الامام الحسين، عليه السلام، طاقة هائلة، ولكن غير مستثمرة – للأسف الشديد-، أما الشيعة، وهم اتباعه، عليه السلام، فانهم يتحركون ضمن حدودهم الخاصة، علماً أن هؤلاء وتعداد نفوسهم يربو على (500) مليون نسمة في العالم، يقومون بكل ما هو حسن، من إقامة العزاء والإطعام، الى جانب تشييد الحسينيات وغير ذلك، بيد أن هذا لا يستوعب كل مفاهيم ومبادئ النهضة الحسينية، فالأمام، عليه السلام، كان طاقة عالمية، لذا جاء في الدعاء: "لينقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة"، بمعنى أن القضية تتعلق بكل سكان العالم، وليس بمجتمع او شعب بعينه، وأن الامام الحسين، عليه السلام، يمثل خشبة إنقاذ وخلاص للعالم بأسره.

هذا ما جاء في إحدى الكلمات التي ألقاها سماحة الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- على عدد من الاخوة المؤمنين، حول النهضة الحسينية وما تحمله للعالم وللإنسانية والاجيال من اشعاعات حضارية.

وينقل سماحته من أحد علماء الدين، أن رجل دين مسيحي زاره ذات مرة، وقال له: "لو كان لدينا حسينكم، لجعلنا العالم كله مسيحياً، ولنصبنا راية سوداء في كل شبر من الارض..."!.

ويشير سماحته الى المفارقة المحزنة بأننا "مع الأسف لم نتمكن حتى الآن من إنقاذ أنفسنا وإنقاذ بلادنا وحتى إنقاذ المسلمين، رغم ما في الحسين، عليه السلام، من طاقة هائلة وعجيبة، ومن مصاديق هذه الطاقة أنها تجمع الناس حول ذكر الامام الحسين، عليه السلام"، ويخاطب الحاضرين عن السبب في وجودهم في هذا المجلس،بعد ان تركوا بلادهم وأهلهم...؟ "إنه الحسين الذي جعل المؤمنين يتخلون عن أعمالهم في كل مكان بالعالم ويتوجهون صوب الحسينيات لإحياء ذكرى الامام،عليه السلام، فيبكون ويلطمون ويضعون الطين على رؤوسهم، وهذه دلالة كبيرة على هذه الطاقة الكبيرة والعجيبة".

واضاف سماحته: "ان الاسلام محمدي الوجود، علوي الاستقامة، حسيني البقاء، وهذه الطاقة الكبيرة لا تظهر عندنا سوى في مظاهر العزاء، مثل البكاء واللطم على الصدور وغيرها، مع أن جميعها حسن وجيد، بيد أن الأهم هو استثمار هذه الطاقة بما يغير حالنا ويغير العالم بأسره".

الاستنتاج:

محدودية التفكير والابتعاد عن جوهر الطاقة، منذ انبلاج فجر الحركة الاسلامية (الشيعية) في العراق، أواخر عقد الخمسينات، ظهرت على الساحة الثقافية، مجموعة أفكار ونظريات لما يمكن أن يسمى بـ "العمل الاسلامي" لتحقيق الهدف الكبير،وهو تحكيم القيم والمبادئ والفضائل التي جاءت بها رسالات السماء، وتممتها الرسالة الخاتمة، على يد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وذلك من خلال إقامة الحكم الاسلامي.

وقدم المنظرون والمفكرون والعلماء في هذا الطريق، اطروحات عديدة للتغيير والبناء الجديد على الاصعدة كافة، وكان في طليعتهم الامام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي – قدس سره- الذي اعتمد – ومنذ الايام الاولى- النهضة الحسينية، لتكون إحدى ركائزه الفكرية لمشروعه النهضوي.

ومن أجل ذلك، نجد تأكيده على إقامة الشعائر الحسينية، وتوسيع نطاقها في المجتمع، ودعم القائمين والعاملين في هذا المجال، الكبار منهم والصغار والنساء، وجميع فئات المجتمع، بيد أن المشكلة في طريقة التفكير السائدة آنذاك في المجتمع الشيعي والحسيني، التي لم تتجاوز نطاق أجواء الحزن والرثاء على مصاب الامام الحسين، عليه السلام، وبقيت تحور حول المجالس الحسينية وتسيير المواكب وتوفير مستلزمات الطبخ والمبيت وسائر الخدمات للزائرين، وغيرها كثير من أشكال وأنواع الشعائر الحسينية، فتحولت هذه الشعائر من كونها وسيلة، الى هدف.

وتجلّت المشكلة أكثر عندما توقف الجهد الفكري فيما يتعلق بالنهضة الحسينية عند المظاهر والاشكال، وراح البعض يفكر بالتطوير تارةً، وبالتوسيع افقياً تارةً اخرى، دون التفكير بالدلالات والمصاديق التي يفترض ان تستقى من النهضة الحسينية لمعالجة عديد الازمات والمشاكل الاجتماعية منها والاقتصادية وايضاً السياسية، وتقديم إجابات توضيحية لقضايا انسانية، مثل الحرية والعدالة والمساواة والكرامة، وبدلاً من هذا التوثّب الحضاري من قاعدة عاشوراء الحسين، كادت مظاهر الحزن والعزاء على الامام، عليه السلام، أن تتحول في بعض المناطق الى هموم خاصة بأشخاص وفئات اجتماعية.

هذا اللون من الحراك الحسيني – إن جاز التعبير- تسبب في نوع من الابتعاد عن جوهر القضية الحسينية التي يتحدث عنها سماحة الامام الشيرازي بأنها "طاقة هائلة وعجيبة"، يفترض ان تخرج من بين "الحراكات الحسينية" في أي مكان يقام فيه ذكر للامام الحسين، عليه السلام، أو على الاقل، ليكون التفكير الجوهري في أصل القضية، جزءاً من التفكير العام بإحياء الشعائر الحسينية، بمعنى؛ أن تكون ثمة منطقة ذهنية تنشغل خاصة بالامور الداخلية والجزئية والتفصيلية في الشارع والموكب والحسينيات والمطابخ وغيرها، الى جانبها تكون ثمة منطقة ذهنية تختص بالامور الخارجية الاوسع نطاقاً في مجال الفكر والثقافة بما يهيئ الاجواء اللازمة لصياغة الثقافة وانتاج الوعي ومن ثم نشره في الآفاق.

وربما هذه الخطوة تكون كفيلة بتحقيق التغيير المنشود الذي طالما ضحى من أجله العلماء والخطباء والمثقفون، وحتى من عامة المؤمنين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لتجسيد قيم النهضة الحسينية في حياتهم، وتكون هذه النهضة المباركة مثل المادة السحرية أو "الأكسير" الذي يبعث الحياة والنجاة ليس للشيعة ولا للمسلمين، بل لجميع سكان العالم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0