ثقافة وإعلام - صحافة

الصحافة بين أخلاق المهنة وأخلاق المجتمع

سارق المناديل الورقية مثالاً

من جملة الامور التي لم يرسُ العراق على شاطئ آمن عندها، ويحدد هويتها والصيغة النهائية لها؛ هي مسألة الوظيفة التي ينبغي ان تضطلع بها الصحافة والاعلام، وتحديداً ما يتعلق بمادة الخبر الصحفي، لذا تغلبت الاجتهادات الشخصية او الفئوية (المؤسساتية) على القواعد الثابتة التي نراها في دول العالم، وبما أن جميع العاملين في مجال الصحافة والاعلام، في مختلف الوسائل والاشكال؛ يدّعون وصلاً بالمجتمع والشارع العام، ويتسابقون على الفوز بلقب "ضمير الشعب" أو "مرآة الواقع بحثاً عن الحقيقة" وغيرها من الشعارات، فان خير ما يرتكزون عليه لإضفاء المصداقية؛ تبني قيمة الحرية بمجالاتها المتعددة، مثل حرية الرأي والتعبير والانتماء وغيرها، سواء في اطار الحريات الفردية او الحريات العامة، ثم إن المطالبة بهذا الحق الانساني، يعد أمراً محبباً للنفوس في عراق ما بعد الديكتاتورية وخنق الحريات.

ولكن؛ كما هو حال الاقتصاد والقانون والسياسة، إذ ما تزال الصورة غير متكملة الملامح، بسبب الظروف التي يمر بها العراق، فلا هوية واضحة للاقتصاد، إن كان رأسمالياً يدعم السوق، او اشتراكياً – على حاله- بيد السلطة، او ان النظام السياسي يطبق الديمقراطية وفق معايير معينة أم لا؟ فان الصحافة والاعلام هي الاخرى انطلقت في رحاب الحرية الواسعة، تنشر وتطبع وتوزع بشكل غريب، حتى أثار انتباه الاوساط الاعلامية في الدول المجاورة وفي العالم، وقد فسّر البعض على أنها حالة صحية تعبر عن الخزين الثقافي والمعرفي لدى العراقيين، بينما فسّر آخرون على وجود التنافس السياسي المحموم على السلطة مما يقتضي وجود وسائل اعلام تسوّق لوجوه و أفكار ومشاريع سياسية.

ومن أجل ان يأخذ العراق مكانه بين الدول المنتجة للاعلام، كان لابد من إعطاء "المهنية" مكانة مرموقة في العمل الصحفي والاعلامي ، في محاولة لوضع قواعد عمل صحيحة وثابتة للنشر، وراح الكثير يتحدثون عن تبنيهم لـ "أخلاق المهنة" والالتزام بالمسؤولية الاخلاقية في الوصول الى الحقيقة من مصادرها الاصلية، والحديث بلسان الشارع والمطالبة بحقوقه والتعبير عن همومه وتطلعاته.

الحديث الأبرز على لسان الناس اليوم، هو؛ الفساد المستشري في دوائر ومؤسسات الدولة، فليس أمام القسم الاكبر من وسائل الاعلام، إلا أن تكون بين صفوف الناس والهتاف معهم ضد ظاهرة اللصوصية المكشوفة من قبل وزراء ونواب ومسؤولين، وكيف أن هذا وذاك، سرق الملايين او المليارات من الدولارات، ويحظى بالامتيازات والرخاء مع افراد اسرته، سواءً داخل او خارج العراق، ولذا فان مجرد انتشار خبر اعتقال صبي بتهمة السرقة – بغض النظر عن حجم سرقته- ثم الحكم عليه بالسجن عاماً كاملة، فانه يمثل مادة خبرية صاعقة من شأنها ان تثير حفيظة معظم ابناء الشعب العراقي الذي ستنفجر في ذهنه صور السراق الكبار في بغداد الذين لم يمسهم القضاء ولا قضبان السجون، بينما يطبق القانون على صبي، وعليه لابد من إطلاق سراحه فوراً...!.

وبالرغم من التضامن والتفاعل الكبيرين الذي حظي به الصبي السماوي؛ مصطفى وجدان ابن الثامنة من العمر، ومنهم كاتب السطور ايضاً، فان هذا يذكرني باحدى محاضر جلسات محاكمة مسؤولي بلدية طهران في تسعينيات القرن الماضي، حيث توجه المتهم بالخطاب الى القاضي بأن "لا ينبغي ان تحاكمني على اختلاس بضعة ملايين من التوامين، فهذا لا يعد اختلاساً، إنما اذهب الى أولئك الذين اختلسوا المليارات..."!!.

