ليس لأحد منا ان ينفي مصادفته لزميل عمل او صديق او اخ يطلب المساعدة او المشورة في بعض القرارات او اداء بعض المهام الوظيفية او الاستعلام عن كيفية القيام بالواجبات الدراسية، وطلب المساعدة وارد ومنطقي اذا كان من اجل تخطي الوقوع في اخطاء غير ان اعتماد الشخص بصورة كلية دون السعي للتعلم ينصف على انه اضطراب في الشخصية يسمى اضطراب (الشخصية الاعتمادية)، او نطلق عليها احياناً (الشخصية الاتكالية).

والشخصية الاعتمادية هي الشخصية التي تتميز بتغيب الاستقلالية الذاتية واعتمادها نفسياً وجسدياً على من هم في المحيط، وحين لا تجد من يقوم بأعمالها تنتابها موجة قلق وهلع مع ظهور اعراض جسدية تدلل على الحيرة وفقدان التوازن مثيلة ضيق النفس تسارع ضربات القلب او الاغماء والدوار وحتى الظهور بصورة عصيبة كنتيجة للضغط الذي تكون فيه.

قد تتفاجئ حين اخبرك ان الناس الاصحاء (غير المصابين بهذه الحالة) هم ايضاً قد يكون لديهم خليط من مشاعر عدم الثقة وعدم قدرة على اتخاذ القرار لكنهم يختلفون عن المصابين بهذا الاضطراب بأنهم بحاجة التشجيع والدعم النفسي سيما من المقربين وهذا التشجيع سيمكنهم من صعود سكة الحياة بسلاسة ودون تعقيد، فالإحصائيات تقول ان اضطراب الشخصية الاعتمادية نحو 0.6 ٪ من الناس، ويُشخّص بصورة أكبر في الإناث منه في الذكور، وبحسب الابحاث فأن سبب ارتفاع النسبة عند الاناث اكثر من الذكور هو طبيعة الشخصية ومقدار الثقة في النفس والصورة عن الذات أو وصف الذات، وهذا بسبب اختلاف معدل الانتشار بين الجنسين.

يتصف ذو الشخصية الاعتمادية بالهروب من الحرية لأنها تجعله مسؤولاً عن افعاله الخاصة، ويفضل العيش في المجتمع او المهنة التي يكون رئيسها ديكتاتوري أو بيروقراطي فالأول يتولى المسؤولية رأس المجتمع، ويكون على الجميع التنفيذ فحسب دون مناقشة او اعتراض، والثاني هو من يرسم سياسية المؤسسة او الدائرة وبذلك تنتفي الحاجة الى اجتهاد الموظف او دوره في وضع الاولويات او تحمل المسؤولية، ويتخذ صاحب هذه الشخصية مبدأ المسكنة لاستدرار تعاطف الناس معه كما يميل الى تضخيم وتهويل المهام الموكلة اليه والشكوى من معاناته من صعوبة تنفيذها يقلل مما لديه من مكاسب حتى يزداد ما يمنحونه له.

ودائما ما يحاول ان يبين نفسه بأنه غبي كما هو غارق في السلبية والشك والتشاؤم مع غياب الثقة بالنفس وضعف الشخصية ما يجعله يعاني من صعوبة البدء في مشاريع جديدة، ولا يفضل العزلة او الوحدة لأنه لا يمتلك طاقة ذاتية او لا يعرف كيف يوظف هذه الطاقة فيستمد طاقته من المحيطين به.

حتى قراراته على صعيد حياته الخاصة ليست بيده فتخصصه الدراسي وعمله وربما زواجه تكون نتاج املاء ممن يتولون أمره او يأثرون فيه، وليست نتاج رغباته وأفكاره الخاصة، ومثل هؤلاء الاشخاص يبالغون بالاهتمام بالموضة من ملابس وسيارات وطريقة الحياة وطريقة الحديث و السبب يعود الى عدم امتلاءه داخلياً فيميل الى مسايرة المجتمع كي يظهر بمظهر الانسان النموذجي سيما المراهق لأنه لا يملك شخصية مستقلة، فالمراهق وإن لم يكن يعاني من اضطراب الشخصية الاعتمادية إلا أن لديه بعض مظاهرها بطبيعة مرحلة النمو، ويخافون من النقد الموجه اليهم من القريبين منهم لانهم يعتقدون انهم سيهجرهم.

أسباب اضطراب الشخصية الاعتمادية يمكن ارجاعه الى عوامل وراثية عبر تسلل جينات وراثية ناقلة لهذا الاضطراب، وهذا الراي مقبول الى حد ما لكن الراي الاكثر مقبولية هو أثر التنشئة الاجتماعية سيما من الوالدين تجاه ابناءهم فالحماية الزائدة تعطي هذا النتاج وتسلط الابوين كذلك يعطي نفس النتاج، وقد ينتج من رسم الحدود لسلوكيات الطفل وتحديد خيارته او اهماله ان يميل الطفل الى عدم فعل أي شيء ليكسب حبهم واهتمامهم مما يسهم بجعله ذي شخصية اعتمادية طوال حياته وتلك كارثة بحقه.

اما العلاج فهو لا يختلف كثيراً عن علاج باقي الاضطرابات، فقد يتصدر العلاج النفسي قائمة العلاجات ويتم وفق قاعدة (الاعطاء بقدر والمنع بسبب) بمعنى يعطى الطفل في مراحل الاولى ما يكفيه دون الافراط الذي يفقده معرفة قيمة الاشياء او فهم ثمن الحصول عليها، وحين نمنع ثمة امور عنه نعرفه بسبب المنع ونقنعه بذلك حتى يسهل تقبله لذلك المنع مما يحول دون تحوله الس شخص معاند، و حين يكبر الانسان لابأس بتوفير الوسائل التي تنفعه في ايجاد سبل العيش والبحث للخروج من المشاكل والعقبات التي تواجهه فإعطاءه صنارة الصيد افضل من اعطاء سمكة بيده.

كما تعويد المصاب بهذا الاضطراب على التصدي لمهامه وواجباته بمفرده لأنه هو الوحيد المسؤول عنها في غاية الاهمية والوعي، وعملية تركه بمفرده لا يعني الهجر والابتعاد عنه او عدم مساعدته بقدر ما هي خطوة لتعزيز ثقته بنفسه، ومن الضروري تعليم الطفل ان يكون علاقات انسانية بعيداً عن النظر الى مدى الاستفادة منه فتلك هي فطرة الانسان السليم، ولا مانع من رسم اهداف لطفلك الاعتمادي لأنه يجهل وضع الهداف وهو من يسلك شتى الطرق لتحقيقها، هذه ابرز العلاجات النفسية لتقويض مساحة هذا الاضطراب الذي يفتك بالكثير من الناس وفي اماكن مختلفة من هذا الكون الفسيح.

اضف تعليق