ملفات - شهر رمضان

التعددية والاستشارة والاخوة طريق النجاح

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ - السَّنةُ السَّادِسَةُ

الإِعتراف بالتنوُّع والتَّعايش

(وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ).

إِنَّ أَسوء وأَخطر أَسباب الفشل في المجتمع هو الإِرهاب الفكري وتحديداً (إِرهاب الخلفيَّة) فأَنت مُتَّهم لأَنَّك تُخالفني في الرَّأي، وأَنت مُحاصر لأَنَّنا لم ننتمِ إِلى خلفيَّةٍ دينيَّةٍ أَو مذهبيَّةٍ واحدةٍ، وأَنت مشكوكٌ في أَمرِكَ لأَنَّك لم تنحدر من نفسِ الخلفيَّة المرجعيَّة أَو السياسيَّة والحزبيَّة، وأَنتَ مشبوهٌ لأَنَّك خرجتَ في طريقةِ تفكيرِكَ وفِي طرحِكَ للأَسئلةِ والشُّبهاتِ عَنِ المشهور، وأَنت مُراقب إِذا خِضتَ في اللامُفكَّر فيه، وأَنتَ غير مرضيٍّ عنكَ إِذا توقَّفت عن التَّصفيق للزَّعيم الأَوحدِ قَبْلَ أَن يلوِّح لَكَ بعصاه! وهكذا!.

وللآيةِ مصاديقَ في العلاقاتِ الدَّوليَّةِ وفِي السُّلوكِ الفردي والمُجتمعي.

إِنَّ التنوُّع الثَّقافي والتعدديَّة الفكريَّة أَحد أَهم مقوِّمات التَّنمية البشريَّة وهي دليلُ الإِنفتاح الذي يقودُ إِلى الإِستيعابِ، أَمَّا الشموليَّة في الفكر والثَّقافة والإِنغلاق والأُحاديَّة في الرَّأي فطريقٌ إِلى التخلُّف والتقهقر!.

فبينما يلزم أَن تكونَ القاعدة الحاكِمة في المُجتمع تعتمد التنوُّع والتعدديَّة في إِطارِ قولِ الله عزَّ وجلَّ (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) و(أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) وهي القاعِدة التي تُكرِّس النَّجاح في المُجتمعات التي تأخذ بها وتعتمدَها، نجد أَنَّ مُجتمعاتِنا لازالت تتمسَّك بقاعدةِ إِلغاء الآخر بسببِ إِختلاف الخلفيَّة وهي القاعِدة السيِّئة التي أَشار إِليها القرآن الكريم متحِّدثاً عن المنهج الفرعوني الأَعوج بقولهِ تعالى (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).

إِنَّها قاعدة إِحتكار الحقيقة، على قاعدة (مَن ليسَ معنا فهوَ علينا) وحمَلات التَّشهير والتَّسقيط والإِغتيال السِّياسي جاهزةٌ على قدمٍ وساقٍ!.

وَلَو تصفَّحنا كلَّ تجارب الأُمم والشُّعوب قديماً وحديثاً لوجدنا أَنَّ الإِعتراف بالتنوُّع والتَّعايش معهُ هو أَحد أَهمِّ أَسباب النَّجاح، وهو أَحد أَهم أَسباب الإِستقرار السِّياسي والأَمني لأَنَّ التفرُّد يُنمِّي ظاهرة الإِستعلاء التي تُنتج العُنصريَّة التي تقودُ إِلى العُنفِ والارهاب!.

ورُبما لهذا السَّبب إِختار رَسُولُ الله (ص) الهجرة إِلى المدينة وتركَ مسقط رأسهِ مكَّة التي كانت مجتمعاً مُنغلقاً على نفسهِ يرفض الأخر حتَّى إِذا كانَ من صُلبهِ! ويُحارب أَيَّ شَكلٍ من أَشكال التنوُّع، ليذهبَ إِلى المدينةِ التي كانت مُنفتحة على التنوُّع وتقبل التعدديَّة ومُتعايشةً مع التنوُّع الذي أَقرَّهُ رَسُولُ الله (ص) في نصِّ (وثيقة المدينة).

إِنَّ الإِنغلاق يتعارض مع طبيعةِ خلقِ الله تعالى الذي يصفهُ بقولهِ (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ) وقولهِ تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ).

