تقف رواية العمى للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو باعتبارها تشريحاً مجهرياً وبنيوياً للشرط الإنساني حين يُجرَّد من زينة التمدن وقشور القوانين والأخلاق. فالوباء هنا ليس ظلاماً دامساً، بل بحر حليبي من البياض الساطع الذي يرمز إلى التخمة المادية والمعلوماتية التي أعمت الإنسان عن جوهره وجوهر أخيه. وحين ينعزل المجتمع في مشفى مهجور لتتداعى الضوابط الأخلاقية وتولد الفاشية وغريزة الوحش...

لم تكن الأدبيات الكبرى عبر التاريخ السردي سوى مرايا صقيلة تُوضع أمام الوجه الكالح للحضارة البشرية؛ لتكشف ما تتستر عليه المؤسسات والنظم الحديثة من هشاشة أخلاقية وتآكل وجودي مكتوم. وفي هذا المضمار الفكري الشاهق، تقف رواية “العمى” (Ensaio sobre a Cegueira) للكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل جوزيه ساراماغو، ليس بوصفها مجرد حكاية ديستوبية عن وباء متخيل يضرب مدينة مجهولة، بل باعتبارها تشريحاً مجهرياً وبنيوياً للشرط الإنساني حين يُجرَّد من زينة التمدن وقشور القوانين والأخلاق المؤطرة لمؤسساته. 

إن القارئ المتأمل لعمل ساراماغو يتنبه منذ اللحظات الأولى إلى أن الكاتب، لا يعنيه البعد الطبي أو الوبائي الفسيولوجي للحدث، بل يتخذ من “العمى” مجازاً راديكالياً يُفكك به بنية المجتمع الحديث. فالوباء الذي يجتاح المدينة بدون مقدمات .ليس ظلاماً دامساً كما استقرت عليه الموروثات الأدبية والرمزية التقليدية في تجسيد الجهل والضياع، بل هو بحر حليبي من البياض الساطع والكثيف. هذا التحول الفلسفي من الظلمة إلى الفيض الضوئي ينطوي على شفرة بالغة العمق؛ فالعمى الأبيض هو رمز للتخمة المادية والمعلوماتية، وللغرق في مظاهر الحضارة التقنية المعاصرة التي أعمت الإنسان عن رؤية جوهره وجوهر أخيه في الإنسانية. إننا أمام عمى ناتج عن كثرة الضوء المضلل، حيث تفقد الأشياء والذوات حقيقتها الجوهرية عندما تُغمر ببريق الادعاءات الشكلية والتمدن الزائف. 

تتبدى البراعة لساراماغو في تجريد جميع شخصيات الرواية كلياً من أسمائها العلمية وألقابها الهوية. فلا نلتقي بأسماء علم تشير إلى أصول أو انتماءات، بل بتوصيفات وظيفية أو شكلية أو ظرفية: “الطبيب”، “زوجة الطبيب”، “الأعمى الأول”، “الفتاة ذات النظارة السوداء”، “الكهل ذو العصابة السوداء”، “الطفل الأحول”، و”سارق السيارة”. هذا النزع العمدي للمركزية الفردية يُحيل الشخصيات إلى أشكال رمزية شمولية تمثل طبقات النفس البشرية والمستويات المتعددة للبنية الاجتماعية. فالحدث هنا لا يخص شخصاً بعينه في زمن محدد، بل يقع في مساحة تجريدية طليقة تعيد وضع البشرية جمعاء داخل مختبر الاختبار الأخلاقي الفائق، لتسأل: ماذا يتبقى من الإنسان إذا سُلبت منه أدوات التعريف والتوجيه الاجتماعية؟ 

وعندما تسارع السلطات الحكومية إلى محاصرة المرضى والمخالطين الأوائل وعزلهم في مشفى مهجور للمجانين تحت حراسة عسكرية صارمة ومسلحة، ينكشف الوجه الحقيقي للمؤسسة السياسية والتكنوقراطية. تظهر الدولة بمظهر الكيان الذعور الذي يفتقر إلى الرؤية الأخلاقية والشفقة، وتتحول أدوات النظام العام إلى وسيلة قمعية عزلية تهدف فقط إلى حماية الطبقة الحاكمة والخارج من العدوى، ولو كان الثمن إلقاء المواطنين في جحيم من القذارة والحرمان والموت الشائك. إن المحجر الصحي يتحول سريعاً إلى نموذج مصغر للمجتمع في حالته الفطرية البدائية التي وصفها الفيلسوف توماس هوبز بأنها ”حرب الكل ضد الكل”، حيث تنمحي القوانين وتحل محلها الغريزة العارية. 

في هذا الفضاء المغلق والخانق، تتداعى الضوابط الأخلاقية تدريجياً وبسرعة مرعبة. تبدأ المرحلة الأولى بالارتباك والتوسل بآداب اللباقة المدنية القديمة، لكن سرعان ما ينحسر هذا القشر الرقيق أمام ضغط الجوع الفظيع والجشع والخوف المادي. وهنا تبرز واحدة من أعمق الرؤى للرواية: كيف تولد الفاشية والاستبداد في أحشاء الفوضى والغياب المؤسسي. حين تمسك مجموعة مسلحة من الأعمياء البغاة بمقبض السيطرة على مؤن الطعام داخل المشفى، فإنهم يفرضون دكتاتورية غاشمة تبتز بقية المحتجزين. لا تكتفي العصابة بالمطالبة بالأموال والمقتنيات الثمينة – وهي مفارقة مضحكة مبكية لمجوهرات لا قيمة لها في عالم أعشى لا ترى فيه العيون شيئاً – بل تتجاوز ذلك لتصل إلى استغلال الأجساد، واشتراط الاغتصاب المنظم للنساء مقابل حصص الكفاف من الخبز. إنها نقطة الانحطاط حيث يتحول الإنسان إلى مفترس، ويُجرد القوي الضعيف من أخير ما يملكه الكرامة والسيطرة على الجسد والوجود. 

تتكشف خطورة هذا السقوط من خلال تنوع الردود النفسية للأنماط البشرية داخل النص. فالطبيب، الذي يمثل السلطة العلمية والعقل التكنوقراطي، ينهار اعتباره الرمزي بمجرد فقدانه لأدوات التشخيص؛ إذ يكتشف أن العلم المجرد بغير قوة أخلاقية فاعلة يعجز عن حماية صاحبه من الذل والاستسلام. أما الفتاة ذات النظارة السوداء، التي كانت تعيش على هامش السطحية وتشييء الجسد، فإنها تمر عبر أتون المعاناة والامتهان بتجربة تطهيرية فريدة، تتحول من خلالها إلى رمز للرعاية والتضحية والأمومة البديلة للطفل الأحول الذي فقد أمه وسط الجائحة. في حين يقدم الكهل ذو العصابة السوداء نموذجاً للحكمة والتكيف مع القدر، حيث تمنحه تجارب الفقدان السابقة صلابة معنوية تساعد المجموعة على احتمال البلاء.

غير أن وسط هذا الخراب الأخلاقي المريع، ترتفع قامة “زوجة الطبيب” كواحدة من أعظم الشخصيات الرمزية والمحورية في الأدب العالمي المعاصر. إنها الشخصية الوحيدة التي تعصم من الوباء وتبقى تبصر طوال فترة الجائحة، بعد أن أدعت العمى لترافق زوجها ولا تتركه لمصيره المجهول. لكن بصر زوجة الطبيب في منظور ساراماغو ليس امتيازاً ممتعاً أو هبة مريحة، بل هو عذاب ثقيل وعبء أخلاقي لا يُطاق. هي الشاهد الوحيد الذي كُتب عليه أن يرى عورة السقوط البشري بكل تفاصيله القذرة: الأجساد المتسخة بالفضلات، مشاهد الاغتصاب المهينة، والجثث المتحللة المتروكة للعراء. 

تمثل زوجة الطبيب الضمير الإنساني اليقظ، والبصيرة الأخلاقية التي تحاول الحفاظ على شعلة الأمل الأخيرة وسط الظلمات المتكاثفة. لولا هذه البصيرة الواحدة التي توفر الطعام، وتنظم الشؤون، وتقود الأعمياء في مسيرتهم نحو الخلاص، وتقتص أخيراً بجرأة من زعيم العصابة المستبد، لغرق الجميع في الموت والعدم الشامل. وفي هذه الدلالة تصريح حاسم: إن بقاء المجموعة الإنسانية وحفظها من الفناء الشامل لا يتوقف على الكثرة الكاثرة ولا على القوة الغاشمة، بل يرتهن بوجود فئة أو روح واحدة ترفض التخلي عن قيم الشفقة والمسؤولية الأخلاقية والواجب الإنساني تجاه الآخرين. 

ولا ينفصل المعنى الجوهري في رواية “العمى” عن مبناها والتقنيات السردية الفذة التي اعتمدها ساراماغو. فقد عمد الكاتب إلى إلغاء علامات التنقيط التقليدية، مدمجاً الحوارات مباشرة داخل السرد المتصل دون علامات تنصيص أو فواصل صريحة للأصوات، ومكتفياً بالفواصل العادية والتقطعات البسيطة. هذا الأسلوب ليس مجرد شطحة شكلية أو تجريب أدبي مفتعل، بل هو بيئة أسلوبية مُصممة لفرض )عمى سردي(على القارئ نفسه. يجد القارئ نفسه متخبطاً بين الأصوات المتداخلة، يبحث عن المتكلم، ويعيش اضطراب المساحة والحدود تماماً كما يعيشها أبناء الرواية العميان، مما يلغي المسافة الجمالية بين المتلقي والنص ويدغم التجربتين في وعي شعوري واحد. 

إن النهاية المفاجئة التي يستعيد فيها الجميع أبصارهم بنفس السرعة والغرابة التي فقدوها بها، لا تقدم حلاً سحرياً أو إغلاقاً مشرقاً بالمعنى التقليدي المريح، بل تترك المجتمع أمام مواجهة قاسية ومروعة مع ذاكرته الأليمة. لقد أبصر الناس مجدداً وخرجوا من المحجر، لكنهم خرجوا محملين بالمعرفة المرعبة عن ذواتهم وعن جيرانهم وعن زيف القشرة الحضارية التي كانوا يتباهون بها قبل الأزمة. لقد رأوا كيف يمكن للإنسان أن يتنازل عن إنسانيته في لحظات الخوف والاحتياج. 

تختزل الرواية في العبارة الخالدة التي تجري على لسان زوجة الطبيب:”أعتقد أننا لم نعمَ، بل نحن عميان من الأصل، عميان يرون، عميان لا يرى بعضهم بعضاً”.  

إن رواية “العمى” ليست وثيقة إدانة بقدر ما هي صرخة تحذيرية شديدة النبرة موجّهة إلى الإنسان المعاصر في كل زمان ومكان؛ مفادها أن الحضارة، والقوانين، والكرامة الإنسانية ليست منجزات نهائية موروثة ومضمونة وثابتة، بل هي خيارات أخلاقية واعية وممارسات يومية يتوجب على الإنسان حمايتها وممارستها في كل لحظة، كي لا يغرق مجتمعه في بياضه الخاص وتلتهمه غريزة الوحش المستتر تحت رداء المدنية البراق.

اضف تعليق