إذا فكرنا في عصاب الطبع واسع الانتشار اليوم، وَجَب علينا أن نطرح السؤال: لماذا ينشأ شخص على النحو الذي ندعوه كئيباً عصابياً؟ لماذا هو ليس كما يريد أن يكون، أي ليس لـه من السعادة في الحياة إلا النزر اليسير؟

أود أن أشير إلى اعتبار هو نتيجة ملاحظتي في الحياة، وهو أن ثمت قانوناً عاماً هو أن كل إنسان يريد أن يحيا ويريد أن يحظى من الحياة بأحسن ما يكون من اللذة والإشباع، ككل حيوان، وكل بزرة، ولا أحد يريد أن يشقى. ولا المازوخي كذلك؛ فالمازوخية عنده هي الطريقة الخاصة للحصول على الدرجة القصوى من اللذة. والسبب الذي يجعل الناس أكثر صحة أو أقل أو يعانون أكثر أو أقل يكمن في أنهم، بسبب ظروفهم، وأخطائهم، وسوء توجيههم لحياتهم (الذي يكون نظامياً في سن الثالثة فما بعد)، وكذلك في بعض الأحيان بسبب العوامل التكوينية والاتحاد الخاص للظروف، لا تكون لديهم الشروط المناسبة لتحقيق الحد الأعلى من النمو الذي يمكن أن يبلغه الشخص البشري. ولذلك ينشدون خلاصهم بطريقة كسيحة.

وأريد أن أقارن إمكانيات النمو النفسي الكسيحة بشجرة في الحديقة؛ إنها بين جدارين في إحدى الزوايا ويصل إليها القليل من الشمس. وقد نمت هذه الشجرة معوجّة تماماً، ولكنها نمت على ذلك النحو لأنه سبيلها الوحيد إلى الوصول إلى الشمس. وإذا أردت أن تتكلم عن هذه الشجرة كما تتكلم عن إنسان قلت إنها إنسان كسيح قبيح لأنه معوجّ تماماً. إنه ليس كما يجب أن يكون، وفقاً لاستعداداته الكامنة. ولكن لماذا هو على ذلك النحو؟ لأن هذه كانت طريقته الوحيدة للحصول على الضوء. وهذا ما أعنيه هنا، يسعى كل امرئ إلى الوصول إلى الشمس والحصول على النماء في الحياة. ولكن إذا كانت ظروفه هكذا بحيث لا يستطيع الحصول على ذلك بطريقة أكثر إيجابية، فإنه سيحصل عليه بطريقة معوجّة. وأقصد بـ "معوجّة" هنا معناها الرمزي، أي بطريقة مريضة، بطريقة منحرفة. ومع ذلك يظل إنساناً، يبذل أقصى مستطاعه للعثور على حل لحياته. وعلى المرء ألا ينسى ذلك.

وإنها لمهمة عسيرة للغاية أن يغيّر المرء نفسه وأن يحقق – كما يمكن أن تقولوا- تحويل الطبع. وفي الحقيقة كانت تلك غاية الأديان كلها، وجل الفلسفات. ومن المؤكد أنها كانت غاية الفلسفة اليونانية وهدف بعض فلسفات الحداثة، وسواء في ذلك أتحدثت عن البوذية أم تحدثت عن المسيحية واليهودية والإسلام أم سبينوزا أم أرسطو. فقد كانت كل هذه الرسالات تسعى إلى اكتشاف ماذا بوسع الإنسان أن يفعل ليمنح نفسه التوصيات، ويهدي نفسه إلى أفضل هَدْي وأسماه وأكثره صحة وفرحاً، إلى أقوى هدي في العيش. ويعمل أكثر الناس بدافع من الواجب، لأنهم يعتقدون أنهم مدينون له: وذلك يعني أنهم متّكلون. إنهم لم يصلوا بعدُ إلى مرحلة إثبات الذات، مرحلة طرح أنفسهم "هذا أنا، وهذه حياتي، وهذا اقتناعي، وهذا شعوري، وأنا لا أعمل وفقاً لنزواتي – فمن شأن ذلك أن يكون غير عقلي- بل وفقاً لما يمكن أن يدعوه المرء التجلي العقلي لذاتي، أو كما يمكن أن يقال، وفقاً للمتطلّبات الماهوية أو القدرات الماهوية في شخصيتي. وضد الدوافع التي هي غير عقلية كذلك". والمقصود بـ "الماهوية" هنا التي تنتمي إلى ماهية ذاتي بوصفي إنساناً.