وهو الواقع الْيَوْم، فلولا قَبول الشُّعوب المُتحضِّرة بالتنوُّع والتعدديَّة واستيعابها لمُختلفِ المِلل والنِّحل والثَّقافات والخلفيَّات لما نجحت في البِناء والتَّنمية، طبعاً من دونِ أَن يعني ذَلِكَ أَنَّها قضت نهائيّاً على التَّمييز والعُنصريَّة! فلازالت منها آثارُ بقيَّةٍ يُثيرها بين الفينةِ والأُخرى زُعماء أَحزاب أَو دُول عنصريُّون يتمكَّنونَ من السُّلطة كما هو الحال الآن مع (النَّهج الترامبي) الذي انتشرَ في العالَم بشَكلٍ بات يهدِّد إِستقرار البشريَّة.

أَمَّا عندنا فلازالَ التَّمييزُ في المُجتمع أَصلٌ من أُصولِ العلاقةِ مع بعضِنا البعض الآخر!.

رُبما نحاولُ أَن نُخفيهِ بشَكلٍ أَو بآخر إِلَّا أَنَّهُ يفلت من عقالهِ في لحظةِ خلافٍ أَو غضبٍ بين اثنينِ أَو في لحظةِ تفاضُلٍ (جاهليٍّ) أَو عِنْدَ عتبةِ مَوقعِ مسؤُوليَّةٍ، وهكذا!.

فنِّ الإِستشارةِ

(وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ* قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ).

لم تكُن الرُّؤية أَضغاثُ أَحلامٍ، كما رأَى المُستشارونَ في ردِّهم على سؤَال الملكِ عندما استفتاهُم، إِنَّما كانت رؤيةً حقيقيَّةً وطَّأَت للإِنتقال بالدَّولة من مرحلةِ الفساد السِّياسي والإِداري وفساد المؤَسَّسة الدينيَّة إِلى مرحلة البِناء والإِعمار والتَّنمية الحقيقيَّة كنتيجةٍ للثَّورةِ الإِداريَّة التي قادها نبيَّ الله يوسف (ع).

المُشكلةُ كانت أَنَّ الملكَ لم يستشِر، بادئ ذي بدء، الشَّخص الصَّحيح وإِنَّما استشارَ مجموعةً من المُستشارين الجهلة الذين يأخذونَ بظواهر الأُمور من دونِ تعمُّقٍ أَو دراسةٍ مُستفيضةٍ! أَمَّا عندما استشارَ الشَّخص الصَّحيح (نبيَّ الله يوسف (ع)) حصل على التفسير والإِجابة الصَّحيحة!.

وهذه هي مشكلةُ أَغلبنا فعندما نريدُ أَن نستشيرَ أَحداً في أَمرٍ ما لا نذهب إِلى الشَّخص الصَّحيح، الخبير صاحب الرَّأي السَّديد المعروف برجاحةِ العقلِ والأَمانةِ في الرَّأي، وإِنَّما نذهب إِلى أَيِّ واحدٍ نستشيرهُ حتَّى إِذا لم يكُن مُختصّاً بالموضوع مَورد الإِستشارة أَو جاهلاً بهِ ولا علمَ لهُ بهِ! ولمّا لم تأتِ النَّتائج بالشَّكل السَّليم والمطلوب نرمي مشكلتنا على الحظِّ مثلاً!.

وعلى العكسِ من ملكِ مِصر الذي كانت تحيطُ بهِ مجموعةً من المُستشارين النفعيِّين الذين لا يفهمُونَ بشيءٍ لأَنَّهم كانُوا يقدِّمون مصالحهُم الشخصيَّة على المصالح العامَّة فكانُوا يفسِّرونَ الأُمور التي يسأَلهم عنها الملك بما يحمي الفساد ويحفظ مصالحهُم عِنْدَ المسؤُولين الفاسدين في الدَّولة والمعبد! فإِنَّ ملِكة اليَمن كانت تُحيطُ عرشها بمجموعةٍ تختلفُ عن هذا النَّوع من المُستشارين! ولذلك فعندما استشارتهُم في أَمر نبيَّ الله سُليمان (ع) لم يتسرَّعوا في الإِجابةِ وإِنَّما بذلُوا جُهدهم لدراسةِ الأَمر وتقليبِ ظهرهِ وبطنهِ ليقدِّموا لها أَفضل ما عندهُم من آراء تحمي المملكة ولا تضرُّ بالملِكة وسمعتها ومكانتها! ثمَّ تركُوا البابَ مفتوحاً للنِّقاش ولم يغلقوها لشدَّة حساسيَّة وخطورة الموضوع.

يَقُولُ تعالى (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ* قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍۢ وَأُوْلُواْ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ).

من المهمِّ جدّاً أَن نتعلَّمَ فنِّ الإِستشارةِ وفنِّ السُّؤال، نتعلَّم لِمن نستشير؟ ولماذا؟ وكيفَ؟ ومتى؟ لأَنَّ كلَّ ذَلِكَ مُقدِّمات ضروريَّة تُحدِّد صحَّة أَو خطأ النَّتيجة المُرتقبة.

