إن الرشوة غالباً ما تُفسَّر بالفقر، لكن الواقع يكشف أن المال لا يأتي دائماً لسد حاجة، وإنما يتحول إلى وسيلة لإشباع الطمع وتوسيع النفوذ. الخطأ الأساسي في فهم الرشوة هو اختزالها في العامل الاقتصادي، إذ تنشأ عندما يحل الكسب السريع محل احترام القانون والضمير المهني...

يدخل مواطن إلى دائرة حكومية لإنجاز معاملة بسيطة، فيكتشف أن الطريق إليها ليس بالوضوح الذي توقعه. موظف يؤجل، وآخر يلمّح، ووسيط يعرض «الحل السريع». قد يدفع المواطن المال كي ينتهي من معاملته، وقد يقبل الموظف المال وهو يعرف أن راتبه يكفيه لحياته. في هذه اللحظة لا تعود الرشوة مجرد مبلغ ينتقل من يد إلى أخرى؛ إنها علاقة مختلة بين السلطة والحاجة والضمير.

الرشوة غالباً ما تُفسَّر بالفقر والحاجة، وكأن الإنسان لا يرتشي إلا عندما تضيق به الحياة. غير أن الواقع يكشف صورة أكثر تعقيداً؛ فكثير من الذين يمارسونها لا يعيشون الفقر، وقد يكون بعضهم من أصحاب الدخول والثروات. المال هنا لا يأتي دائماً لسد حاجة، وإنما قد يتحول إلى وسيلة لإشباع الطمع، وتوسيع النفوذ، وتحقيق مكاسب أسرع من الطرق المشروعة.

ولهذا فإن أول خطأ في فهم الرشوة هو اختزالها في العامل الاقتصادي. غلاء المعيشة وضعف الدخل قد يزيدان قابلية بعض الأفراد للانحراف، لكنهما لا يفسران وحدهما لماذا يطلب شخص ميسور المال مقابل خدمة تدخل أصلاً في واجبه الوظيفي. عندما يصبح المال معياراً أساسياً للنجاح، ويتراجع احترام الجهد والوقت والقانون، تنشأ بيئة تجعل الكسب السريع أكثر إغراءً من العمل النزيه.

في جوهرها النفسي، تقوم الرشوة على إعادة تعريف المنفعة. المرتشي لا يرى الوظيفة مسؤولية تجاه الناس، وإنما فرصة يستطيع من خلالها تحويل موقعه إلى مورد شخصي. ومع تكرار الفعل تتغير حساسيته الأخلاقية؛ ما كان يشعر تجاهه بالخجل يصبح عادياً، وما كان يعده تجاوزاً يتحول إلى «حق» مكتسب، ثم قد يصل الأمر إلى أن ينظر إلى الموظف النزيه باعتباره ساذجاً لأنه يرفض المال المتاح أمامه.

وتظهر هنا أهمية ما يسميه علم الاجتماع اللامعيارية (Anomie)، حين تضعف القواعد المشتركة التي تحدد ما ينبغي فعله وما ينبغي رفضه. فإذا رأى الفرد أن القانون يمكن الالتفاف عليه، وأن بعض الناس يحصلون على امتيازاتهم بالواسطة والمال، وأن المخالفة لا تترك أثراً حقيقياً على صاحبها، تبدأ الحدود الأخلاقية بالاهتزاز. عندها لا يحتاج المرتشي إلى إقناع نفسه بأنه يفعل الصواب؛ يكفيه أن يرى أن الآخرين يفعلون الشيء نفسه.

لكن الرشوة لا تفسد الفرد وحده، وإنما تفسد معنى العمل نفسه. الموظف الذي يعتاد الحصول على المال مقابل أداء واجبه يتوقف تدريجياً عن النظر إلى الخدمة باعتبارها مسؤولية عامة. تصبح المعاملة التي يستطيع إنجازها اليوم مؤجلة حتى يدفع صاحبها، ويتحول الوقت إلى أداة ضغط، وتتحول حاجة المواطن إلى مصدر ربح. وهنا يتغير جوهر المؤسسة: من مكان لتقديم الخدمة إلى مساحة لإنتاج الامتيازات الشخصية.

وتبدأ بعض جذور هذه الثقافة في التربية المبكرة. الطفل الذي يتعلم أن كل عمل لا قيمة له ما لم يحصل بعده على مكافأة، أو أن الوصول إلى ما يريد يمكن أن يتم عبر الإلحاح والمساومة والتحايل، قد يكوّن علاقة مشروطة مع المسؤولية. المشكلة ليست في المكافأة ذاتها، وإنما في أن يتعلم الإنسان منذ الصغر أن قيمة الفعل لا تأتي من إتقانه أو أثره، وإنما من المقابل الذي يحصل عليه. عندما يكبر هذا الطفل ويدخل مؤسسة، قد يجد في الرشوة امتداداً لنمط تعلمه سابقاً.

وهنا تظهر أزمة أعمق في منظومة القيم. قد يكون الإنسان شديد الحساسية تجاه بعض القضايا الأخلاقية في حياته الخاصة، وفي الوقت نفسه لا يرى مشكلة في استغلال وظيفته أو أخذ مال من شخص يحتاج إلى خدمته. وهذا يعني أن الأخلاق تصبح مجزأة؛ حاضرة في مجال، وغائبة في مجال آخر. فالضمير المهني ليس أقل أهمية من الضمير الشخصي، وخيانة الأمانة في الوظيفة ليست مخالفة إدارية صغيرة، وإنما اعتداء على الثقة التي تقوم عليها الحياة العامة.

والأخطر أن الرشوة تعيد تشكيل المجتمع من الداخل. عندما يدفع المواطن كي يحصل على حقه، يبدأ النزيه بالشعور أن التزامه بالقانون يضعه في موقع أضعف، بينما يرى المتجاوز أنه أكثر قدرة على الوصول. ومع الوقت يصبح السلوك المنحرف مألوفاً، ويبدأ الناس في البحث عن الوسيط قبل البحث عن القانون. عند هذه النقطة لا تكون الرشوة مجرد فساد فردي؛ إنها ثقافة تنتج مزيداً من الفساد لأنها تجعل السلوك الصحيح يبدو أقل فاعلية.

لذلك لا يمكن مواجهة الرشوة بالوعظ وحده، كما لا يكفي رفع العقوبات من دون إصلاح البيئة التي تسمح بها. المواجهة تحتاج إلى إجراءات تقلل الاحتكاك غير الضروري بين المواطن والموظف، ورقمنة الخدمات، ووضوح الإجراءات، ومراقبة الأداء، وحماية المبلّغين، وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب بناء تربية تنمي احترام العمل والوقت والأمانة منذ الطفولة. كلما قلت المساحات التي تسمح بالابتزاز، وازدادت كلفة الفساد، أصبحت الرشوة أكثر صعوبة وأقل جاذبية.

في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: لماذا يحتاج المرتشي إلى المال؟ وإنما: كيف وصل إلى مرحلة يرى فيها حق الآخرين فرصة لتحقيق مصلحته؟ هنا تبدأ سيكولوجية الرشوة: حين يفقد الإنسان المعنى الأخلاقي لموقعه، ويصبح المال أهم من الأمانة، والمصلحة الشخصية أهم من القانون، والقدرة على استغلال الآخر علامة على الذكاء. لذلك فإن علاج الرشوة لا يبدأ من جيب المرتشي، وإنما من الفكرة التي سمحت له أن يضع يده فيه.

اضف تعليق