اهتمت وسائل الاعلام التقليدية (التلفزيون، الاذاعة، الصحافة المكتوبة) وبإفراط بعدد الاصابات والوفيات وما جادت به منظمة الصحة العالمية من معلومات عما ستنزله بنا جائحة كورونا، غير آبهة للقلق والذعر والاحباط الذي انتاب الناس من الوباء الذي حل على حين غرة من دون مقدمات، وكأن أهل الصحة بقدراتهم التنبؤية كانوا في عالم غير عالمنا، ومع ذلك يتهمونك بالسذاجة عندما تفكر بنظرية المؤامرة، كما لم تهتم تلك الوسائل كثيرا بتذمر الناس من المكوث في البيوت جراء الحظر الذي لم يكن أمام الحكومات من سبيل سواه لمواجهة هذا العدو الطائر غير المرئي، واكتفت بنصائح لم تشغل من مساحة بثها الا النزر اليسير.

بالمقابل عمل المستخدمون عبر مواقع التواصل الاجتماعي على صناعة محتوى مختلف عما تداولته كبرى الفضائيات، وأكثر استجابة لحاجات الناس المعزولين اجباريا، بالرغم من تلقائيته التي لم يخضع فيها لتخطيط او توجيه كما هو حال البرامج والمنشورات التي تبثها التقليدية من الوسائل، لكنه مع ذلك تمكن بعفويته من ادراك الوباء وتأثيراته النفسية والاجتماعية في المجتمعات ليحّول موضوعه الى محتوى خفيف للتسلية والترفيه بما فيه من سخرية حادة ومفارقات لافتة وقفشات مثيرة، بدد فيها القلق، وخفف من الذعر، وقضي على ملل العزلة الاجتماعية الطويلة بحدود مقبولة.

بينما لم يستشعر الاعلام التقليدي الوجه الآخر للجائحة، وظل يعمل بآلياته القديمة والبحث عما هو مثير، وليس أكثر اثارة من أخبار الموت وأكداس الجثث في المستشفيات، فضلا عن انعكاسات الوباء على ما هو سياسي واقتصادي، فحام حولها ولم يغادرها، وتنقلت كاميراته بين العواصم لتتبع ارتباك الحكومات في اجراءاتها، كما لم يتراجع ولو قليلا عن الاهتمام بأولوياته المعتادة وان كانت بعيدة عن أجواء الوباء، متناسيا مسؤولياته الاجتماعية والاخلاقية التي تحتم عليه تعاملا مختلفا عما هو سائد قبل حدوث المرض، بشكل يسهم في جعل الجمهور أكثر استرخاء وتماسكا ليتسنى له التكيف مع الأجواء السوداء، وألا يقود الملل والقلق والخوف الى سلوكيات سلبية على الاسرة والمجتمع وجوانب الحياة المختلفة كتحول المرض الى وصمة اجتماعية.

لقد ملأت مواقع التواصل الاجتماعي فراغا واسعا كان يمكن أن يكون كارثيا بدونها، وربما بغيابها لكان تعامل المجتمعات والأفراد مع كورونا وما فرضته من تباعد اجتماعي شيئا مختلفا تماما قد لا نستطيع تصوره الآن، وهذا يجدد الحماس للحديث عن الاعلام الجديد عندما يكون المواطن مرسلا ومستقبلا في الآن نفسه، وأهمية هذه الاعلام في أوقات الكوارث والأوبئة، لنتخيل ما سيفعل الناس عندما لا يكون لديهم ما يتعرضون له سوى التلفزيون، قد لا أكون مبالغا اذا قلت انهم لن ينصاعوا الى اجراءات حظر التجوال مثلما هو الآن.

فليس من السهل اتخاذ اجراءات تخالف بها سليقة الانسان التي جبلت على الاجتماع، يمكن أن يحدث ذلك لمدد وجيزة لا تتجاوز بضعة أيام، اما ان تستمر العزلة لأكثر من شهر، فذلك ما لا يطيقه الانسان، الا اذا ابتكرت شيئا يلهيه، ويسد الفراغ الحاصل عن التباعد الاجتماعي، وهذا ما حصل بحضور مواقع التواصل الاجتماعي اللافت، اذ قلل التقارب الافتراضي من حدة التباعد الواقعي، بينما تراجع التلفزيون وبقية الوسائل التقليدية الاخرى، بالرغم من ثقة الجمهور العالية بالتلفزيون قياسا بالوسائل الاعلامية الاخرى جديدها وقديمها.

ما يلفت في محتوى مواقع التواصل الذي دار حول فايروس كورونا، وهو محتوى يعده اناس يتباينون ثقافيا واجتماعيا ومهاريا، انه كان متنوعا ومكثفا ومشبعا للحاجات الانسانية على اختلاف أنواعها، بينما افتقد المحتوى التقليدي لذلك، وكشف عن مثالب وعجز واضح، أظن في أوقات الكوارث والأوبئة تتقدم وظيفتا التسلية والتثقيف على بقية الوظائف الاعلامية الاخرى، وهذا ما تحقق في مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يحصل في الوسائل التقليدية، ولكي لا يختلط الأمر لديكم، فأنا أتحدث عن الوسائل المهيمنة على المشهد الاعلامي العربي والعالمي.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4