إِنَّ المُستشارين همُ الذين يقرِّرون مصير المسؤُول وتالياً الدَّولة، ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ المشرِّع حرصَ أَشدَّ الحرصِ على تحديدِ شرُوطٍ قاسيةٍ في المُستشار، فهوَ عقلُ المسؤُول الذي يفكِّرُ بهِ وعينهُ التي ترصُد وأُذنهُ التي تُتابع، فإِذا كانَ العقلُ مُصاباً بعمى البصيرةِ والعينُ بعمى البصرِ والأُذنُ بالطَّرش، فأَيُّ نوعٍ سيكونُ هذا المُستشارُ إِذن؟! وأَيُّ نوعٍ من الإِستشارات سيقدِّمها للمسؤُول كلَّما استشارهُ بأَمرٍ؟!.

إِنَّ أَهم خِصلتَين في المُستشار، أَيَّ مُستشار، هما التي دوَّنهُما أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في خُطبتهِ في أَصحابهِ عندما سأَلهُم المَشوَرة قائِلاً (فَأَعِينُوني بِمُنَاصَحَةٍ خَلِيَّة مِنَ الْغِشِّ، سَلِيمَةً مِنَ الرَّيْبِ).

فالغشُّ والتردُّد يُدمِّران الإِستشارة وبالتَّالي النَّتائج المُنتظَرةِ! فهُما من أَسوء ما قد تُصيبان الإِستشارة، وعكسهُما الصِّدق والثِّقة، فـ (المُستشارُ مُؤتَمنٌ) ومن شرُوطِ الأَمانةِ هو أَن لا تحتوي الإِستشارة على غشٍّ أَو فيها ورطةٍ أَو مقلبٍ! وأَن تكونَ سليمةً من الشكِّ والتردُّد (الرِّيب).

‏شروط الاخوة

(لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ).

للأُخوَّةِ شروطٌ وللصدَّاقةِ شروطٌ وللجيرةِ شروطٌ وللزَّمالةِ شروطٌ، ما لم تُستوفى فلن تنفعَ في شَيْءٍ وهي تنهارُ في أَقربِ فُرصةٍ تواجهُ بها الحقيقة!.

فالأَخُ الذي يترصَّدُ بأَخيهِ، فيرقصُ طَرباً إِذا سقطَ ويغضبُ حسداً إِذا نهضَ، ليس بأَخٍ!.

والصَّديقُ الذي يحجمُ عن المُساعدةِ عند الشدَّة ويتملَّقُ وقتَ الحاجةِ، ليسَ بصديقٍ!.

والجارُ الذي يؤذي جارهُ ويُراقبهُ للوقيعةِ بهِ ولا يحترمُ خصوصيَّاتهُ، هو جارُ سوءٍ!.

وهكذا.

فلقد وضعَ المُشرِّعُ شروطاً ومقوِّماتٍ والتزاماتٍ وموازينَ لكلِّ واحدةٍ من هَذِهِ الأَسماء (الأَخ، الصَّديق، الجار، الزَّميل) لينظِّمها في المُجتمعِ فتستقرَّ العلاقاتِ فلا يتجاوزُ أَحدٌ على أَحدٍ!.

يَقُولُ الإِمام السَّجاد علي بن الحُسين زَين العابدينَ (ع) في سِفرهِ العظيم (رِسالةُ الحقوق)؛

وَأَمّا حَقُّ أَخِيكَ فَتَعْلَمَ أَنّهُ يَدُكَ الَّتِي تَبسُطُهَا، وَظَهْرُكَ الَّذِي تَلْتَجِئُ إلَيهِ، وَعِزُّكَ الَّذِي تَعْتَمِدُ عَلَيهِ، وَقُوَّتُكَ الَّتِي تَصُولُ بهَا، فَلا تَتَّخِذْهُ سِلاحًا علَى مَعصيةِ اللَّهِ ولا عُدَّةً لِلظُّلْمِ بحَقِّ اللَّهِ، ولا تَدَعْ نُصْرتَهُ عَلَى نفْسِهِ وَمَعُونتَه عَلَى عَدُوِّهِ وَالْحَوْلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيَاطينهِ وتَأْديَةَ النَّصِيحَةِ إلَيهِ والإقبَال عَلَيْهِ فِي اللَّهِ فَإنْ انقَادَ لِرَبهِ وَأَحْسَنَ الإجَابَةَ لَهُ وَإلاّ فَلْيَكُنِ اللهُ آثرَ عِنْدَكَ وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنْهُ.

