حدثني قبل أيام أحد المهتمين بشؤون العمل الخيري في وطننا العزيز، ودار حديثه حول هموم العمل الخيري وآفاقه العديدة وأدواره الإنسانية وآثاره الحضارية، ومسئوليات الأطراف المختلفة في دعم وتنمية العمل الخيري في الوطن.

ومما لفت نظري في حديث هذه الشخصية، تركيزه على مسألة أساسية في هموم العمل الخيري، وهي وجود فجوة متفاوتة الاتساع والتأثير بين مؤسسات العمل الخيري والمجتمع، وتأخذ هذه الفجوة صورا وأشكالا عديدة. فهناك شكل ومستوى التفاعل والدعم والإسناد لمشروعات العمل الخيري وضعف النشاط الإعلامي لهذه الأنشطة التي تصل إلى مستويات اجتماعية مختلفة، وغياب الثقافة التي تحفز الناس بشكل دائم على المشاركة الفعالة في أنشطة المؤسسات والجمعيات الخيرية.

ويبدو لي أن من المشكلات الأساسية التي تواجه العمل الخيري في مجتمعاتنا هي هذه الفجوة التي تحول بشكل أو بآخر دون تطور مستوى التفاعل الاجتماعي مع هذه المؤسسات الخيرية، وتجعل من الجهة المقابلة مستوى فعل هذه المؤسسات محدودا.

لذلك فإن السؤال الذي يبرز في هذا المجال هو: كيف نردم الفجوة بين المجتمع ومؤسسات العمل الخيري؟

نشر ثقافة العمل التطوعي والخيري:

من الطبيعي القول أن للأنشطة الخيرية خلفية ثقافية ودينية، وهي التي تؤسس للكثير من الحوافــز والعوامل التي تدفع الناس للمشاركة والدعم مع مؤسسات العمل الخيري.

لذلك من الضروري العناية بالبعد الثقافي للعمل الخيري، والسعي المؤسسي إلى إشاعة ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي، وتحفز على العمل التطوعي والخيري. لأن هذه الثقافة هي الوعاء الحقيقي الذي يساهم في احتضان الكفاءات الاجتماعية وتوجيهها صوب هذه الأنشطة الإنسانية. وتساهم هذه الثقافة أيضا في خلق أجيال اجتماعية جديدة مهتمة بالحقل الخيري والتطوعي في المجتمع، تعتقد بأهمية هذه المؤسسات وأدوارها ووظائفها، وتشترك بجهدها وإمكاناتها في تطوير هذا الحقل الهام في وطننا العزيز.

ولهذا نرى أنه حتى المجتمعات المادية والمتقدمة، تسعى نحو تفعيل مخزونها الثقافي وتوجيهه نحو العمل الخيري. لهذا نجد في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم (320000) ألف مؤسسة خيرية، بلغت ممتلكاتها عام 1989م أكثر من 5 ر137 مليار دولار، وقدمت من الأموال ذلك العام لعمل الخير حوالي 8 آلاف مليون دولار. والشعب الأمريكي بشكل عام في ذلك العام تبرع بحوالي 115 ألف مليون دولار. وبهذا يتضح أن معدل تبرع المواطن الأمريكي بلغ 500 دولار في العام.

والدين الإسلامي الحنيف يحتوي على ثروة هائلة من القيم والمبادئ والتراث التاريخي المليء بصور التكافل والتضامن الاجتماعيين، وتشجيع الأنشطة الإنسانية والخيرية.

ومهمتنا تتجسد في إعادة تدوير هذه الثقافة، وإشاعة مبادئ التكافل الاجتماعي، وبعث النماذج التاريخية في هذا المجال. مؤسسين من جميع هذه المسائل ثقافة اجتماعية جديدة، تعلي من شأن العمل الخيري، وتحفز الناس جميعا للمشاركة بمستويات متنوعة في دعم وتطوير العمل الخيري.

وينبغي أن نعرف أنه حينما تنتشر هذه الثقافة الاجتماعية الجديدة، فإن المجتمع سيقوم بمبادرات مختلفة، ويطور من أدائه في مجال تطوير وتفعيل حقل العمل الخيري والتطوعي في البلاد.

مراجعة الأولويات:

يبدو أنه آن الأوان، أن تقوم مؤسسات العمل الخيري المنتشرة في وطننا العزيز بمراجعة أولويات عملها ونشاطها، لأن سر نجاح أي عمل ومنشط، هو اتجاهه الدائم إلى الأولويات والأهم في أعماله ونشاطه.

والاهتمام بالأولويات هو أحد العوامل الأساسية التي تساهم في تطوير تفاعل المجتمع مع هذه المؤسسات.

والعمل الخيري بكل مستوياته من الأعمال المحمودة، التي لها آثارها الحسنة والإيجابية في الدنيا والثواب والجزاء الأوفى في الآخرة.

ولكن متغيرات العلاقة بين هذه المؤسسات والمجتمع، تدفعنا إلى القول بضرورة أن تراجع هذه المؤسسات أولوياتها، ويبدأ الاهتمام الفعلي والجاد بالهام من الأمور وذات الأولوية، وترفع عن كاهلها الأنشطة والأعمال التي لا أولوية لها.

وفي تقديرنا أن تحديد الأولوية يتم وفق المعايير التالية:

- العناية بالأنشطة والأعمال التي تنسجم وعنوان العمل الخيري الاجتماعي، الذي تشكلت من أجله هذه الأنشطة والمؤسسات.

- الإقبال على الأعمال والمناشط، التي يتفق الجميع على ضرورة العناية بها للحاجة الفائقة إليها.

- العناية بنقاط الضعف الحادة، والحلقات الضعيفة في المجتمع والتي تتطلب عناية جادة ومسئولة.

حضور البعد التنموي:

لعل من التحديات الكبرى، والتي تحتاج إلى تفكير عميق، الإجابة عن سؤال: كيف تشترك المؤسسات والأنشطة الخيرية والتطوعية في مشروعات التنمية الشاملة؟

ويبدو أن ردم الفجوة بين هذه المؤسسات والمجتمع مرتبط إلى حد كبير بالإجابة السليمة عن هذا السؤال.

لهذا فإن مؤسسات العمل الخيري، مطالبة بالتفكير العميق في هذه المسألة، والعمل على تكييف برامجها ونشاطها مع متطلبات التنمية الشاملة.

ولعل من الضروري في هذا الإطار، التأكيد على ضرورة أن يتحول جزء من نشاط هذه المؤسسات إلى تقوية البنية التحتية للمجتمع، والعمل على منع حدوث الظواهر الاجتماعية التي ترعاها، والتفكير في معالجة هذه الظواهر من أسسها وجذورها، بمعنى المثل الصيني الذي يقول: (بدل أن تعطي الفقير سمكة، علمّه كيف يصطاد السمك).

ولابد أن ندرك أن للتنمية الشاملة أبعادا ثقافية وإنسانية، وعلى المؤسسات الخيرية أن تشترك في إنجاز هذا المشروع. وهذا بطبيعة الحال يتطلب التخطيط والتفكير البعيد والإرادة الصلبة والعمل المتواصل.

اضف تعليق