم من تنوع نسيجه الديني والاجتماعي والمذهبي بحالة من التعايش السلمي- بأستثناء حالات قليلة كان فيها للسلطة الحاكمة او القوى الخارجية دورا في ضرب التعايش- يعود الى اسباب وعوامل تاريخية واجتماعية وثقافية عدة ابرزها التراث الحضاري المشترك للحضارات القديمة التي قامت على مبادئ فكرية واجتماعية وقانونية وحدت العراقيين في هوية واحدة من جهة والى الحضارة العربية الاسلامية القائمة على مبادئ التوحيد والتعاون والتسامح من جهة اخرى، والخصائص الفكرية المتراكمة للشخصية العراقية التي ترتكز على التحضر والتسامح وقوة التحمل والثقافة العالية، وتماسك المجتمع العراقي التي افشلت جميع المحاولات التي كان القصد منها تمزيق التعايش السلمي بين ابناء المجتمع .

ان هذا التماسك المجتمعي ساعد على عدم ظهور ازمات حادة بين مكونات المجتمع العراقي بحيث تصل الى مرحلة الصدام المسلح، لكن مع دخول القوات الامريكية الى العراق في العام 2003 تغير حال هذا المجتمع نحو الاسوأ اذ انهارت تدريجيا قيم التعايش السلمي التي ساهمت الحروب الداخلية والخارجية وحالة الحصار التي عاشها العراق في ظل الانظمة السابقة الى تمهيد السبيل وتوفير الارضية الملائمة لتصدعه وانهياره في مرحلة ما بعد الاحتلال، اذ عرف العراق حالة من التخندق والاقتتال الطائفي التي ساهمت المحاصصة الطائفية في تكريس وجودها والتي كان من نتائجها تمزيق النسيج الاجتماعي في العراق.

وعلى الرغم من انتهاء عمليات الاقتتال الطائفي وعودة السلام والامان الى حد ما الى العراق الا ان سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من الاراضي العراقية في المناطق الغربية والشمالية من البلاد في حزيران 2014 قد عرض التعايش السلمي والسلم الاهلي من جديد الى الخطر من اجل تدمير المجتمع العراقي وتغذيته بالعنف والتطرف بكافة الوسائل المادية والاعلامية وما يستتبعه ذلك من انهيار العملية السياسة وتسليم مقاليد السلطة الى مجموعة من المتطرفين الذين لا يعيرون اهمية للغة الحوار والتواصل وتقبل الرأي الآخر وانما يسود منطقهم القتل والارهاب والتدمير واحادية الرأي مما جعل فئات ومكونات مختلفة ترفضهم وتعمل على التخلص منهم من اجل اعادة السلام والاستقرار للمجتمع الذي واجه تحديات صعبة حاولت ضرب تعايشه وسلمه الاهلي خلال السنوات الماضية.

ان عملية رأب الصدع بين اطراف المجتمع المختلفة في مرحلة ما بعد داعش من اجل تعزيز التعايش السلمي الذي يفضي بدوره الى توطيد السلم الاهلي والمجتمعي من اجل ايجاد اطار عام واساس متماسك لاعادة هيكلة المجتمع وبناءه من جديد هو ليس بالعمل الهين نتيجة الآثار السلبية المتولدة عن قيام تنظيم داعش بأرتكاب العديد من الاعمال الاجرامية التي ولدت مقتا لهم وخوفا منهم من قبل المجتمعات المحلية التي كانت خاضعة لسلطتهم، وفقدان سبل العيش بعد الخراب الذي طال المدن المحررة من قبضة داعش، وحالة النزوح الجماعي لسكان المناطق المحررة وما يخلفه هذا النزوح على المدى الطويل من آثار مدمرة على المستويين الاجتماعي والنفسي .

ان ابرز ما يتطلبه تحقيق التعايش السلمي وتثبيت اركان السلم الاهلي هو:

1- ضرورة حث النظام السياسي في العراق على العمل بكل الامكانيات لترتيب بيته الداخلي بعدالة ودون تمييز وانحياز وبالسرعة التي تتناسب مع حجم المحن التي يواجهها المجتمع العراقي.

2- اتخاذ اجراءات واضحة لتحديد كافة الاطراف المعنية في المجتمع دون استثناء ومهما كان حجمها واشراكها في عملية مصالحة حقيقية تضمن تعايشا فعليا لا صوريا.

3- اشراك المرأة في عملية صنع السلام ومنحها دورا فعالا.

4- ضرورة تجاوز القيادات السياسية والعسكرية والمدنية مصالحها الخاصة ومنح الاولوية للتفكير بالمصلحة العامة للبلد.

5-ايجاد بيئة سياسية ملائمة تسعى لأحتضان كافة الافكار البناءة والمشاريع الممهدة لبناء الوطن على وفق اسلوب فعال تجنبا لاندلاع النزاعات المحلية مجددا. 7- ايجاد مؤسسات سياسية تقتصر مهمتها على اشاعة ثقافة التعايش السلمي في العراق شريطة توافر النية الحقيقية والتوجيه الدقيق والجهود الصادقة في هذا المجال.

7- بناء الثقة بين مكونات الشعب العراقي وتعزيز هويته الوطنية اذا ما اريد للاستقرار ان يستتب والتعايش ان يتجذر مما سينعكس ايجابيا على عملية تعزيز السلم الاهلي وهذا يتطلب اتفاقا سياسيا بين كافة القوى السياسية في البلاد لا سيما تلك المشاركة في العملية السياسية والتي ستقوم بدور المشجع على التقارب والتصالح والدعوة لنسيان اثار الماضي الملئ بالآلام والحقد والكراهية .

8- الادارة السلمية للتعددية المجتمعية والتي تحفظ للجماعات المتنوعة داخل المجتمع العراقي العيش بسلام على ارض الوطن والتعبير عن تنوعها في اجواء من الاحترام المتبادل.

9- الاحتكام الى القانون في حل الخلافات الداخلية والذي يعد اهم مؤشرات استقرار السلم الاهلي التفاعلي.

10- تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال المشاركة في الثروة وتوسيع قاعدة الملكية والحصول على نصيب عادل من الخدمات العامة.

11- تفعيل مؤسسات المجتمع المدني والتي تعمل على تنمية روح التعايش السلمي بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وممارسة دور رقابي على عمل الاجهزة الحكومية.

ان التعايش السلمي الذي اريد له ان يكون مشروعا يستهدف بناء المجتمع العراقي من جديد ليعيده الى حالة من التوازن والاستقرار من اجل الانتقال بايجابية الى مرحلة ما بعد داعش سينحرف عن مساره الحقيقي ويتحول الى مشروع سياسي يستهدف التصالح بين الفرقاء السياسيين بغية توزيع غنائم السلطة اذا ما تمت ادارته بطريقة غير سليمة وخاطئة مما سيؤدي الى تجاهل الالتزام الاخلاقي تجاه ضحايا انتهاكات حقوق الانسان الذي يعد ضرورة من ضرورات التحول الديمقراطي.

* بحث مقدم لمؤتمر الاستقرار الأمني والمجتمعي في العراق لمرحلة ما بعد داعش، الذي عقد من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جامعة بغداد، وبالتعاون مع مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام بتاريخ 23/10/2017.

........................................................................
المصادر
1- فهيل جبار جلبي،المصالحة الوطنية في العراق: دراسة سياسية حول الوضع العراقي بعد 2003، مركز دراسات السلام وحل النزاعات، جامعة دهوك،2014.
2- مجموعة باحثين ، التعايش السلمي في العراق .. الواقع والمستقبل ،بحوث المؤتمر العلمي السنوي لكلية العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة السليمانية ، 2011.
3- فراس البياتي، التحول الديمقراطي في العراق بعد 9 نيسان 2003، بيروت، العارف للمطبوعات، 2013.
4- ناريمان عامر واخرون، عوامل السلم الاهلي والنزاع الاهلي في سوريا،دمشق ، مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سوريا،2013.

اضف تعليق