ما كان لبوابة عشتار ومسلة حمورابي وغيرهما أن تظل شاخصة للعيان حتى الآن، لولا وجودها في بلدان مستقرة وتحترم الارث الانساني، فوضعتها في أرقى متاحفها، يتأمل من خلالها الزوار البدايات الاولى للبشرية والعمق الحضاري الذي وصله العراقيون، فهذه بابل وتلك آشور وسومر، ومنها اطل الانسان على نور الكتابة والتدوين وحكمة القانون وروعة الآداب والفنون.

ولو كانت هذه الشواخص باقية في ديارنا لطالتها معاول المتطرفين وسهام الظلاميين، والذين يفسرون النصوص الدينية بالسطحي من المعاني لتطحنها وتحيلها ترابا غير مدركة انها بذلك تدفن الى غير رجعة هويتنا الحضارية التي لطالما تشدق الهمجيون بها، ورفعوا شعارات التصدي لما وصفوه بالغزو الذي يريد النيل منها، فعرقلوا مواكبتنا لما وصله العالم من تطور حضاري ورقي قيمي، وادعوا انهم بذلك ينشدون الأصيل، واذا بمرقد النبي يونس والمنارة الحدباء اولى ضحاياهم.

ربما يلومني البعض، وينعتوني بشتى النعوت ان قلت ليست حكيمة الدعوات الى استرجاع آثارنا المسروقة التي أوصلها المهربون الى مختلف بقاع العالم، ذلك ان وجودها في متاحف العالم أمن لها مما لو ظلت في بلادنا، فنحن لا ندرك قيمة ارثنا التاريخي أفراد ومؤسسات، بدلالة اهمالنا لمدن أثرية بكاملها، انظروا الى المدينة الأثرية في بابل والحضر في نينوى وأشنونا في ديالى، مهملة تعبث بها عوامل الطبيعة كيف تشاء، ويتخذها البعض من الجاهلين مكبا للنفايات، ولا تحتل من اهتمامات المسؤولين أدناها، وباستمرار هذا المنوال قد تجد أجيالنا اللاحقة نفسها بلا ارث مادي سوى ما دونته الكتب، فلا يصدقونه، وربما يُجبر من لا يريدون لنا عمقا نفخر به، اولي الأمر منا على حجب تلك الكتب او تغيير مناهجنا رغم الانوف، لا تستغربوا ما أقول، فقد حدث مثله في مناهج دول شقيقة وصديقة وبدعوات صادرة عن غيرهم. لا زالت في ذاكرتي صورة ذلك المسؤول الآثاري الذي لم يكن بوسعه فعل شيء ما سوى ذرف الدموع أمام نهب منظم وعشوائي للمتحف الوطني في قلب بغداد، وكيف وقف العالم مذهولا وهو يشاهد من الفضائيات تفجير منارة الحدباء بعبوات تنظيم داعش، وكيف ترجو ذليلة موظفة في أثار بابل من المواطنين الكف عن رمي نفاياتهم في المدينة الأثرية.

لكن كل ذلك لم يحرك ساكنا لدى من اوكلت لهم مهمة الحفاظ على تاريخنا، وعندما تسألهم يبررون الفشل بذرائع شتى ومنها ما يندى له الجبين. أليس عيبا أن تتبرع منظمات دولية لإنقاذ آثارنا من الاندثار، والمفارقة ان البعض يتباهى بتمكنه من جلب هذه المنظمات للبلاد، بينما نقف عاجزين او غير مكترثين.

من حسن حظ الأجيال ان القطع الأثرية المسروقة لا تصلح لأغراض اخرى سوى المتاجرة بها، ما يدر أرباحا طائلة للمهربين، لكن المشترين يدركون قيمتها التاريخية، وبكل الأحوال سينتهي بها المطاف في متاحف آمنة باستثناء الذي يتلف او يضيع.

ومع ان فعل تهريب الآثار سلوك مدان، لكنه في الدول التي يجهل مسؤولوها أهمية تاريخ بلادهم، او تهيمن اللامبالاة على تعاملهم معه، او ليس لديهم من الروح الوطنية ما يحفزهم على المحافظة عليه، او لا يدركون فاعلية هذا الإرث في شحذ الهمم، عند ذاك يكون تهريب الآثار فعلا نبيلا وان كان لا يقصده المهربون، على أقل تقدير ينقذون القطع الأثرية من مناطق الخطر الى أماكن أكثر أمنا.

ان الذي ليس بمقدوره صيانة ما تتمنى الكثير من الشعوب أن يكون لديها جزء منه ولو كان يسيرا، ليس بمستطاعه استثمار هذا الارث الكبير اقتصاديا وثقافيا، مع انه منجم ذهب، يمكن أن يشكل رافدا لا يستهان به لميزانية الدولة الخاوية التي يشكو عباقرة هذا الزمان من فقرها، من خلال تفعيل السياحة، وأقلها السياحة الداخلية التي بتفعيلها نكسب أموالا ونثري ثقافة ونحفظ إرثا، وأي ارث! .

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8