الثِّقةَ واليقينَ يصنعانِ البَصيرةَ عندَ المرءِ إِذا كانَ صاحبَ قضيَّةٍ، وهوَ الأَمرُ الذي تجسَّدَ وتجلَّى في الحُسينِ السِّبطِ (ع) وأَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ، ولذلكَ صبرُوا وثبتُوا ولم يتزحزحُوا عن مواقفهِم قيدَ أَنمُلةٍ لأَنَّهم قبلُوا التحدِّي بالبصيرةِ وليسَ بالبصَرِ فالبصيرةُ لا تخدع صاحِبها أَمَّا البصرُ، فاستعدُّوا للتَّضحيةِ من أَجلِ القضيَّةِ بالبصيرةِ...
حتَّى لا ننشغِلَ في متاهاتٍ وجِدالاتٍ لها أَوَّل وليسَ لها آخِر ونحنُ نبحثُ ونحقِّقُ في عاشوراءَ سعياً لاكتشافِ حقائقِها وجوهرِها، فإِنَّها اعتمدَت على أَهمِّ رُكنَينِ في الفَهمِ والوَعي هما الأَصلُ في كُلِّ مَوقفٍ تاريخيٍّ رساليٍّ لمَن أَرادَ أَن يتعلَّمَ منها ويهتدي بكربلاء:
أ/ لا تتبنَّى رأياً فتخوضُ في قرارٍ إِلَّا بعدَ أَن تدرسهُ جيِّداً حدَّ القناعةِ واليقينِ لتتحمَّلَ مسؤُوليَّتهُ في كُلِّ الظُّروفِ ومهما كانت النَّتائِج وأَن لا تندمَ عليهِ أَبداً.
يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) يُعلِّمُنا دراسةَ الأَمرِ جيِّداً قبلَ اتِّخاذِ القرارِ النِّهائي والشُّروعِ بالتَّنفيذِ ليكُونَ المرءُ عن ثِقةٍ وإِيمانٍ ووعيٍ ويقينٍ (ولَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الأَمْرِ وعَيْنَهُ وقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وبَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (ص) إِنَّه قَدْ كَانَ عَلَى الأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا).
وفي هذهِ الحالةِ فأَنت لستَ مُضطرّاً لتبريرِ قرارِكَ أَو السَّعي لإِرضاءِ أَحدٍ إِذ عليكَ أَن تدَعَ إِنجازَكَ ونجاحَك هوَ الذي يقنعهُم بهِ إِن عاجِلاً أَم آجِلاً!.
والموقفُ بمثلِ هذهِ الحالاتِ سيُرسِّخُ في ذهنِكَ الثِّقةَ واليقينَ وبالتَّالي سيخلُقُ في عقلِكَ ونفسِكَ وروحِكَ ومشاعرِكَ الإِستعدادَ اللَّازم والكامِلِ للدِّفاعِ عنهُ وتحمُّلِ مسؤُوليتهِ إِلى النِّهاية.
إِنَّ واحِدةً من أَعظمِ خِصالِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) هي الشَّجاعةُ كما نعرِفُ لكنَّ الذي نعرِفهُ هي شجاعتهُ في سوحِ المعاركِ والحرُوبِ فقط! أَبداً فمِن تجلِّياتِ شجاعتِهِ (ع) تحمُّلهُ المسؤُوليَّة مهما كانت العَواقِب وهذا دليلٌ قاطِعٌ على ثقتهِ بنفسهِ ويقينهِ بقراراتِهِ وهوَ القائِلُ (لَو كُشِفَ لِيَ الغًطاءُ ما ازدَدتُ يقيناً) أَمَّا الجَبانُ فيبحثُ دائماً عن كبشِ فداءٍ ليعصُبَ في رقبتهِ حبلَ المسؤُوليَّة ويهرب! (وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).
يقولُ (ع) (فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) بِضَلَالِي وتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي وتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ والسُّقْمِ وتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ).
