إسلاميات - الإمام الشيرازي

مَنْ يزرع الشر يحصد التخلف

رؤى من أفكار الامام الشيرازي

الشر في المعنى المتعارف له، استخدام القوة الغاشمة، ووضعها تحت تصرف الظالم، لكي ينال من الناس الأبرياء او المعارضين له بحق وليس باطل، ولذلك التصق العنف بالانسان الذي يجعل الشر طريقا واسلوبا لتحقيق اهدافه، فالقوة اذا لم تكن منضبطة تتحول الى وحش هائج، يكون الجميع هدفا له بغض النضر عن الحق او الباطل، لذلك غالبا ما نلاحظ أن الشر يتحد مع العنف دائما.

ولكن هناك قاعدة تؤكد أن من يزرع الشر سوف يحصد التخلف، لذلك نلاحظ على وجه العموم أن الحاكم الطاغية، لا يعبأ بالتقدم ولا يهتم به ولا يسعى إليه، بسبب ميوله النفسية التي يتحكم بها الشر، والاخير لا يساعد على التطور، بل يصنع بيئة مناسبة جدا للتخلف، من هنا أينما يكون الشر يكون العنف والفوضى والفتن وما شابه.

ولكن هناك مؤشرات يعكسها الواقع والتجارب في هذا الشأن، فمن يزرع الشر بوسائل العنف، سوف يحصد التخلف، وهو بذلك يضر نفسه أولا ثم يلحق الضرر بالآخرين من دون استثناء، وهذا ما تدل عليه التجارب عبر التاريخ، فالشرير العنيف سيضر نفسه بالنتيجة.

يقول الامام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، في كتابه القيم، الموسوم بـ (فلسفة التأخر): (إن العنيف في قول أو كتابة أو فعل، إنما يضر نفسه قبل أن يضر غيره)، وهذا يعني أن الشر قد لا يكون فعلا ملموسا ماديا، فحتى الكلمة التي يكون مفعولها معنوي يمكن أن تكون نتائجها موازية للقوة المادية، ويمكن أن تصطف الى جانب الشر والعنف في وقت واحد.

علما أن النفس وما يتراكم فيها من امور تتعلق بالتربية والبناء النفسي، يكون لها الدور الحاسم في توجيه مسارات الشر والعنف لدى الانسان، وهذا يتعلق بالبيئة التي ينشأ فيها الانسان، لذلك يبقى الميل الى النزاعات وأشكال العنف كافة، حالة مرضية تشكل جانبا من رؤية الانسان وسلوكه، الامر الذي يسِم الشخصية بهذا الوسم المتمثل بطبيعة تعامله مع الآخرين.

من هنا يؤكد الامام الشيرازي قائلا حول هذا الجانب في كتابه المذكور نفسه: إن (الجنوح إلى النزاع والاختلاف نوع مرضي في النفس، وانحراف في الذات، فإذا قال الناس: الطريق إلى بلد كذا من الشرق. قال: لا بل من الغرب! ). والسبب هو الحاضنة التي ينشأ فيها الانسان، فقد تزرع الخير او الشر في نفسه وسلوكه، تبعا لطبيعة تلك البيئة وأساسها والقائمين عليها.

دور العوامل المضادة للشر

لا شك أن ثمة عوامل وأساليب قادرة على مواجهة الشر، والتخلص من عواقبه الوخيمة، وهي تتمثل بالبقاء في خانة التخلف، سواء تعلق الامر بالفرد او الجماعة، هذا يعني أن بذور الخلاف مزروعة في الذات، فهل يعني هذا عدم القدرة على التخلص من سطوتها؟ إن الميل للعنف يعد ملكة كما هو الحال مع الملكات الجيدة، وبهذا فإن التلقين والتعليم والنصح والتجربة قادرة على مساعدة الانسان كي يتجاوز هذه الملكة السيئة ويتخلص منها كليا، لهذا تعد هذه العوامل الاجرائية مساعدة للانسان في التخلص من الشر.

لاسيما أن بعض الناس قد يمثل الشر والعنف اسلوبا لحياتهم اليومية، العملية او الفكرية منها، فمثل هؤلاء يتحرك الشر في نفوسهم، ويسيطر على كل تحركاتهم واقوالهم، فالعنف كما يتضح للمتابع، هو وسيلة من وسائل التسلط بكل أنواعه ودرجاته، ولذلك فإنه يشكل الاسلوب الأوحد للطغاة من الحكام والمدراء والمسؤولين، وكل المتجبرين الذين يجدون ميلا للعنف في نفوسهم المريضة.

مثل هؤلاء هم بحاجة كبيرة وملحّة الى العوامل المساعدة لهم على تحييد الشر في نفوسهم، خاصة انهم مجبولون ومعتادون على العنف والشر في تحقيق مآربهم واهدافهم، بل وحتى في آرائهم وأفكارهم، لذلك عادةً ما يسهم هؤلاء في نشر الشر والتخلف في النسيج المجتمعي عموما.

كما نلاحظ ذلك في قول الامام الشيرازي بكتابه (فلسفة التأخر): إن (من فلسفة التأخر الجنوح إلى النزاع، فإن بعض الناس يميلون إلى المشاكل والاختلاف مع الآخرين في الصغائر والكبائر، وفي كل أبعاد الحياة). وهذا ما نلاحظه بالفعل في حياتنا اليومية، فهناك أناس لا طريق لديهم سوى الشر لمعالجة الامور والاختلافات التي قد تحصل مع الآخرين، وهي كثيرة حتما بسبب طبيعة حياة الانسان، وتضارب المصالح والإرادات والاهداف.

من علامات الشر الكِبَر

ان حالة التعالي على الآخرين، نابعة من نقص في التكوين النفسي للانسان، كما اثبتت التجارب واقوال علماء النفس، وهي في الغالب ترتبط بأواصر قوية مع الشر واستخدام القوة الغاشمة لتحقيق الاهداف المرسومة، لذلك يعد التكبر من العوامل التي تسند الشر وتديم العنف، وتؤدي بالنتيجة الى تعميق بيئة التخلف.

كما نلاحظ ذلك في قول الامام الشيرازي بكتابه نفسه: (يبقى العنف وكل العوامل المساندة له عاملا حاسما من عوامل فلسفة التأخر وثباته في الشعوب الأكثر تداولا للعنف، وطالما أننا ننتمي الى الاسلام الذي يحث على السلام ومناهضة العنف بكل أشكاله، فإننا الأولى بانتهاج التسامح والتعايش والتعاون لبناء الحياة المثلى التي تليق بكرامة الانسان وإنسانيته).

لذلك تسعى المجتمعات المتطورة الى بناء شخصية متوازنة، لا تشعر بالنقص، حتى لا تندفع نحو التعقيد والشعور بالتعالي على الآخرين، وغالبا ما تقدم لنا الحياة شواهد ماثلة لمثل الحالات، سواء على مستوى القادة أو الأفراد العاديين، من هنا على المعنيين ملاحظة مثل هذه الحالات والاسهام في مكافحتها بطرق علمية، للحد من الشر والعنف والتخلف في نفس الوقت.

ان هذا التداخل بين الشر، والكبر، والتخلف، يؤكد اهمية التصدي لمثل هذه الحالات، التي قد تكون فردية احيانا وجماعية ايضا، لذلك بمجرد أن نلاحظ حالة التكبر لدى الانسان، علينا أن نبادر للتدخل في التصحيح عبر منهج علمي صبور، حتى لو استدعى ذلك مزيدا من الوقت والتخطيط، لأننا هنا نقوم بمعالجة ومكافحة أسس الشر والعنف والتخلف معا.

يقول الامام الشيرازي في هذا المجال: (ومن فلسفة التأخر، الكبر، بأن يرى الإنسان نفسه كبيراً، ويترفّع على الآخرين). وهذه الظاهرة المرضية نجدها راسخة في بيئة التخلف، لهذا يستدعي الأمر معالجتها بصورة دائمة، كونها تقود الى نتائج تسهم في مضاعفة الشر والتخلف.

ولا يصح في جميع الاحوال أن تترك الامور على الغارب، لاسيما أن الظلم قد يضاعف من فوائد اصحابه المادية بصورة آنية، فيدفعهم ذلك نحو الغرور والاصرار على اساليب الشر والتجاوز على الآخرين.

كما يؤكد ذلك الامام الشيرازي في قوله : (إن ما ينعكس من أفعال العنف وظلم الآخرين من فوائد قد تصب في زيادة الغرور والتكبر والتعالي على الآخرين، ستقود الفرد العنيف الى نتائج ربما لم يحسب حسابها).

وفي الخلاصة، ليس امام المسلمين سوى اعادة النظر في حالات التآزر - التي تتضاعف في المجتمعات الاسلامية- بين التخلف والعنف والشر الذي هو اساس جميع الاعمال الخاطئة، فمن يزرع الشر يحصد التخلف، وهذه المعادلة لا تتسق مطلقا مع الفكر الاسلامي الذي زرع النور في ربوع العالم عندما كان يكتنفه الظلام.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1