ثقافة وإعلام - أدب

السائق الطائر!

هذا الصباح سيكون البداية.. حدّث نفسه عندما جلس خلف المقود، لقد سئم أوامر الركاب، وتحمّل نزق بعضهم، واستهتار البعض الآخر، وتبرمهم المتكرر.. هو هكذا منذ أكثر من ثلاثين عاماً. استبدل خلالها أكثر من سيارة، ورأى وجوهاً كثيرة، وشوارع مختلفة، وأحياء وأماكن عديدة للمدينة التي وطأها للمرة الأولى، مع أهله، صغيراً، يساعد والده في أعمال مختلفة، قبل ان يستقر أخيراً، سائقاً لسيارة أجرة.

أحب وتزوج، وأصبح له أولاد، نبت له شاربان ولحية، أطلقها ثم حلقها، اعتمر قبعةً ثم رماها، جرّب أن يسوق بنظارات مختلفة، واستمع من مسجلِ السيارة إلى أغان لاتُحصى، ليغدو رائق المزاج، ركبت معه فتيات جميلات وقبيحات، وعجائز مثرثرات، يشفق على بعضهن ويُلعن البعضَ الآخر.

ركب معه سكيرون يجروّن أجسادهم من الحانات أواخر الليل، يُسمعونه كلاماً نابياً، أو يغنون له وصلات من غناء يمنتجونه على هواهم، وكذلك ركب معه متدينون، تُسبّحُ شفاهُم بصمت، وأصابعهم تداعبُ خرزات المسابح التي يحملون.. ركب معهُ مجرمون وعواهر ونشالون وأشكالٌ شتى من البشر، لكن علاقته مع كل هؤلاء، ظلت في حدود معلومة، الركوب والنزول، يتوقف بإشارةٍ من أحدهم، وينزلُ بكلمة من آخر.

كثيراً ما حاول أن يمنح نفسَه أبهة، من خلال جلوسهِ باعتداد، أو إظهار نفسه بمظهر الشخص المتحكم بالرحلة، لكن الحقيقة التي يعرفُها، هي أنه يسيرُ على الخط الذي هو فيه، ويوصلُ ركابَها للأماكن التي يقصدون، وعندما يحاول أحياناً أن يحيدُ أو يراوغ بعيداً نسبياً عن الطريق المحدد، تتعالى صيحات الركاب واستنكارُهم، واحياناً شتائمهم، إلاّ أن أكثر ما كان يُزعجه ويعكرُ مزاجَه، قولَ بعضهم له، نحن دفعنا لك أجرة.. أو هل أركبتنا بالمجان! هذه العبارات ومثلها هي التي صارت تتضخم في رأسه، وتؤرقه، وتجعلهُ يسهو أحياناً اثناء السياقة، حتى غدت كابوساً يخيم على رأسهِ وصدرهِ.

هذا الصباح، كانت حزُمةُ النقود التي هيأها في ليلهِ الفائت معه، عندما ركب سيارتهُ قبل أن ينطلق، لقد جمعها من عملهِ في الأيام والشهور الماضية، وضعها أمامه قربَ المقود، جوار علبة سكائره بحيث يراها من يركب السيارة، انطلق باكراً، وعلى خطه نفسه، وحين صعد الراكب الأول، ابتسم هو بوجهه، وقبل أن يخُرجَ الراكب مبلغ الأجرة، ناوله هو قطعة نقود، تسلمها الراكب مندهشاً، لكه شرحَ الأمرَ له باقتضاب.

لقد قررت أن أعطي ركابي النقود بدلاً من أن أأخذها منهم! وأردف يقول. خذها واسترح على مقعدك، وهكذا كان الأمر مع الثاني والثالث حتى امتلأت السيارةُ بالركاب المندهشين، السعداء ناوله بعضهم عبارات جميلة، لم يكن يسمعهُا من قبل وساد جوٌ من المرح في السيارة التي قال له أحدُ ركابها بدعابة،.. اليوم فقط أم كل يوم؟.. ابتسم وواصل سيره، وتشاغل عنه الركاب بالحديث عن الأمر الجديد، انعطف عن الخط قليلاً من دون أن يسمع استنكار أو صياحاً. ثم راح يسلك طرقاً أخرى، كأنه يسير الهوينا، منطلقاً بنشوة، راحت تدب في جسده، وتحيله كائناً أخر، لاعلاقة له بالكائن الذي كان يسكن جسده المثقل بالهموم، قبل هذا الصباح.. سلك طرقاً متعددة، وراح يسير فوق جسور عديدة جميلة، رآها للمرة الآولى، ويدور حول النافورات التي لم يرها من قبل وشيئاً فشيئاً راحت السيارة تندفع لوحدها، كما لو انها تسلمت مهمة القيادة بدلاً عنه، فيما هو وسنان وقد أخذته شبه غيبوبة حررته من مكانه خلف المقود، ليخرج من نافذة السيارة، طائراً يسابق سيارته المندفعة بقوة، خارج المدينة، فيما هو يحلق مثل نسر تعابث اجنحته نتف الغمام الأبيض، وتحت ناظريه كانت السيارة تندفع في الخلاء البعيد كما لو انها هاربة من زحام المدينة، والركاب بعضهم يرقص، وبعضهم نائمون!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق