قالت، لما وقعت عيناها على اقفاص التفاح؛ - مرّ زمن طويل يا (علي)، تبدلت اشياء كثيرة في هذه الدنيا، لقد تغيرت طباع الناس ورائحة الاشياء وحتى مذاق الاطعمة!

لحظتها، ودّ لو قال لها، حتى انت يا أمي .. لكن زفرة اندفعت من صدره الذي يسند راسها المعصوب بطيات فوطتها، سابقت نظراته التائهة بين وجوه الباعة ومساطب الفاكهة في السوق حبست صوته، فانحنى كإنه يعد خطوات قدميها المحمومتين، ويعيد في صمت مشيتها المتئدة صدى سعالها الذي راحت سهامه تمزق صدرها ثم تنبت في صدره، يقلب وصية الطبيب عندما سلّمه الوصفة.. (عليك بالفاكهة، فالدم يكاد يجف في عروقها)، توقف وشدّ رأسها الى صدره وقال؛ امي.. ولم يزد، حين احس لحظتذاك ان يد السنين طوّقته وانحدرت به بعيداً عن المكان ... ولأنه لا يود مفارقتها تعلق باذيال عباءتها يسابق خطوها بقدمين حافيتين، وعيناه الصغيرتان تتجولان في بهارج السوق الصاخب، وعندما حاولت جذبه سبقها هو وجذب عباءتها ثم تسمّر قرب بائع التفاح، فأخذت اصابعها تفتح (صرة الخردة) في اطراف فوطتها وعطر التفاح يفوح على وجهها، فيما كانت كفاه الطريتان تطوقان التفاحة التي غاصت بها شفتاه، منتشباً بعطاء اسواق المدن تلك الجنائن المعلقة في فضاءات القرى التي كان صغار القرويين يصنعون من عباءات امهاتهم اجنحة يطيرون بها في ليل الاكواخ النائية، ليهبطوا بها صباحاً ممسكين باذيالها، مأخوذين بالدهشة من تلك العوالم النازفة بالحياة!

قالت وكأنها تريد ان تندهه من غفوة مفاجئة داهمت طريقهما قريباً من السوق..

-ماذا قال لك الطبيب يا علي؟

ولأن الجفاف انهكها، ضاع صوتها الخابي بين اصوات الباعة، فلم يندهه من سكرته اللذيذة، فظل يطوف بين ايامه الغافية على اجراف صدرها الذي كان يعرف مكامن ضعفه لما تنهش الاوجاع جسده الصغير فيقول؛ (أكره طعم الدواء يا أمي) فتستدرجه لمرارة الدواء بعطر التفاح الذي كثيراً ما كان يجعل اطراف فوطتها خفيفة، توقف وقد ايقن انه ترك خلفه سنيناً عديدة، وتوقف بقامة طويلة امام بائع التفاح، ولما حاولت جذبه، ادركت وهن يديها، فأردفت وفي صوتها غصة حين رأت وجه طفولته يغيب عنها ويدير نظراته الحيرى بين وجهها ووجه البائع، لكنها اردفت تقول:

ماذا قال لك الطبيب يا علي؟!

كان صوت البائع اعلى من صوتها، فحاول ان يمد يده في جيبه الذي افرغه في عيادة الطبيب، ولأن البائع كفّ عن المناداة للحظات، بدا صوتها واضحا لما قالت؛

- ألم اقل لك ان اشياء كثيرة في هذه الدنيا قد تغيرت حتى يدك التي كانت طرية، غدت متخشبة يا علي..!

وبصعوبة حاول ان يعيد الحياة لأصابعه وهي واقفة قربه تجاهد اوجاعها، ثم اتكأت على صدره، ولا ارادياً مدّ يديه الى اطراف فوطتها ليشمّها وحين عبقت بأنفه رائحة التفاح القديم، شد رأسها الى صدره وقال بصوت لم يسمعه احد في السوق غيرها.. أمي!

فيما اكتسحت المكان روائح غريبة، فاكفهرت من حولهما الوجوه، وراحا يتلفتان اشبه بالغريبين وحين انحنى ليمسك بعباءتها كان صوت البائع يبتعد رويداً رويداً، ونظراته تسحل مع اطراف عباءتها ارض السوق.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13