بقلم: علي كريم إذهيب

تزداد أزمة البطالة في العراق اتساعا بفعل العمالة الأجنبية الداخلة للبلاد، إذ بسببها أقيل الشاب عمار محمد (37 عاما) من عمله في مطعم سياحي (5 نجوم) بمنطقة الكرادة وسط بغداد، بعد أن كان يتقاضى مرتبا شهريا يبلغ 950 ألف دينار (655 دولارا) بمعدل عمل يومي يصل لـ 12 ساعة.

محمد الذي كان يعمل في المطعم بصفة "نادل" يحمل شهادة الدراسة الثانوية، يقول للجزيرة نت "تمت إقالتي بعد خدمة 3 سنوات ليتم تشغيل عمالة أجنبية بدلاً مني"، وعند الاستفسار عن سبب تشغيل العمالة الأجنبية بديلا عنه أجاب "أجور العامل أو العاملة الأجنبية أقل من أجرة العراقي كون قيمة الراتب بين 400 و500 دولار فقط".

مليون عامل أجنبي

ووفق الأرقام التي قدّمها وزير العمل والشؤون الاجتماعية أحمد الأسدي في ندوة -حضرها مراسل الجزيرة نت- حول البطالة والعدالة الاجتماعية داخل مجلس الأمناء العراقي (مؤسسة حكومية)، فإنه يوجد مليون عامل أجنبي غير مرخص في العراق.

وأشار الوزير إلى أن تنظيم العمالة الأجنبية سيوفر مئات الآلاف من فرص العمل للعراقيين الذين يعانون البطالة.

ويبلغ عدد العمالة الأجنبية المرخصة من قبل وزارة العمل نحو 160 ألفا، وذلك بحسب المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية نجم العقابي، الذي أوضح أن عدد العمالة غير المرخصة تصل أضعاف هذه الأعداد المعلنة، إلا أنه لم يحددها برقم معين.

وخلال محاولة مراسل الجزيرة نت الحصول على أعداد العمالة الأجنبية من مؤسسات مستقلة مثل اتحاد العمال العراقيين ونقابة العمال، تبين أن هذه المؤسسات لا تملك إحصائيات خاصة بها وتتفق مع الإحصائيات المعلنة من الحكومة الاتحادية ببغداد.

في غضون ذلك، يقول رئيس مؤسسة عراق المستقبل للدراسات الاقتصادية (مؤسسة مستقلة) منار العبيدي، إن "معدل التحويل الشهري لجميع العمالة الأجنبية للخارج يبلغ بحدود 200 دولار للعامل الواحد"، مبينا خلال حديثه للجزيرة نت أن أكثر من 2.4 مليار دولار تخرج سنويا من العراق لدول العمالة الأجنبية، بحسبه.

نسبة البطالة وأسبابها

في مقابل تلك الأرقام، كشفت وزارة التخطيط العراقية عن ارتفاع نسبة البطالة بين العراقيين إلى 16.5% في عام 2021، فيما كانت 14% في عام 2020 حيث شهد العراق حينها إغلاقًا تجاريا بسبب جائحة كورونا.

ويقول المتحدث باسم الوزارة عبد الزهراء الهنداوي في مقابلة مع الجزيرة نت "يمثل الشباب الفئة الأكبر في المجتمع العراقي، إذ ارتفعت نسبة البطالة للفئة العمرية من 15-40 عاما إلى 23%، في حين بلغت نسب البطالة بين جميع النساء 30% للعام 2021".

وعن أسباب ارتفاع بطالة الشباب، يعزوها الهنداوي إلى تداعيات جائحة كورونا التي تمثلت بتوقف المشاريع الاقتصادية، في الوقت الذي بين أن السبب الرئيس لبطالة النساء يرجع للظروف الاجتماعية التي تعيقها من الحصول على فرص العمل المتاحة أسوة بالرجال.

إجراءات وتكاليف

تتعدد الطرق التي تستخدمها العمالة الأجنبية في دخولها العراق، إلا أن ضابطا في مديرية الإقامة التابعة لوزارة الداخلية يكشف عن طريقتين لدخول العمالة الأجنبية للعراق، معلقا "دخول العمالة الأجنبية نساء ورجالا بصورة شرعية يتم من خلال استقدام صاحب مشروع ما، حيث يقدم طلبا رسميا بالأسماء والأعمار ونسخا من جوازات السفر لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية التي تقوم بدورها بمخاطبة مديرية الإقامة لمنحهم سمة دخول عمل متعددة للعراق".