وإذن؛ فالقنوات الفضائية التي روّجت لمظلومية الصبي السماوي وتسليط الضوء على المناديل الورقية المسروقة، إنما اراد رأس حربة جديدة يطعن بها مسؤولي الدولة المتهمين بالاختلاسات والسرقات الكبيرة، وراح البعض يتهكم بالقانون والقضاء برمته عندما وصف القضية بأنها "أربعة كلينس" كناية بالمادة "أربعة ارهاب" من الدستور التي تخول القضاء إلقاء القبض على بعض المشبوهين، بيد أن هذه القناة الفضائية او تلك، وايضاً مواقع التواصل الاجتماعي، سقطت عنها فقرة مهمة في المهنية الاعلامية، وتحديداً في مجال الصحافة الاستقصائية، الاحاطة بكافة جوانب الحدث وخلفياتها واسبابه، ومن هذه الجوانب؛ صاحب المحل المستهدف بالسرقة، وإنارة الرأي العام، ما اذا كانت السرقة حقاً، مجموعة علب مناديل ورقية، أم القضية شيء آخر.

بعد هدوء العاصفة، نشرت بعض صفحات الفيس، مقطع فيديو للتاجر السماوي صاحب المكان الذي سرق منه ذلك الصبي، وهو يتحدث أمام اعضاء مجلس محافظة السماوة، ويوضح بأن القضية ليست علب مناديل ورقية، إنما مخطط لسرقة بضاعة بمبلغ 25مليون دينار، وأن هنالك سيارة شحن في الجانب الآخر من جدار المتجر تنتظره ليقوم بنقل المسروقات... وأعرب عن أسفه لتوجه الاعلام نحو الجاني والتغافل عن المجني عليه!

هذه القضية تمثل حالة واحدة من حالات عديدة تتكرر في طريقة تعاطي معظم وسائل الاعلام العراقية مع الحدث، فاذا كانت بعض وسائل الاعلام تعتقد أنها تطبق مبدأ "الخبر سلعة لها قيمة تجارية"، كما هو السائد في البلاد الغربية، فان عليها ان تتذكر دائماً أن الصحافة في بلد ما، إنما هي نتاج الكيان الاجتماعي الذي تعمل فيه، ويجب ان تعبر عن هوية وانتماء هذا الكيان، بغض النظر عن الامزجة والتوجهات والانفعالات النفسية لاسباب متعددة، مثال ذلك؛ التشهير والتسقيط تحت شعار "استقصاء الحقيقة" والبحث عن الفاسدين وفضحهم أمام الناس، علماً أن هذا التوجه، استنفذ اغراضه خلال السنوات الماضية، بعد أن أدرك الناس أن لا فائدة من الفضائح والتشهير، بل حتى الادانة القانونية، إذ يحتاجون لاستيفاء حقوقهم واسترجاع الأموال المنهوبة بالمليارات وايضاً مكافحة ظاهرة الفساد بشكل عام، الى وسائل اخرى تبحث في الجذور.

واذا كان يطمح الكثير من الاعلاميين في العراق بأن يتميزوا بين سائر المؤسسات العاملة في البلاد، بأنهم الاكثر نزاهة واستقلالية ويحملون رسالة انسانية مقدسة، فانهم مدعوون لإحكام الربط بين اخلاق المهنة وأخلاق المجتمع، ليكونوا لسان حاله حقاً وحقيقة، ويتعاملوا مع الحدث والخبر على أنه وسيلة للتوعية والاستزادة في المعرفة ونشر ثقافة الحياة الكريمة بما تستوجب من قيم ومفاهيم بناءة، فالاطفال من امثال الصبي السماوي في جميع انحاء العراق، بحاجة الى المراكز التعليمية والتأهيلية، قبل حاجتهم الى الضجيج الاعلامي الذي سينتهي في كل الاحوال، ثم يعودون الى الشوارع والطرقات، بين منظف لزجاج السيارات وبين بيع المناديل الورقية وغير ذلك، لان هذا المحيط هو نفسه الذي يدفع الى ممارسة المخالفات والجرائم، وربما يزعزع كيان وأمن المجتمع برمته.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0