ويقولُ (ع) عن حقِّ الصَّاحب (الصَّديق)؛

وَأمـّا حَقُّ الصَّاحِب فَأَنْ تَصْحَبَهُ بالفَضلِ مَا وَجَدْتَ إلَيهِ سَبيلاً وإلا فَلا أَقَلَّ مِنَ الإنصافِ، وَأَنْ تُكْرِمَهُ كَمَا يـُكْرِمُكَ، وَتـحْفَظَهُ كَمَا يـَحْفَظُكَ، ولا يَسْبقَكَ فِيمَــا بَينَكَ وبَينَهُ إلَى مـَكْرَمَةٍ، فَـإنْ سَبَقَكَ كَافَـــأتَهُ، ولا تُقَصِّرَ بهِ عَمَّا يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَوَدَّةِ، وَتُلْزِمُ نفْسَكَ نصِيحَتَهُ وَحِيَاطَتَهُ وَمُعَاضَدتَهُ عَلَى طَـــــاعَةِ رَبهِ وَمَعُونتَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِيمَا لا يَهُمُّ بهِ مِنْ مَعْصِيةِ رَبهِ، ثُمَّ تَكُونُ (عَلَيْهِ) رَحْمَةً ولا تَكُونُ عَلَيهِ عَذَاباً. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

أَمَّا عن حقِّ الجارِ فيقولُ (ع)؛

وَأمّــا حَقُّ الجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِبًا وَكَرَامَتُهُ شَاهِدًا ونُصْرَتُهُ وَمَعُونتُهُ فِي الحَـالَينِ جَمِيعــاً.

لا تَتَّبعْ لَهُ عَوْرَةً ولا تَبحَثْ لَهُ عَنْ سَوْءَة لِتَعْرِفَهَا، فَإنْ عَرَفْتَهَــــــا مِنْهُ عَنْ غَيْرِ إرَادَةٍ مِنْكَ وَلا تَكَلُّفٍ كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْناً حَصِيناً وَسِتْرًا سَتِيرًا، لَوْ بَحَثَتِ الأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيرًا لَمْ تَتَّصِلْ إلَيْه لانطِوَائِهِ عَلَيهِ.

لا تَسْــتَمِعْ عَلَيهِ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَـــمُ ولا تُسَلِّمْهُ عِنْدَ شَديدَةٍ، ولا تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَةٍ.

تُقِيلُ عَثْرَتهُ وتَغْفِرْ زَلَّتَهُ، ولا تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إذَا جَهِلَ عَلَيْكَ، ولا تَخرُجْ أَنْ تَكُونَ سُلَّمًا لَهُ.

تَرُدُّ عَنهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ، وَتُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ، وَتُعَــــــاشِرَهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلا باللهِ.

يتبيَّن لنا من هذه النُّصوص أَنَّ لكلِّ عنوانٍ من تلك العناوينَ شروطٌ وواجباتٌ والتزاماتٌ مُتبادلةٌ لا يمكنُ أَن تُستوفى من طرفٍ واحدٍ أَبداً.

في الأُخوَّةِ تعالُوا نقرأَ مثلاً قصَّتها في العلاقةِ بينَ نبي الله موسى (ع) وأَخوهُ هارونَ (ع)، فما الذي كان ينتظرهُ موسى (ع) مِنْهُ عندما دعا الله تعالى أَن يجعلهُ شريكهُ في تبليغِ الرِّسالةِ؟!.

يحدِّثنا القرآن الكريم فيقولُ؛

(اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى* قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا).

ويُضيفُ في آياتٍ أُخرى بنفسِ السِّياقِ؛

(قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ* وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ* قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ).

موسى (ع) إِذن أَراد أَن يتكاملَ مَعَ أَخيهِ فلم يُردهُ إِضافةً بلا معنى أَو وجوداً بِلا فائدة أَو ديكوراً كأَنَّهُ خشبةً ميِّتةً أَو صِفراً على يمينِ الرَّقمِ أَو شاخصاً يتفرَّجُ!.

هو أَرادهُ إِضافةً حقيقيَّةً، أَمَّا ربَّهُ فمكَّنَّهُ عندما استجابَ لطلبهِ!.

أَمَّا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) فيتحسَّر على إِخوانٍ فقدهُم، فأَيُّ نوعٍ من الإِخوان كانوا؟!.

يَقُولُ (ع) يصفهُم؛

أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُوالشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟.

ويُضيفُ (ع)؛

أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا.