ماذا يعني أن أكون عقلياً؟

قال هوايتهد Whitehead (1967, p. 4): "إن وظيفة العقل هي ترقية فن الحياة". ولو أردت أن أعبّر عن ذلك بكلماتي لقلت: إن العقلي هو كل ذلك، كل الأعمال والسلوك، التي ترفد نمو البنية ونشأتها، وغير العقلي هو كل تلك الأعمال السلوكية التي تعوّق نمو الكيان وبنيته وتقضي عليه، سواء أكان الكيان نباتاً أم كان إنساناً. وقد تطورت هذه الأمور، وفقاً للنظرية الداروينية، لتكون الجانب الآمن من مصالح الفرد والنوع في البقاء على قيد الحياة. ومن ثم فهي ترفد أساساً مصالح الفرد والنوع ولذلك هي عقلية. فالرغبة الجنسية عقلية. والجوع والظمأ عقليان تماماً.

بلية الإنسان أنه قليل التحدّد بالغرائز. ولولا ذلك ولو كان الإنسان حيواناً لكان عاقلاً تماماً – وكل حيوان عاقل تماماً- إذا تخلّصتم من عادتكم في التفكير وهي الخلط بين العاقل والمفكر. والعقلي لا يعني بالضرورة الشيء الذي هو فكر؛ بل يشير العقلي في الحقيقة كثيراً إلى العمل فقط. وعلى سبيل المثال: إذا وضع أحدهم مصنعاً في مكان فيه العمل عزيز المنال وغالي الثمن ويحتاج إلى العمال أكثر من الآلات، فإنه يتصرف من الوجهة الاقتصادية بطريقة غير عقلية لأن عمله محتوم لـه أن يُضعف نظامه الاقتصادي، نظام معمله، ويقضي عليه، وسيلاحظ ذلك وشيكاً عندما يُفلس بعد سنة أو سنتين.

ومنذ فريدريك وينسلو تيلور Frederick Winslow Taylor، يتكلم الاقتصاديون عن "العقلنة" بمعنى مختلف تماماً عن معنى العقلنة السيكولوجية عندنا. فالعقلنة تعني تغيير أنهاج العمل بطريقة تكون أوفى من وجهة نظر الأداء الأفضل لهذه الوحدة الاقتصادية – لا من وجهة نظر الإنسان.

ووفقاً للإنسان على المرء أن يقول: إن غرائزه ليست غير عقلية، وإنما أهواؤه هي كذلك. فليس عند الحيوان حسد، ولا تدميرية من أجل ذاتها، ولا رغبة في الاستغلال، ولا سادية، ولا رغبة في الهيمنة، فكل ذلك أهواء تكاد عموماً لا توجد عند الحيوانات على الإطلاق. وهي تظهر في الإنسان لا لأن لها جذورها في غرائزه، بل لأنه تُنتجها شروط مَرَضية معينة في بيئته التي تُنتج الخصائص المرضية في الإنسان. ولنقدم مثالاً بسيطاً: إذا كانت لديك بزرة شجيرة ورد، عرفت أن هذه البزرة لكي تُنتج شجيرة كاملة النماء جميلة الورد تحتاج على وجه الدقة إلى ذلك القدر من الرطوبة، والحرارة، وإلى نوع خاص من التربة، وإلى أن تُزرَع في أوان معين. فإذا توافرت هذه الشروط، فإن هذه البزرة – إذا لم تتعرض إلى الآفة أو الظروف البارزة الخاصة الأخرى- سوف تنمو إلى وردة تامة، وإذا وضعت البزرة في تراب رطب للغاية، تعفّنت البزرة تماماً وتلفت. وإذا وضعتها في شروط ليست أفضل الشروط، فإنك ستحصل على شجيرة ورد، ولكن شجيرة الورد سوف تُسفر عن عيوب في نمائها، وفي أزهارها، وفي أوراقها وكل شيء. لأن بزرة شجيرة الورد لم تكن مستعدة أن تنمو تمام النمو إلا إذا كانت الشروط المتوافرة تؤدي تجريبياً – وذلكم أمر لا يُكتشف إلا تجريبياً- إلى نماء هذه البزرة الخاصة.

ويصدق ذلك على الحيوان أيضاً، كما يعلم أي حيوان ولود، ويصدق على الإنسان أيضاً. ونحن نعلم أن كل إنسان يحتاج من أجل نموه الكامل إلى شروط معينة. وإذا لم تتوافر هذه الشروط، إذا كان ثمت برد بدلاً من الدفء، وإذا كان ثمت إرغام بدلاً من الحرية، وكانت السادية بديلاً من الاحترام، فإن الطفل لن يموت بل سيصبح طفلاً معوّجاً، كما رأينا شجرة معوجَّة عندما لم تحصل على أي قدر تحتاج إليه من الشمس. وهذه الأهواء، التي هي أهواء معوجَّة، والتي هي نتيجة الشروط غير الكافية – إنما هي أهواء الإنسان غير العقلية. ويمكن أن يقال فيها إنها لا ترفد النظام الداخلي للإنسان، بل تجنح إلى إضعافه، أو تقضي عليه في مآل الأمر، وأحياناً حتى بالمرض.

وقد جاء فرويد بالاختراق الختامي للسيرورة التي دامت قروناً: إنه خلع القناع عن الفكر بمعرفة أن الصدق لا يُعرَّف بإثبات أن لدى المرء نيات حسنة –لأن أحداً من الناس يمكن أن يكذب بأحسن النيَّات أو مع الشعور بأنه مخلص تماماً، لأن أكاذيبه ليست شعورية، وإلى جانب ذلك، قدّم فرويد بُعداً جديداً كل الجدة لمشكلة الصدق، أو الإخلاص، في العلاقات الإنسانية، لأن العذر "أنا لم أقصد ذلك" الذي هو العذر التقليدي لعدم النية فيما يبدو أن العمل يدل عليه- قد فقد حقاً أهميته منذ نظرية فرويد في زلقات اللسان والحوادث الأخرى.

ومنذ فرويد كان لا بد من إعادة النظر في المشكلة الأخلاقية كذلك: فالشخص ليس مسؤولاً عما يفكر فيه وحسب بل كذلك عن لا شعوره. وهذا يكون حيث تبدأ المسؤولية، والبقية قناع، البقية لا شيء؛ ويكاد ما يعتقد به المرء لا يستحق الإصغاء إليه. وأنا أقول ذلك بشيء من المبالغة: إنك لتجد أقوالاً كثيرة وتأكيدات كثيرة وألفاظاً كثيرة لا تكاد تستحق الإنصات إليها لأنك تعرف أنها كلها جزء من الأنموذج، من الصورة التي يود أحدهم تقديمها.

وفي رأيي أن الأمر المهم بالنسبة إلى العلاج هو أن المريض يستطيع تنقيل شعوره أو شعورها بالمسؤولية والفاعلية. وأعتقد أن قدراً كبيراً مما يجري في التحليل يقوم على افتراض يفترضه الكثير من المرضى: هو أن هذا نهج يسعد به المرء بالكلام من دون القيام بالمجازفات، ومن دون معاناة، ومن دون أن يكون فاعلاً، ومن دون اتخاذ قرارات. إن هذا لا يحدث في الحياة ولا يحدث في التحليل. فلا أحد يصبح سعيداً بالكلام، ولا حتى بالكلام من أجل الحصول على تفسيرات.

ولا مناص للمريض لكي يتغير من أن تكون لـه إرادة هائلة ودافع قوي إلى التغيّر. وكل شخص يلوم شخصاً ما فيتملّص بذلك من المسؤولية. وإذا قلت المسؤولية، فأنا لا أتحدث من وجهة نظر قاض. فأنا لا أتّهم أي أحد. ولا أعتقد أننا نملك الحق في اتّهام أي أحد كأننا قضاة. ولكن يظل ذلك حقيقة واقعة: فلا أحد يتعافى ما لم يكن لديه شعور متزايد بالمسؤولية، وبالمشاركة، وفي الحقيقة بالفخر بإنجاز معافاته.

* مقتبس من كتاب: فــن الإصــغاء-إريك فروم

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق