التَّفتيشُ في النَّوايا وكأَنَّ الواحِدُ منَّا وكيلُ الله تعالى في أَرضهِ خوَّلهُ مُحاسبةَ النَّاسِ على دينهِم وعقائدهِم ونواياهُم وأَعمالهُم، فوقفنا عندَ بوَّاباتِ الجنَّةِ والنَّار، نُدخِلُ فيها مَن نشاءُ ونطرُدُ أَو نُنقِذُ منها مَن نشاءُ! فمَن أَجازَ لكَ أَن تُفتِّش في نوايا الآخَرينَ؟! سواءً كانُوا من نفسِ دينِكَ أَو...
(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
[٣] أَشياء لا يغلبَنا بها أَحدٌ أَبداً؛
١/ التَّضحيةُ من أَجلِ الماضي.
والله تعالى يقولُ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) و (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى* قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى).
وهذهِ من علاماتِ الفاشلِ فالمشغُولُ في بناءِ حاضرهِ الزَّاهر ويُخطِّطُ لمُستقبلهِ النيِّر لا يعيشُ في خلافاتِ الماضي فيتقاتلُ من أَجلِها وكأَنَّهُ هو الذي صنعها أَو أَنَّهُ قادِرٌ على التَّأثيرِ بها أَو تغييرِها.
نِصفُ حياةِ الفاشلينَ تذهبُ هدراً وسُدىً في الجِدالِ بالماضي والنِّصفُ الآخر يضيعُ في استنساخِها إِمَّا على شكلِ خلافاتٍ دينيَّةٍ وطائفيَّةٍ تتسبَّبُ بالحرُوبِ الطَّائفيَّةِ المُدمِّرةِ فتُمزِّقُ الأُمَّة وتُدمِّرُ نسيجها الإِجتماعي وتقضي على أَيِّ شكلٍ من أَشكالِ التَّعايُشِ والإِندماجِ والله تعالى يقُولُ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) أَو على شكلِ آراء وفتاوى عفا عليها الزَّمنُ رُبما كانت مفيدةٌ في وقتها وليسَ لكُلِّ وقتٍ! وهي التي تُشرعِنُ الحالاتِ أَعلاهُ.
والخطيرُ في الأَمرِ هوَ أَنَّ اليدَ الخفيَّةَ التي تتلاعَبُ بمُقدِّراتِ حاضرِنا تتخندقُ وراءَ سِتار الماضي الذي تُشكِّلهُ كيفما تشاءُ لخدمةِ أَغراضِها الخبيثةُ، وبهذهِ الخديعة غلَّفت كُلَّ صراعاتِنا بالمُقدَّسِ [الدِّين] باعتبارِ (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) لإِقناعِ النَّاسَ بوجُوبِ خَوضِها وأَنَّ مَن لم يشترِك فيها ولو بتغريدةٍ ينشرَها في وسائِل التَّواصُلِ الإِجتماعي فهوَ آثِمٌ! في الوقتِ الذي يعرِفُ الجميع أَنَّ كُلَّ هذهِ المشاكِل والصِّراعات إِنَّما دوافعَها سياسيَّةٌ لتحقيقِ أَقصى غايات النُّفوذ والمال والسُّلطة والسَّطوَة.
٢/ التَّفتيشُ في النَّوايا وكأَنَّ الواحِدُ منَّا وكيلُ الله تعالى في أَرضهِ خوَّلهُ مُحاسبةَ النَّاسِ على دينهِم وعقائدهِم ونواياهُم وأَعمالهُم، فوقفنا عندَ بوَّاباتِ الجنَّةِ والنَّار، نُدخِلُ فيها مَن نشاءُ ونطرُدُ أَو نُنقِذُ منها مَن نشاءُ! والله تعالى يقولُ (وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) وقولهُ تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا).