ويضيف الضابط للجزيرة نت -شريطة عدم الكشف عن هويته- أن تكلفة رسوم سمة الدخول نحو 1.5 مليون دينار (ألف دولار) عن كل شخص يدخل العراق لغرض العمل في السوق العراقية"، أما عن الطريقة غير الشرعية، فيتحدث الضابط أنه يتم من خلال إدخال العمالة، لا سيما من سوريا، عبر إقليم كردستان العراق من مطارات أربيل والسليمانية، ومن ثم يتم تهريبهم برًا للمحافظات والعاصمة بغداد، بحسب توضيحه.

ويؤكد أن هناك انتشارا لنقاط عسكرية على الطرق الخارجية القادمة من محافظات الإقليم تجاه بغداد، ومحافظات الوسط والجنوب تعمل على التدقيق في جوازات السفر والهويات الرسمية لمستقلي سيارات السفر الداخلي للقبض على المخالفين وترحيلهم لبلدانهم ومحاسبة المتورطين.

ترحيل المخالفين

في غضون ذلك، أعلن مدير قسم الإبعاد والإخراج في مديرية شؤون الإقامة التابعة لوزارة الداخلية العميد أحمد جمعة رسن عن منح سمة المغادرة لـ 43 ألفا من العمالة الأجنبية لمخالفتهم قانون الإقامة رقم 76 لعام 2017، وأن أعداد المخالفين توزعت بين 28 ألفا في بغداد، و15 ألفا في باقي المحافظات.

وفي حديثه للجزيرة نت، قال رسن "إن قسم الإبعاد والإخراج يقوم بجولات تفتيشية مستمرة على جميع الأماكن العامة والخاصة من خلال تدقيق سمات الوافدين الأجانب ومدى التزامهم بقانون الإقامة"، محذرًا من إيواء الأجانب المخالفين، وأن ذلك يجعلهم يتحملون المسؤولية القانونية وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وفيما يتعلق بالقانون المنظم لدخول العمالة الأجنبية للعراق، أوضح الخبير القانوني علي التميمي أن قانون الإقامة رقم 76 لسنة 2017 نظم عملية دخول الأجانب وشروط منح سمة الدخول "الفيزا" وشروط الإقامة ومدتها والكفيل، إضافة إلى أنه فصّل أنواع سمات الدخول من شهر إلى 6 أشهر وموافقة الجهات ذات العلاقة.

وخلال حديثه للجزيرة نت، قال التميمي "إن العاملين في المحلات والصالونات والمعامل لا يمكن لهم أن يعملوا إلا بشروط قد تكون أحيانا غير متوفرة مما يعني أنهم متجاوزون على سمة الدخول"، مشيرا إلى أن صاحب العمل يتحمل المسؤولية عن ذلك أمام القضاء العراقي حال مخالفته لشروط التشغيل.

تطبيق القانون

وكان وزير العدل العراقي أحمد الأسدي قد كشف في وقت سابق عن قرب تطبيق قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 الذي فرض على صاحب العمل تشغيل عامل عراقي مقابل كل عامل أجنبي، مع استحصال الرسوم والضرائب من العمالة الأجنبية، في خطوة تهدف لتقليص البطالة وتنشيط القطاع الخاص المحلي.

وتعليقاً على هذه الإجراءات، يقف عضو جمعية الاقتصاديين العراقيين مقدام الشيباني بالضد من إيقاف استقطاب العمالة الأجنبية، مبديا تأييده لاستقدام عمالة ماهرة حقيقية بضوابط محددة، لافتا إلى أن قانون الاستثمار العراقي يتيح للشركات الاستثمارية إدخال العمالة الأجنبية للبلاد بنسبة بين 40% 60% من العدد الكلي للعاملين في المشروع، وعليه فإنه لا بد من تشكيل لجنة لتنظيم دخول هذه العمالة، وفق الشيباني، واختتم الشيباني حديثه للجزيرة نت معلقا "العراق بحاجة لتعديلات تشريعية في قوانين العمل والاستثمار من أجل الموازنة بين العامل العراقي والأجنبي لديمومة العمل وتقليص فجوة البطالة وتقليل تدفق الدولار للخارج".

اضف تعليق