تتوق اغلب النفوس البشرية الى التميز فهو مطلب شرعي ولكل انسان الحق في ان يكون متميزاً، والعمل عليه يبدو امرا غريزياً وطبيعة من طبائع البشر الاصيلة في الغالب ومكتسبة في حالات اقل، لكن هذه الشرعية ستسقط بمجرد اتباع طرق غير قانونية من اجل تحقيقها فالمحدد الحقيقي لقيمة التميز يتمثل في طبيعة الوسائل والطرق المتبعة لنيله، فحسن النية وصلاح المقصد يرفع من تلك القيمة.

كما ان فساد النية يخل بالقصد وبالتالي ينفي الشرعية لسقوط الانسان فيما يسقطه انسانياً واخلاقياً بل ويدخل من دون ما أن يشعر في متاهة مضللة لا حد لها ولا مخرج منها، والامثلة الحياتية على سقوط الكثير من المتحمسين للتميز في قاع الرذيلة والفساد المالي والاخلاقي متخذين من القاعدة المشوه (الغاية تبرر الوسيلة) مبدأ لتحقيق غاياتهم الدونية وتعويض عقدهم النفسية.

على الطرف الآخر تجد نوع من البشر يقبعون على هوامش الحياة ولا يسعون لتطوير أنفسهم ولا يهمهم التميز اطلاقاً مبقين على مستوياتهم التي هم فيها بداعي الرضا بالواقع وبالتالي غياب السعي الى التغير وهذا أكبر مانع يحول بينهم وبين التميز، وهذا الامر ينم عن الكسل الذي ينتج من الاعتقاد الخاطئ ان التميز ليس الجميع لأنه يتطلب امتلاك مواصفات إعجازية وامتلاك قدرات خارقة.

حبا الله تعالى الانسان بقوى داخلية لو اكتشفها ونماها ورعاها يمكن ان يستفاد منها بدل ان تبقى معطلة او مطمورة وبالتالي تحرم الانسان من بزوغ شمس حياته، فالتميز ليس ضربة حظ بل هو ثمرة العمل والجد والتضحية والصبر، فمن منح الطموح حصد التميز، لهذا نجد أن الفرق بين حياة الإنسان المتميز وغيره يكمن في نقطة واحدة تتمثل في تحمل المشقة التي لولاها لتميز الناس جميعاً.

الارادة والرغبة في الانجاز العالي هو من يصنع انسان مميزاً، فالمدرس يستطيع ان يكون مميزاً في التدريس عبر استخدام طرائق التدريس الحديثة والاطلاع على المراجع المعلوماتية التي بالجديد في مجال الاختصاص، لكن حين يسير في طريق التسقيط لزملائه او التقصير في عمله في مدرسته بينما يقدم كل جهوده في الدروس الخصوصية وهذه مشكلة يعاني اغلب الطلبة مما يجعلهم يضطرون للدخول في الدروس الخصوصية يتحول الى انسان مقصراً وناشزاً لا متميزاً.

كما المهندس بمقدوره التمييز عبر الاتيان بتصاميم جديدة لم تطرق سابقاً او تنفيذ عمله بصدق وامانة وحرفية مواكباً الحداثة في تخصصه كما فعلت المهندسة العراقية الراحلة (زها حديد) لتبقى تصاميمها شاهداً صامتاً على تميزها على مستوى العالم سيما في اوربا، فهي رحمها الله كانت واضحة المسير والطريقة والهدف.

والطبيب يستطيع التميز عبر ابتكار وسائل متطورة لمعالجات الحالات المستجدة متعكزاً على خبراته السابقة وسعية الدائم للتطوير لكن يجب ان يكون الدافع من وراء ذلك خدمة البشرية لا اللعب بمشاعرهم وامتصاص دمائهم كما هو الحال في اغلب العيادات الخارجية والتي اصبحت اماكن لإستنزاف الاموال ولا وجود للرحمة فيها الا ما رحم ربي.

وكذا الحال بالنسبة لكل اصحاب المهن والوظائف التي يجب ان تكون الهدف من ممارستها خدمة الانسان وتأدية الادوار لتشكل فيما بينها دورة حياة كاملة يكمل بعضها الاخر فلا حياة بدون الشرطي والبقال والنجار وسائق التكسي والمعلم والمهندس، وما يشاع من فهم خاطئ ان الطبيب افضل من الشرطي ليس صواباً والصواب ان الحياة تمنح كل شخص دور كل دور يؤديه فتكتمل الحياة بهذه الشاكلة، وليس لاحد افضلية على احد.

ودورة الحياة او (تكامل الادوار) لا أعني به ان يبقى الانسان بين الحفر بل يجب ان يتحمل المسؤولية ويشق طريق التمييز شريطة ان يكن قادرا على تجشم عناء مشقة الطريق وتكاليف التميز، فلا تميز ونحن نسير في طرق السهلة غير المتعبة وليس لدينا استعداد لتجاوز المصاعب التي تعترض طريق النجاح والتميز ولا ندع اليأس ينفذ الينا فيوصلنا الاستسلام الذي هو مصير الضعفاء.

اضف تعليق