إنسانيات - منظمات

أهل القوط

وأقصد بهم أصحاب البدلات الأنيقة وأربطة العنق البراقة، فقد يكون من بين القراء من اخواننا العرب ولا يعرف معنى كلمة (قاط) التي يراد بها (البدلة) باللهجة العراقية، وأهل القوط يعرفون من أين تؤكل الكتف، فلهم من المهارات الفائقة ما يستطيعون بها استمالة المسؤولين، فاطراقات الرأس وحركة الأيدي والايماءات والعبارات الملونة تشبع غرور المسؤولين حتى وان كان بعضهم يعرف انهم منافقون، ولا يمتون بصلة للفعالية الموجودين فيها.

هؤلاء يوحون للمسؤول بان الفعالية التي تقوم بها المؤسسة هي من صنع أيديهم، وابداعات أفكارهم، وحصيلة جهدهم، والنجاح المتحقق فيها ما كان له أن يحدث لولاهم، ويدعمون كلامهم بالأرقام لأنهم سبق وان سألوا وبالخفاء تجسسوا، بينما الحقيقة انهم لا يحضرون في أي من مراحل اعداد الفعالية الا في الوقت الذي يكون فيه المسؤول الأعلى موجودا، فيجّير نجاح الفعالية لهم، في حين لا يدري أحد بالذي بذل الجهد الحقيقي تفكيرا واعدادا وتنظيما بالرغم من النهارات والليالي الطويلة التي قضاها من أجل أن تظهر مؤسسته بصورة جميلة أمام أنظار الجمهور، وان تتحقق الأهداف التي من أجلها عُقدت الفعالية، لكن الخجل او الزهد او الشعور بالعيب يدفعه الى عدم الترويج لنفسه، او التباهي بأنها من صنع يديه وبعض من زملائه الحريصين على العمل والمؤسسة بوصفهما بابا للرزق، يكسب منها قوت عياله .

هذا ما يجري في الكثير من مؤسساتنا، ولا أستثني منها واحدة، فيخيم الاحباط على المبدعين بما يؤدي الى امتناعهم لاحقا من القيام بمثلها، وفي حالة الاجبار يمتثلون لكونهم موظفين، لكنهم يقدمون من الأداء أقله، ومن الجودة أضعفها، وقد ينهجون نهج أهل القوط، فيهيئون لكل مناسبة (قاطا ورباطا براقا)، وحال أنفسهم يقول انها (خربانة)، ما لنا نحرق أعصابنا.

تذكرني هذه الظاهرة بحكاية الزوجة الأولى وضرتها، او الزوجة الكبيرة والصغيرة كما يسميان في بلادنا، اذ كان من عادة أهل القرى ان يكون التنور الذي يصنع فيه الخبز خارج البيت، وفي كثير من الأحيان على طريق المارة، فالزوجة الاولى حريصة على سمعة زوجها وعائلتها، لذلك تقوم بجميع أعمال صناعة الخبز داخل المنزل بأدوات العمل البدائية من غربلة الحنطة او الشعير وطحنهما والعجن وغيرها، بينما تقوم الزوجة الصغيرة بالخبز في التنور فقط، وتوزع بعضه على المارة بأساليب ترغيبية جذابة للإيحاء بالكرم والمحبة، فحصدت سمعة طيبة بين الناس، بينما لا يعرف أحد بالزوجة الكبيرة التي تتحمل جُل العناء.

القلة من المسؤولين النابهين يعرفون ذلك، ويقدرون ما يقوم به المبدعون من خلف الكواليس، ويعطون الحق لأهله، لكن الكثرة منهم يقعون ضحايا أصحاب القوط، ومنهم من يستهويهم هؤلاء كثيرا، يسعدون ان فتح أحدهم باب سيارتهم، وان يمشي ورائهم حشد من أهل القوط، يشعرون بالزهو، ويشبعون قلة جاههم، والتخلص من عقد يعانوها، وأهل القوط جاهزون لأداء هذه المهام حتى من دون أن يكلفوا بها، لا يستحون من اذلال أنفسهم، ولا يهمهم للفوز بحظوة المسؤول الأعلى ان كان ذلك على حساب أصحاب العمل الحقيقيين.

بالتأكيد العيب ليس في أهل القوط، بل بالمسؤولين الذين ليس لديهم القدرة على التمييز بين الذين يعملون والذي يصادرون جهد الآخرين بطرق ملتوية، فالتمييز بين الزملاء، والاعتراف بالجهد يحتاجه المخلصون لمزيد من الأداء المبدع، فبدون ذلك نخسر المنتمين للمؤسسة، والجادين في أداء المهام، بل قل نضحي بالذين يتملكهم الشعور بالانتماء للوطن، لأن انتماء أهل القوط لرأس الشهر وليس للوطن، أي للراتب الشهري الذي ان توقف لن تجدهم أبدا، بينما الأوطان لا تبنى بغير المنتمين، والبناة صامتون، ودائما ما يمنعهم الحياء من القول: ( نعمل من أجل الوطن).

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق