ما عشناه من حروب وازمات متعددة كان حصلتها مجموعة من الازمات النفسية، وما نعيشه من احداث عاصفة متتالية هي الاخرى ارهقت نفوسنا فقد اصبح الامر اشبه بمسلسل ما تنتهي حلقة حتى تبدأ الاخرى على اثرها وكأن الهم والالم لا يودان مغادرتنا او ترك مساحة لاستنشاق الانفاس واعادة الهيكلة النفسية، نتيجة للكم التراكمي الذي مررنا به اصبحنا قليلي الاستشعار لما يحدث حولنا على غير النحو السابق، هذه الحالة النفسية تعرف بـ(تبلد المشاعر) او (تبلد الإحساس).

في علم النفس يعرف تبلد المشاعر على انه "حالة مرضية تتسم بغياب الشعور والانفعال حيث يبدأ الإنسان بالتصرف بشيء من عدم الاكتراث واللامبالاة، وعادة ما يكون هذا الإحساس نتيجة فشل الإنسان في حل المشاكل التي يتعثر بها فيتجه إلى الاستسلام والرضوخ للواقع فيرفض مواجهة مشاكله وصعوبات الحياة، إذ يفقد الرغبة في بذل أي مجهود لحل أو حتى فهم المشكلة، فيصاب بحالة من التبلد وعدم الاهتمام فلا يبدي أي ردة فعل.

لقد اصبحت عبارة توفى فلان او قتل تمر على مسامع الكثير منا مرور الكرام وأصبح التفاعل معها بعبارة (الله يرحمه) بعد ان كان سماع مثل هذه الاخبار تمثل صعقة لنا سيما ان كان المتوفي شاباً صغيراً في العمر، وبات الكثير من الناس يأكلون ويشربون ويقهقهون في المقابر من دون ادنى تأثر او وجل، كما صار بمقدورنا اليوم تناول الطعام والتهامه أمام نشرات الأخبار وهي تبث عملية انتشال طفل من تحت الأنقاض دون أن تبدو على ملامحنا اية مشاعر تأثر وإذا حدث وأن تحركت مشاعرنا فإن مدة التـأثر تكون قصيرة جدا ومحدودة.

فهل يعد تبلد المشاعر جلادة وقوة ام اعتياد ام تخطي من اجل الاستمرار الذي يراه البعض ضرورة ام أم أننا فعلا قمنا بدفن الإنسانية إلى الأبد؟، ام ان غزارة الاحداث والوقائع والاحداث الدموية وتشابهها جعل القضايا الكبرى تبدو صغيرة؟، حقاً ان ضعف الشعور او (الشعور باللاشيء مع ضعف الاحساس بالحزن و عدم التعبير عن القلق هو أمر مقلق فعلا، وما يحدث من فتور في العالم لا يبشر بخير فحتى الموت اصبح خبر عادياً معللين بأنه قادم لا محاله ونحن من سيكون في احد خاناته يوماً ما وهو الا خبر مؤجل فقط تماما كما هو حال مشاعرنا المؤجلة.

اغلب الافراد الذين لديهم تبلد في مشاعرهم لديهم نشاط عقلي مختلف بالمقارنة مع الأفراد النموذجيين، ومن الجدير التذكير بأـمر هام وهو ضرورة التمييز بين تبلد المشاعر واللامبالاة التي تشير صراحة إلى عدم وجود عاطفة، في حين تبلد المشاعر عدم وجود التعبير العاطفي بغض النظر عما إذا كانت العاطفة متبلدة أم لا.

ما علاقة الضحك والبكاء بتبلد المشاعر والأحاسيس؟ على هذا السؤال تجيب دراسة اجريت في جامعة أكسفورد واثبت نتائجها على ان نسبة الاشخاص الذين يصابون بتبلد المشاعر تتراوح ما بين 46 إلى 71%، كما تبدو عدة اعراض تصاحب هذه الحالة ومنها شعوره بأنه شخص غير ذو معنى وباهت في الحياة، ويفقد الشخص المتبلد القدرة على الضحك والبكاء وان كان ما يستوجب ذلك، وتتساوى مشاعر الانسان ويتصف بأنه غير متعاطف مع الاخرين لعدم قدرته على ذلك.

دواعي تحول الانسان الى متبلد المشاعر هي: الصدمات النفسية المتتابعة، اقتراب موعد الدورة الشهرية للمرأة، ادمان الكحول والمخدرات، تناول مضادات الاكتئاب، والإصابة بأحد الأمراض النفسية مثل: الانفصام العقلي أو التوحد أو تلف الدماغ أو اضطراب ذو الوجهين أو اضطراب الشخصية الانطوائية أو الاكتئاب أو اضطراب ما بعد الصدمة أو اضطراب الاغتراب عن الواقع، جميع هذه الاسباب تؤدي الى التبلد المشاعر.

اما ابرز الطرق التي قد تنفع في معالجة تبلد المشاعر والاحاسيس فهي: العمل قدر الممكن على تغيير نمط الحياة وكسر الروتين الذي نعيشه يومياً عبر ممارسة هوايات أو أنشطة محببة لنا سواء لوحدنا أو مع أصدقائنا، ولممارسة الرياضة الاثر الكبير في التخلص من التبلد وإعادة شحن الطاقة النفسية التي تعيد للانسان توازنه المفقود، كما ان النوم الكاف يساعد على خفض التوتر الذي عرض الانسان لانتكاسة أو سوء في المزاج خلال يومه وعدم الشعور بالاستقرار الذي يجعل الانسان غير مكترث، ومن الجيد تجنب الانسان لمسببات الضيق النفسي مثل عدم الوقوف والبحث في تفاصيل الاخبار السيئة وتخطيها بسرعة، فجميع هذه الامور ممكن تعالج تبلد المشاعر او تحد منه على اقل تقدير.

اضف تعليق