أَمَّا المَوقف والرَّأي الذي يُفرَضُ عليكَ قهراً ولم تقتنِعَ بهِ حدَّ الثِّقةِ واليقينِ فستتنصَّلَ منهُ وتبيعهُ بشَروى نقيرٍ في أَوَّل فُرصةٍ وستنقلبَ عليهِ في اللَّحظةِ السَّانِحةِ التي تتغيَّر فيها الظُّروفِ! أَو سيصنعُ مِنكَ مُنافِقاً مُزدوَج الشَّخصيَّة! ولذلكَ رفضَ المُشرِّعُ أَن يُفرضَ الإِيمانُ تحتَ حدِّ السَّيفِ بقَولهِ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وقَولهُ (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) و (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ) و (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ).
وهذا المنهجُ القُرآني هو المنهجُ العلويِّ والحُسينيِّ الذي انتهجهُ أَئمةُ الحقِّ أَئمَّةُ أَهل البَيتِ (ع).
فمنذُ اتِّخاذهِ قرارَ رَفضِ البَيعةَ للطَّاغِيةِ يزيد وهوَ في مدينةِ جدِّهِ رسُول الله (ص) لَم يُجبِر الحُسين السِّبط (ع) أَحداً على تبنِّي مَوقفِهِ هذا أَو هدَّدهُ إِذا لم يلتحِق بركبهِ، أَبداً.
حتَّى الهاشمييِّنَ لم يفرُض (ع) عليهِم قرارهُ ففي مُؤتمرِ [مِنى] الذي حضرهُ قُرابةَ أَلفِ هاشميٍّ لم يُخاطِبهُم الإِمام (ع) بأَكثرِ مِن قَولهِ لهُم (مَن لحِقَ بِنا استُشهِدَ ومَن تخلَّفَ لَم يبلُغ الفَتح) وهي جُملَةٌ لخَّصت المَوقِف بكُلِّ جوانبهِ، مُبتدأَهُ ومُبتغاهُ ونِهايتهُ، والهدفُ مِنَ الكلامِ كانَ التَّبصِرةَ فحَسب.
وأَكثَر من هذا فهوَ لم يأخُذ زِمامَ المُبادرَةِ فيكتُبَ للأَمصارِ، ومنها الكُوفة، وإِنَّما هي التي بادرَت للكتابةِ إِليهِ ودعوتهِ للمجيءِ بقَولهِم [أَن اقدِم].
وإِلى آخرِ لحظةٍ في يَومِ عاشوراء قبلَ أَن يقعَ السَّيفُ وعلى طُولِ الطَّريقِ من لحظةِ وصُولِ خبرِ استشهادِ سفيرِهِ إِلى الكوفةِ مُسلم بن عقيلٍ (ع) ظلَّ الإِمامُ يُخيِّرُ مَن التحقَ بهِ بينَ البقاءِ أَو تركِ ركبهِ، بمَن فيهِم أَهلِ بيتهِ من الهاشمييِّنَ والعلوييِّنَ!
لقد تبنَّى الحُسين السِّبط (ع) في كربلاء والتزمَ بقرارٍ اتَّخذهُ بكُلِّ ثقةٍ ويقينٍ هوَ وأَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ ولذلكَ لم بتردَّد فيهِ أَحدٌ ولم يتبرَّأَ منهُ أَحدٌ ولم يندَم عليهِ أَحدٌ ولم يهرَب منهُ أَحدٌ على الرَّغمِ من وجودِ طرُقِ الهربِ والتَّراجعِ والإِعتذارِ وقتَها عندَ كُلِّ واحدٍ من شُهداءِ كربلاء، إِذ كانَت مُتاحةً أَمامَ الجميعِ إِلَّا أَنَّ الثِّقةَ واليقينَ عندهُم كانتا أَكبر مِن أَن يخطرَ في بالهِم عكسَ الإِيمان الإِلتزام والدِّفاع والتَّضحيةِ عن القرارِ الذي اتَّخذوهُ ببصيرةٍ ووعيٍ.
