يُعرف العمل التطوعي أنه (جهد فردي أو جماعي يبُذل عن رغبة واختيار بهدف خدمة الغير من دون طلب مقابل مادي) وهو في حقيقته صورة بارزة من صور التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمعات المحلية.

ويمكن أن يقوم أي فرد من أفراد المجتمع بعمل تطوعي، من حيث طرح الأفكار والمبادرات التطوعية، أو من حيث تمويل المبادرات التطوعية، أو من حيث العمل المباشر بالمبادرات التطوعية، أو من حيث نشر المبادرات التطوعية وإشاعتها في الأوساط المجتمعية. وكذلك يمكن أن تقوم بكل هذه المبادرات المنتديات الشبابية والنسوية، والمؤسسات الخيرية والمساجد والحسينيات والمنظمات والأسواق والمراكز التجارية وغيرها من المؤسسات غير الحكومية إذا ما تبنت مبادرة تطوعية، أو مشروع خيري، أو برنامج إنساني دون قصد الحصول على منفعة مادية.

ولا تُعد المؤسسات الحكومية مؤسسات تطوعية، لأنها مؤسسات رسمية مكلفة بأداء خدمات عامة يتقاضى موظفوها أجور شهرية عن أداء مهماتهم. بل هي جهات ساندة للعمل التطوعي. والسؤال هنا كيف تستطيع المؤسسات الحكومية أن تساند المؤسسات التطوعية التي لديها مبادرات تطوعية أو نشاطات خيرية؟

هناك مجموعة من الوسائل والآليات التي تتمكن المؤسسات الحكومية من مساندة أو دعم الأعمال التطوعية التي تقوم بها الجهات التطوعية أفراد كانوا، أم جماعات، أم منظمات، وهي:

1. الأفكار والمبادرات: يمكن للمؤسسات الحكومية أن تسند العمل التطوعي الذي يقوم به الأفراد والجهات التطوعية من خلال طرح مجموعة من الأفكار والمبادرات المجتمعية التي تساعد المجتمعات المحلية على إنجاز بعض احتياجاتهم الضرورية. وهذه الأفكار والمبادرات، إما أن تكون

أ‌. مبادرات قطاعية، بمعنى هي من مهمات وواجبات المؤسسة الحكومية، فعلى سبيل المثال من المهمات التي ينبغي أن تقوم بها أمانة بغداد هي رفع الأنقاض وجمعها، لما كانت أمانة بغداد لا تستطيع أن تقوم بمهمة جمع الأنقاض من بعض الأسواق، من دون مساعدة أصحاب المحال التجارية هناك، فإنها تطرح مبادرة على أصحاب المحال التجارية لأن يقوموا بجمع هذه الأنقاض مقابل التزام أمانة بغداد بتوفير الآليات اللازمة لنقلها إلى المكب النهائي لها.

ب‌. وإما تكون مبادرة غير قطاعية، أي ليس من اختصاص وواجبات المؤسسة الحكومية، إنما تطرحها هذه المؤسسة من باب حماية المجتمع من الآثار السلبية لبعض الظواهر المؤثرة على البيئة. فعلى سبيل المثال تطرح وزارة التربية مبادرة زراعة الأشجار في المدارس ومحيطها، فرغم أن التربية غير معنية بموضوع زراعة الأشجار لأنه من اختصاص البلديات (مثلا) إلا أنها ترى أهمية هذه المبادرة للمحافظة على البيئة النظيفة في المدارس ومحيطها، وفرصة لتعليم الصغار على غرس الأشجار والمحافظة عليها.

2. التمويل: يمكن للمؤسسات الحكومية أن تسند العمل التطوعي الذي يقوم به الأفراد والجهات التطوعية من خلال توفير الدعم المالي أو جزء منه. وذلك من خلال:

أ. إما من خلال أموال المنافع الاجتماعية، حيث أن لعدد كبير من الوزارات باب مالي في ميزانيتها تحت عنوان (المنافع الاجتماعية) وهذا الباب يتيح للوزير أو رئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة أو المحافظ الصرف على بعض الحالات الإنسانية، ويمكن الاستفادة من هذه الأموال لدعم المبادرات التطوعية التي يقوم بها الأفراد أو الجهات التطوعية.

ب‌. إما من خلال شركات التمويل الذاتي: حيث إن للكثير من الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة شركات عامة تقدم خدمات قطاعية مقابل الحصول على أجور، جزء مما تحصل عليه تسد فيه رواتب موظفيها وجزء أخر يرسل إلى وزارة المالية بعنوان واردات اتحادية، كذلك للمحافظات صلاحية أن تستوفي بعض الأجور عن خدماتها الإدارية وهي كثيرة وعليه يمكن الاستفادة من أموال هذه الشركات أو منافع هذه الخدمات في المبادرات التطوعية.

