نظراً لانتشار التكنولوجيا في حياة الانسان بصورة كبيرة بالمقارنة بالفترات السابقة اضافة الى اتصاف الاطفال في هذه الايام بمستويات ذكاء عالية وبمستويات نضج اكثر مما كانوا عليه سابقاً، اصبحت تربية الاطفال تربية سليمة من الامور الشاقة للآباء والمربين، ويبدو ان التربية الكلاسيكية اصبحت غير فعالة مثل ذي قبل فظهر نوع من التربية يعرف بـ(التربية الايجابية) التي تعتمد على حياة نفسية افضل للطفل.

علم النفس يعرف التربية الايجابية على انها تحول بوصلة المربين الى رعاية السلوك الجيد وتعزيزه بدلاً من معاقبة السلوك السيء، مما يؤكد فكرة انه ليس هناك اطفال سيئون واخرون جيدون ولكن يوجد اطفال يتغيرون تبعاً لطريقة تربيتهم، فلكل طفل منهم احتياجاته واهتماماته المختلفة وعندما يشعرون الأطفال بالأمان والتقدير والتواصل وسيصبحون أكثر قدرة على فهم الصواب والخطأ وبالتالي يتحفزون لتحسين تصرفاتهم.

التربية الايجابية تفترض ان الاطفال يولدون ايجابيون بالفطرة لكن البيئة ستخلق منهم سلبيين ان كانت هي سلبية اما في حال تربوا على الاحترام والرعاية والتوجيه الواعي فأن ذلك سيجعل منهم اناساً اسوياء ناجحين في حياتهم.

تمزج التربية الايجابية بين التفاهم والعطف في ان واحد، وتبدأ في السنوات الثلاث الاولى من عمر الطفل على اعتبارها من اكثر الاوقات التي يتقبل فيها للطفل منهج التربية وهي المرحلة التي تنمو فيها قدرات الطفل الفكرية والاجتماعية والعاطفية وعليه فهو يتقبل شعور الحب ويتعلم التفاهم ويهفو إلى الحصول على الحماية.

وعن كيفية ان يصبح المربي إيجابياً تقول اخصائية التربية البريطانية الدكتورة (تانيا بايرون) إن "الأبوة والأمومة لا تعني عمل الشيء الصحيح دائماً بل أن يستطيعوا التعايش مع صعوبات الحياة، والوقوع في الخطأ، والشعور بالقلق وقلة السعادة، ولكن بالرغم من كل هذا يكون لديهم إيمان قوي وراسخ بأن الأمور ستتحسن بمرور الوقت فقد صنعوا الرابطة والعلاقة الايجابية مع طفلهم، لذلك باستطاعتهم أن يتعايشوا مع كل الأوضاع وبثقة كبيرة، كما أن المربي الإيجابي لابد أن تتحلى شخصيته بحسّ الفكاهة والمرونة والقدرة على التفاهم والاستيعاب الكامل للطفل مع فهم طباعه ومتطلبات مراحل عمره المختلفة".

ابرز الاثار الايجابية التي تتركها للتربية الإيجابية على شخصية الطفل هي: انها تحد من سلوكه السلبي والذي يتحول فيما بعد الى سلوك ثابت ان استمر لفترات طويلة وبالتالي يصعب عليه كطفل التفريق بينه وبين السلوك الايجابي، كما تنمي شخصية الطفل وتجعلها مرنة ومتفهمة وواقعية وليست جامدة او رافضة للتغير، وتقلل من حالات الاكتئاب لدى الاطفال لأنها لا تركز على ايجابياتهم ولا تعاقبهم.

وتعزز من مهاراتهم المعرفية والاجتماعية بالتشجيع لها والثناء عليها، وتساعد الاطفال على فهم وتنظيم عواطفهم وبالتالي ابتعادهم عن العدوانية والعناد، وهي ايضاً تمنع شعور الطفل بالحرمان الاجتماعي والاقتصادي عبر اعطاءه بقدر ومنع لسبب افهامه لذلك السبب، وتؤدي التربية الايجابية الى زيادة احترامهم لذواتهم وشعورهم بالاستقلالية، وبالتالي يصبحون مبدعين ومنتجين ومتفاعلين على كافة الصعد.

مبادئ التربية الإيجابية يمكن ان تلخص بالآتي:

1. الاحترام المتبادل: يركز المبدأ على الاحترام بين الاباء والابناء بدلا من الخوف والتحسس كما انه يستخدم الحزم واللطف حسب ما يستدعي الموقف فالحزم يكون باحترام الكبار واحترام متطلبات الموقف واللطف يكون باحترام الطفل واحتياجاته، والاطفال في العادة يفضلون العيش في البيئة التي تخضع لقوانين واضحة.

2. الإنصات الفعال: وهذا المبدأ من ضمن اكثر المبادئ فعالية في التربية الايجابية وهو ما يسمى في علم النفس بـ(التواصل قبل التصحيح)، ولهذا التواصل محددات منها اظهار التعاطف والاستماع الجيد ومشاركة الطفل لمشاعره وأفكاره عند الحاجة.

3. التشجيع بدلاً من المدح: فالتشجيع يعتبر احد افضل وسائل التهذيب المثمرة والقصد من التشجيع هو تشجيع الفعل الحسن لا مدح الطفل بصورة مبالغ فيها على سبيل المثال نقول له اصبحت متقناً لقواعد اللغة العربية بدلا من قول انت عبقري وليس مثلك احد من زملائك، وهذا التشجيع سيجعله يبحث عن الافضلية وان كان متفوقاً.

4. فهم الدافع خلف السلوك: فلكل سلوك ظاهري في حياة الانسان بصورة عامة محرك ودافع والطفل خصوصاً يحتاج الى فهم الدافع وراء سلوكه (خاصة السلوكيات السيئة) فلابد من وجود مشاعر داخلية تدفع بأتجاه اي السلوك يسلكه، مثلا يجب ان نفسر ان عناد الطفل لوالديه قد يكون انتقاماً منهم على عدم شراء العاب له، وهذه الرغبة في الانتقام هي للظهور بشخصية قوية وذات قرار.

5. العواقب لا العقاب: فالعاقبة هي الاخرى من افضل الطرق في تصحيح سلوكيات الطفل غير المنضبطة، كأن تكون عاقبة التقصير في اداء الواجب المدرسي هو عدم الخروج للعب مع اصدقاءه واخبار الطفل بأنه يمكنه الخروج للعب في حالة اتم واجبه، وهذا الاسلوب اسلم بكثير من العقاب البدني أو اللفظي أو حتى النفسي.

6. التركيز على الحلول بدلا من اللوم: عندما لا يحسن الطفل التصرف في موقف معين يسيطر عليه الشعور بالذنب ولوم الابوين له سيزيد من ذلك الشعور، وبدلا من ذلك يفضل اشراكه في اقتراح حلول للمشكلة الناتجة عن خطأه مما ينمي مهارات حل المشكلات ويرسخ عنده الثقة في قدرته على تجاوز الأزمات على المدى البعيد.

في الختام ايها الكرام ان توفرت بيئة توفر هذا النوع من التربية الايجابية فحتماً سيتعلم الطفل مهارات حياتية واجتماعية مفيدة وبالتالي يتمكن من يبني شخصية سوية وفعالة ومؤثرة ومشاركة فيما حولها.

اضف تعليق