الثِّقةَ واليقينَ يصنعانِ البَصيرةَ
في النصِّ التَّالي إِثباتٌ لعُمقِ البصيرةِ والوَعي والإِيمانِ الذي تحلَّى بهِ وتجلَّى في رجالِ كربلاء عندما خطبَ الحُسين السِّبط (ع) ليلةَ عاشوراء في أَصحابهِ بقَولهِ (أَمَّا بعدُ فإنّي لا أَعلمُ أَصحاباً أَوفى ولا خَيراً مِن أَصحابي ولا أَهلَ بيتٍ أَبرَّ ولا أَوصلَ مِن أَهلِ بَيتي فجزاكُمُ الله عنَّي جميعاً خيراً.
أَلا وإِنِّي أَظنُّ يَومَنا مِن هؤُلاءِ الأَعداءِ غداً أَلا وإِنِّي قد أذِنتُ لكُم فانطلقُوا جميعاً في حلٍّ ليسَ عليكُم حَرجٌ منِّي ولا ذِمامٌ هذا اللَّيلُ قد غشيكُم فاتَّخذُوهُ جَمَلاً، وليأخُذ كُلُّ رجلٍ منكُم بيدِ رجلٍ مِن أَهلِ بيتي وتفرَّقُوا في سَوادِكُم ومدائنِكُم حتَّى يُفرِّجَ الله فإِنَّ القومَ إِنَّما يطلبُونني ولو قَد أَصابوني لَهَوا عن طلبِ غَيري).
الجوابُ كانَ واضِحاً؛ الرَّفضُ المُطلق!.
إِنَّ الثِّقةَ واليقينَ يصنعانِ البَصيرةَ عندَ المرءِ إِذا كانَ صاحبَ قضيَّةٍ، وهوَ الأَمرُ الذي تجسَّدَ وتجلَّى في الحُسينِ السِّبطِ (ع) وأَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ، ولذلكَ صبرُوا وثبتُوا ولم يتزحزحُوا عن مواقفهِم قيدَ أَنمُلةٍ لأَنَّهم قبلُوا التحدِّي بالبصيرةِ وليسَ بالبصَرِ فالبصيرةُ لا تخدع صاحِبها أَمَّا البصرُ فخدَّاعٌ (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا) فاستعدُّوا للتَّضحيةِ من أَجلِ القضيَّةِ بالبصيرةِ والله تعالى يقولُ (قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
ولذلكَ جاءَ التَّحذيرُ مِن عمى القلُوبِ [البَصيرة] بقَولِ الله تعالى (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ).
في المُقابلِ منهُم وقفَ المُعسكَر الآخر الذي كانَ قد رمى نفسهُ في التَّهلُكةِ من غَيرِ أَن يكُونَ لهُ خَيارٌ حقيقيٌّ عندما شاركَ في تنفيذِ قرارِ الحربِ ضدَّ الحُسين السِّبط الشَّهيد (ع) إِمِّا بالتَّرغيبِ أَو بالتَّرهيبِ ولذلكَ تهرَّبُوا منهُ وراحَ كُلُّ واحدٍ يرمي بالمسؤُوليَّة على الآخَر (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ) فتبرَّأُوا من جرائمهِم الشَّنيعة في أَوَّلِ مُواجهةٍ معَ الحقيقةِ ولومِ اللَّائمِ فكانَ منهُم وعلى رأسهِم طاغِيةَ الشَّام يزيد الذي تذكرُ مصادِرُ التَّاريخ بأَنَّهُ ندِم على قرارهِ بقتلِ الحُسين السِّبط (ع) والله تعالى يقُولُ (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗوَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚوَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
كذلكَ قائدُ جيوشِ الأَمويِّينَ في كربلاء عُمر بن سعدٍ الذي قبِلَ بالمُهمَّةِ طمعاً بمُلكِ الريِّ الذي دغدغَ أَحلامهُ المريضةَ فعادَ منها خالي الوِفاض من الدُّنيا إِذ لم يحصَل على مُبتغاهُ كما وعدهُ عامِل الأَمويِّينَ على الكوفةِ زياد بن أَبيهِ وفي الآخرةِ (عَذَابُ جَهَنَّمَ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) بالإِثمِ العظيمِ الذي ارتكبهُ بقتلهِ سيِّد شباب أَهل الجنَّة كما في حديثِ جدِّهِ رسولُ الله (ص).
ب/ عندما تتَّخذُ المَوقفَ وتتبنَّى الرَّأي عن ثقةٍ ويقينٍ ويستقِرُّ أَمرُكَ على هدفٍ وقتَها لا تُصغِ لقولِ القائلِ وعتبِ العاتبِ، فالمَوقفُ هوَ موقفُكَ والمسؤُوليَّةُ هيَ مسؤُوليَّتكَ فلماذا تَعطي للنَّاسِ أُذُنكَ ليخُوضُوا في قرارِكَ حتَّى من دُونِ طلبٍ منكَ ليثبِّطوكَ ويقلِّلوا من شأنِ مَوقِفِكَ ويحُولُوا وقد يُعرقِلُوا التزامَكَ بما آمنتَ بهِ من مَوقفٍ وتبنَّيتَ من رأيٍ؟! فهل سيتحمَّلونَ عنكَ شيئاً من المسؤُوليَّةِ إِذا تراجَعتَ أَو غيَّرتَ؟!.
أَبداً وإِنَّما هُم كالَّشيطانِ ينتقدُونَ ويُوسوِسونَ ويحطِّمونَ إِرادتكَ ويضعِّفونَ قناعاتكَ وثِقتكَ بنفسِكَ بالتَّشكيكِ ويكسِرونَ إِرادتكَ وعندما ينجحُونَ في تحقيقِ شيئٍ من ذلكَ ثمَّ تلوذُ أَو تستنجِدُ بهِم ليُساعِدُوكَ للخرُوجِ من [الوِرطةِ] قالُوا لكَ [إِقلَع شوكَكَ بيدِكَ] و (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) أَو رَدُّوا عليكَ كما ردَّ الشَّيطانُ (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
ففي نهايةِ المَطافِ سيكونُونَ هُم الذينَ يخافُونَ الله وأَنتَ الذي لا تَخاف الله!.
يصِفُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) حالهُ عندما يتَّخِذَ القرارَ (دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَه وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ولَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً!).
طبعاً لا يعني ذلكَ أَن تعطي للإِستشارةِ والمُستشارينَ الأُذُنُ الصمَّاءَ أَبداً وإِنَّما المقصُودُ:
أ/ الإِصغاءُ إِلى الإِستشاراتِ التي تفتَحُ لكَ آفاقاً واسعةً من التَّفكيرِ والتأَمُّلِ لتحسينِ خَياراتِكَ وعدمِ الإِصغاءِ إِلى المُرجفينَ والذينَ تكتشِفُ نواياهُم الخبيثةَ وغَير السَّليمةَ بسعيهِم لتحطيمِ معنويَّاتكَ وتدميرِ قراركَ من دونِ أَن يقترِحُوا عليكَ بديلاً معقُولاً! أَي أَنَّهم يهدمُونَ كُلَّ شيءٍ ولا يبنُونَ شيئاً.
ب/ الإِصغاءُ للإِستشاراتِ والنِّقاشِ والحوارِ وتبادلِ الأَفكارِ والآراءِ كُلُّها تكونُ قبلَ اتِّخاذِ القرارِ عن بصيرةٍ فإِذا اتَّخذتَ قراركَ فلا مَجالَ عندَها للنِّقاشِ والإِستشارةِ.
يقولُ تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ولقَد قالَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لِعَبْدِ اللَّه بْنِ الْعَبَّاسِ وقَدْ أَشَارَ إِلَيْه فِي شَيْءٍ لَمْ يُوَافِقْ رَأْيَهُ (لَكَ أَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ وأَرَى فَإِنْ عَصَيْتُكَ فَأَطِعْنِي).
هي [٣] مَراحِل؛ الإِستشارةُ واتِّخاذُ القَرارِ ثُمَّ التَّنفيذُ، وهي مراحِل مُنفصِلةً عن بعضِها وإِنَّ أَيَّ خلطٍ أَو تداخُلٍ سيُدمِّرُ قراركَ مهما كانَ نوعهُ.



اضف تعليق