ت‌. وإما من خلال ما يعرف بـ(المسؤولية الاجتماعية) حيث يقع على عاتق المؤسسات الاقتصادية والتجارية أن تخصص جزء من أرباحها لمساعدة السكان المحليين، لاسيما إذا كانت النشاطات الاقتصادية أو التجارية تؤثر على السكان وعلى بيئتهم، وهو ما يُعرف بـ(مسؤولية الاجتماعية للشركات) فمثلا تتحمل شركات الاتصالات وشركات الإنترنيت المسؤولية الاجتماعية عن نشاطاتها في مجال الاتصالات، وواجبها أن تخصص جزء من أرباحها لمساعدة الناس في مختلف المجالات. ويأتي ذلك من خلال ذكر نص في العقود التي تبرمها وزارة الاتصالات مع شركات الإنترنيت أو هيئة الاتصالات مع شركات الاتصالات. وبهذا يمكن الاستفادة من أموال (المسؤولية الاجتماعية) للشركات في دعم وتمويل المبادرات التطوعية.

ث‌. وإما من خلال التبرعات التي يتبرع بها المسؤولون في المؤسسات الحكومية وموظفوها، فمعروف أن بعض المسؤولين والموظفين يقومون بين فترة وأخرى بالتبرع بالمال لمصلحة المحتاجين وفي مناسبات متعددة.

3. عمل الموظفين في المبادرات التطوعية: يمكن الاستفادة من موظفي المؤسسات الحكومية في المبادرات التطوعية. فالمعروف أن عدد الموظفين كبير جدا، والقاعدة هي (أن 10% من الموظفين الحكوميين يؤدون (90%) من الواجبات ومهمات، بينما (90%) من الموظفين يؤدون (10%) من الواجبات والمهمات. وبهذا يمكن أن تضع كل مؤسسة حكومية خطة تنفيذية لحث الموظفين على العمل التطوعي خارج الدوام الرسمي، أو في أوقات تمتعهم بالإجازة.

4. التنظيم والتنسيق (الدعم اللوجستي): يمكن أن تسند المؤسسات الحكومية الجهات التطوعية من خلال ما تمتلكه من علاقات وقدرات وآليات، فمثلا تحتاج جهة تطوعية أن تقيم ورشة عمل للمستفيدين، ولكنها لا تملك قاعة، فتقوم وزارة الشباب والرياضة بتوفير هذه القاعة، أو تحتاج منظمة أن تنقل الأيتام إلى منطقة الزوراء لغرض الترفيه، فتوفر أمانة بغداد المكان مجانا لها، أو تحتاج منظمة تطوعية أن تقدم سلة غذائية للمحتاجين فتستعين بوزارة الداخلية من أجل السماح لها أو مرافقتها.

5. الإعلام والترويج: الإعلام هو السلطة الرابعة في المجتمع، وهي سلطة مؤثرة جدا، وغالبية أفراد المجتمع يمكن أن يتأثروا بما ينشر في وسائل الإعلام إيجابا أم سلبا. والمؤسسات الحكومية تمتلك من جهة وسائل إعلام مختلفة ومتعددة، ومن جهة تستطيع أن توثر على وسائل إعلام غير حكومية على تبني المبادرات التطوعية ونشرها والترويج لها. وبهذا يمكن أن تدعم المبادرات التطوعية من خلال نشرها والترويج لها، وحث المجتمع عليها.

وبناء على ما تقدم، ولكي تتمكن كل جهة حكومية من دعم العمل التطوعي ومن مساندة الجهات التطوعية فهي بحاجة إلى ما يأتي:

1. أن تقوم كل مؤسسة حكومية بوضح خطة تنفيذية لمساندة العمل التطوعي (خارطة العمل التطوعي القطاعية) فعلى سبيل المثال تقوم وزارة الصحة بوضع لخارطة للعمل التطوعي في القطاع الصحي، وتقوم وزارة التربية ووزارة التعليم العالي بوضع خارطة للعمل التطوعي في القطاع التربوي، وتقوم وزارة الشباب والرياضة بوضع خارطة للعمل التطوعي في قطاع الشباب والرياضة، وتقوم وزارة الاتصال وهيئة الاتصالات بوضع خارطة للعمل التطوعي في قطاع الإعلام والاتصالات، وهكذا.

2. أن تتبنى كل مؤسسة حكومية من خلال لجان مساندة العمل التطوعي إقامة ورش عمل في كل فروعها وتشكيلاتها وبشكل مستمر، بهدف نشر ثقافة العمل التطوعي، وحث مسؤوليها وموظفيها على مساندة العمل التطوعي من خلال (الأفكار والمبادرات التطوعية، ودعم المالي، والمشاركة في المبادرات التطوعية وغيرها)

3. أن تخصص كل مؤسسة حكومية جزء من أموال المنافع الاجتماعية لأغراض دعم المبادرات التطوعية، سواء تلك التي يقوم بها موظفو المؤسسة، أو يقوم بها الجهات التطوعية الأخرى.

4. أن تتبنى كل مؤسسة حكومية التنسيق مع الشركات الاقتصادية والتجارية التي تتعاقد معه لتفعيل مبدأ المسؤولية الاجتماعية

5. أن تقيم كل مؤسسة حكومة معارض مختلفة يخصص ريعها أو جزء منه لدعم المبادرات التطوعية.

6. أن تضع كل مؤسسة حكومية برنامج لدعم موظفيها المتميزين في الأعمال التطوعية يتضمن منح كتاب شكر وتقدير أو شهادة تقديرية للموظفين المتطوعين المتميزين تحت عنوان (أبطال العمل التطوعي).

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق