رائحة الارض بعد نزول المطر تثير روح الامل التفاؤل لدى الكثير من البشر، وهي ايضاً تبشر بأخضر الحياة الآتي، وتلامس وتراً حساساً فينا فتعود بنا تارة الى ذكريات مضت للحظات سير تحت قطرات المطر الهادئة.

العقل اللاواعي الانساني يحتفظ بالكثير من الصور عن المطر منها ما هو سار ومنها ما هو حزين وكئيب، ولعل الحوادث التي تنقلها وسائل الاعلام لآثار الامطار المدمرة جعلت من صورة المطر في الوجدان ليســت زاهية بالمطلق.

فحتى الفلاح الذي يكون في العادة اكثر الناس حباً بالمطر واكثرهم ترقب ولهفة لهطوله بكميات طبيعية، لكنه يخشى زيادته عن حدوده او نزوله في غير الاوقات التي من المحتمل ان تهلك المحصول او تتلفه، ما قد يعكر مزاجه ويجعل المطر بالنسبة له نذير شؤم لا بشير خير.

زيادة الانتاجية

مع كون المطر يحدث كوارث احياناً من قتله للزرع والحيوان وحتى البشر لكن وجه الجميل ودخوله في صميم كل شيء حي يحملنا على تناسي اثاره السلبية، ونعود بعد موسم الجفاف متشوقين لرؤيته والظفر بنعمه على الطبيعة، وبالتالي اثره على مزاج الانسان.

تشير الكثير من المؤشرات الى زيادة انتاجية بعض العاملين في اوقات المطر، ففي دراسة اجراها باحثون بجامعة هارفرد على مجموعة من موظفي احد البنوك في اليابان وجدت ان مستوى انتاجهم اعلى بنسبة 5% مما عليه انتاجهم في الايام المشمسة، والسبب في الارتفاع في نسبة الانتاج كانت كنتيجة للهدوء الذي يبعثه المطر على مزاجهم مما يعزز لديهم التركيز وبالتالي ارتفاع انتاجيتهم.

في جميع البلدان التي تحترم مواطنيها توفر لهم كل ما يشعرهم بادميتهم من طرق نقل وصرف صحي وما شاكل ذلك تمثل لهم الامطار سفرة في تغير المزاج وترويح النفس، اما في بلد كالعراق منقوص من ابسط ما يجب ان يتوفر للإنسان اصبح المطر وفق ما متوفر وبالاً على اهله، وصار الناس يتشائمون حتى من سماع امكانية هطوله في النشرات الجوية.

فما يحدد كون المطر مرحباً به او مرفوض نفسياً هو البنى التحتية والظروف المحيطة والا فالإنسان في طبعه ميال الى اجواء المطر وعادة ما يعيشها ببهجة ومرح ونشاط، والمصداق خروج الناس في اوروبا وامريكا الى الشوارع او من شرفات البنايات وهو يرتشفون المشروبات الدافئة التي تعادل فيهم برودة الطقس، فمتى يشعر الانسان العراقي ببعض ما انعم الله على نظرائه البشر؟

انخفاض الجريمة

تقول الدراسات النفسية ان الامطار اكثر تأثيراً في المرأة فهي لديها نزوع للخروج تحت المطر اكثر من الرجل حتى لو كلفها ذلك خسارة صحتها الجسمانية، ولعل السبب في ذلك الحب هو طبيعتها التي تجعلها قريبة من الرومانسية والشرود في الاحلام اكثر من الرجل الذي يعد اكثر واقعية واقل اكتراثاً له.

تشير دراسة نشرتها جريدة (نيويورك تايمز) في عام 2009 الى انخفاض معدلات الجرائم في مدينة نيويورك بشكل ملحوظ خلال الايام الممطرة، والانخفاض جاء بداعي السكينة التي تضفيها اجواء المطر على الانسان.

الانسان تستهويه النوادر من الاشياء من حيث الوجود وبالمثل النوادر من الاشياء من حيث الحصول، في بلدان الخليج العربي او البلدان التي يغيب عنها المطر لفترات طوال تراهم تراهم يستمتعون بالمطر والاجواء الغائمة وتغمرهم السعادة فيفضلون الى الخروج في سيارتهم يجوبون المدن تعبيراً عن الارتياح للمطر وما يعكسه هذا الارتياح على النفس البشرية.

اما في البلدان الاوربية مثلا سيما المناطق التي تغيب عنها الشمس لفترات طويلة فأنهم يفضلون الخروج في مناطق التنزه عند شروق الشمس ويكتسبون بذلك طاقة إيجابية تنعكس على سلوكهم الشخصي سواء في العمل أو في المنزل أو بين الأصدقاء، مما يبرر قولنا ان الانسان يحبذ التغيير في كل شيء وحتى في تبدل الفصول والظواهر الكونية ومنها المطر.

فهل يؤثر سقوط الأمطار على انتشار الجرائم؟ عدد من الابحاث التي اجريت على تأثير الامطار على انتشار الجرائم لدى الانسان وجدت ان بعض الجرائم تنشط بمعدلات اعلى حين تهطل الامطار، وتقول الابحاث ايضاً ان هنالك ارتباط قوي بين الأمطار الغزيرة والجرائم المرتبطة بالعنف.

الخبيرة في مجال التعاطي مع المجرمين الدكتورة (كيري نيكسون) تقول:" أن بعض الناس يميلون إلى عدم الخروج من المنازل وارتكاب الجرائم خلال سوء الأحوال الجوية، لذلك تتحول أعمال العنف إلى داخل المنزل."

ويعزو الاطباء النفسيون ذلك الارتفاع في نسب الجريمة في المنازل الى الايونات الموجبة في الغلاف الجوي التي تزيد من ضغط الدم وهو ما يجعل الانسان مستفزاً لأبسط الاسباب واتفهها.

في الخلاصة نبين ان المطر له قطبين مؤثرين على الانسان احدهما ايجابي مريح للنفس، والاخر سلبي يؤدي بالإنسان الى الاكتئاب واستفحال روح المشاكسة واثارة المشاكل، ولكن في المجمل يحمل المطر تأثيراً ايجابياً اكثر منه سلبياًعلى المزاج الانساني.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3