وفي رِوايةٍ صحيحةٍ وردَت بالنَّصِّ التَّالي عن أَحدِ صحابةِ رسُولِ الله (ص) (بعثَنا رسولُ اللَّهِ (ص) سريَّةً إلى الحُرقاتِ فنَذروا بنا فَهَربوا فأدرَكْنا رجلًا فلمَّا غشيناهُ قالَ؛ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فضَربناهُ حتَّى قتلناهُ فذَكَرتُهُ للنَّبيِّ (ص) فقالَ؛ من لَكَ بِـ (لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟!) فقُلتُ؛ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّما قالَها مَخافةَ السِّلاحِ! قالَ؛ أفلا شقَقتَ عن قلبِهِ حتَّى تعلمَ مِن أجلِ ذلِكَ قالَها أم لا؟! (مَن لَكَ بلا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يومَ القيامةِ؟!) فما زالَ يقولُها حتَّى وَدِدْتُ أنِّي لم أُسلِم إلَّا يومئذٍ).
فمَن أَجازَ لكَ أَن تُفتِّش في نوايا الآخَرينَ؟! سواءً كانُوا من نفسِ دينِكَ أَو مذهبِكَ أَو يُخالِفُونكَ فيهِما؟!.
والغريبُ أَنَّ بعضَ النَّماذج ممَّن يتمادى أَكثر فيذهبُ بها عريضةً ليُعارِضَ كُلَّ ما يمرَّ عليهِ من رأيٍ وفكرةٍ وتحليلٍ وموقفٍ وفي كُلِّ المجالاتِ وكأَنَّهُ شيطانٌ رجيمٌ أَو عبقريُّ لهُ صنعةٌ في كُلِّ شيءٍ حتى يكُونُ مصداقاً لقَولهِ تعالى (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).
ليسَ من حقِّ أَحدٍ أَبداً أَن يحمِلَ السُّلَّم بالعَرضِ، كما يُقالُ، فيكُونُ شُرطيّاً يرفعُ العصا بوجهِ المارَّةِ أَبداً والله تعالى يقُولُ (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).
إِنَّ ظاهرةَ التَّفتيش في النَّوايا ومُحاسبةَ النَّاسِ عليها تجاوُزٌ خطيرٌ على الإِرادةِ الإِلهيَّةِ التي اختصَّ بها ربُّ العزَّةِ فحسب، كما في قَولهِ تعالى (رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ۚ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا).
وبرأيي فإِنَّ الدَّافعَ لذلكَ هو اعتقادُ المرءِ بكمالِ نفسهِ وذاتهِ وتكامُلِ بناءِ شخصيَّتهِ فلم يبقَ أَمامهُ إِلَّا أَن يتدخَّل فيُفتِّشَ في نوايا الآخرينَ ليُصلِحها.
ولقد أَشار أَميرُ المُؤمِنينَ (ع) إِلى هذا المرضِ الخطيرِ والتَّجاوُزِ المذمومِ والقبيحِ ثُمَّ عالجَهُ بقَولهِ (ع) (مَنْ نَظَرَ فِي عَيْبِ نَفْسِه اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِه ومَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللَّه لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَه ومَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِه ومَنْ كَابَدَ الأُمُورَ عَطِبَ ومَنِ اقْتَحَمَ اللُّجَجَ غَرِقَ ومَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ ومَنْ كَثُرَ كَلَامُه كَثُرَ خَطَؤُه ومَنْ كَثُرَ خَطَؤُه قَلَّ حَيَاؤُه ومَنْ قَلَّ حَيَاؤُه قَلَّ وَرَعُه ومَنْ قَلَّ وَرَعُه مَاتَ قَلْبُه ومَنْ مَاتَ قَلْبُه دَخَلَ النَّارَ ومَنْ نَظَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ فَأَنْكَرَهَا ثُمَّ رَضِيَهَا لِنَفْسِه فَذَلِكَ الأَحْمَقُ بِعَيْنِه والْقَنَاعَةُ مَالٌ لَا يَنْفَدُ ومَنْ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ ومَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُه إِلَّا فِيمَا يَعْنِيه).
اضف تعليق