قارنُوا هذه الصِّفات بما هُوَ موجودٌ الْيَوْم في مَن نتصوَّر أَنَّهُ أَخٌ أَو صديقٌ أَو زميلٌ؛

يختفي عِنْدَ الأَزمةِ ويلوذُ بصمتِ أَهْلِ القبور عندما تحتاجُ مِنْهُ أَن ينطقَ بكلمةِ حقٍّ، إِذا أَردتهُ ليُعينُك على حقٍّ غابَ عنكَ! وإِذا أَردتهُ ليُعينك على باطلٍ سارعَ إِليكِ!.

إِنَّهُ الزَّمنُ الأَغبر الذي فِيهِ الأَخُ تافِهٌ والصَّديقُ جبانٌ والزَّميلُ لئيمٌ.

إِذا لم يرتقِ الأَخُ إِلى مصافِّ هَذِهِ الصِّفات والمُميِّزات التَّاليةِ فلا خيرَ فِيهِ! وأَنَّ وجودهُ في حياتِكَ من عدمهِ وحضورهُ من غَيابهِ سيَّان.

وشهرُ الله الفضيل، رمضان الكريمُ والمُبارك، فرصةً ثمينةً لنعيدَ بناء هَذِهِ المُسمَّياتِ حسبَ المقاسات الرِّساليَّة لتعودَ تزهو في سمائِنا!.

يَقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع)؛

أَنْتُمُ الاَنْصَارُ عَلَى الْحَقِّ، وَالاِخُوَانُ في الدِّينِ، وَالْجُنَنُ يَوْمَ الْبَأْسِ، وَالْبِطَانَةُ دُونَ النَّاسِ، بِكُمْ أَضْرِبُ الْمُدْبِرَ، وَأَرْجُو طَاعَةَ الْمُقْبِلِ.

فهل هِيَ صفاتٌ تعجيزيَّةٌ؟! أَو أَنَّها مثاليَّةٌ؟!.

أَبداً فهي ليست كذلكَ، فلقد مرَّ كلَّ واحدٍ منَّا في حياتهِ بتجاربَ أَشدَّ منها، قد لا تتحقَّقُ في الأَخ الذي هوَ من أُمِّكَ وأَبيكَ ولكنَّك تجدها في أَخٍ لم تلدهُ أُمَّك كما في القولِ المأثورِ (رُبَّ أَخٍ لَكَ لم تلدهُ أُمَّكَ).

كذلكَ فإِنَّ للصَّداقةِ شروطٌ يَجِبُ أَن يستَوفيها الأَصدقاء وإِلَّا فلا قيمةَ لها، ولعلَّ مِن أَبرزِها شيئان كما وردَ عن أَميرِ المُؤمنينَ (ع)؛

*الصِّدق وعدم الغشّ، كما في قولهِ (صَدِيقُكَ مَن صَدَقَكَ ﻻ‌ مَن صَدَّقَكَ) ليُعينكَ على باطلٍ بردعِكَ عَنْهُ وعلى حقٍّ بنُصحِكَ.

**حبُّ الخيرِ، فيفرحُ إِذا علا إِسمُكَ واشتهرَ صيتُكَ بينَ النَّاسِ!.

يَقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في وصيَّتِهِ لولدهِ الحسن السِّبط المُجتبى (ع) (يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا).

ومِنها، كذلكَ، ما يلي كما وردَت في موعظةٍ لأَبي مُحمَّدٍ الحسنُ بن عليٍّ السِّبط (ع) وعظَ بها الصَّحابي الجليل جُنادة بن أَبي أُميَّةَ؛

إِصحَب مَن إِذا صحبتهُ زانَكَ، وإِذا أَخذتَ مِنْهُ صانَكَ، وإِذا أَردتَ مِنْهُ معُونةً أَعانَك، وإِن قُلتَ صَدَّق قولَكَ، وإِن صُلتَ شَدَّ صَولَتَكَ، وإِن مدَدتَ يدَكَ بفَضلٍ مدَّها، وإِن بدَت مِنكَ ثلْمةً سدَّها، وإِن رأى منك حسنة عدّها، وإن سألت أعطاك ، وإن سكتَّ عَنْهُ ابتدَأَكَ، وإِن نَزلَت بِكَ إِحدَى المُلِمَّاتِ واسَاكَ، مَن لا تأْتيكَ مِنْهُ البَوائِقَ، ولا تَختَلِفُ عليكَ مِنْهُ الطَّرائِقَ، ولا يَخذُلكَ عِنْدَ الحقائِق، وإِن تنازَعتُما مُنقَسَماً آثرَكَ.

‏ nazarhaidar1@hotmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2