يُعد الإرهاب المدني، جزءا لا يتجزّأ من معنى الإرهاب بشكل عام، وهو العنف والقسر والإجبار واستخدام القوة القهرية بعيدا عن القوانين والأعراف السارية، فكل عمل يلحق الأذى المادي والجسدي والنفسي بالآخرين، وكل فعل ينطوي عن عنف وقوة مفرطة غير خاضعة للقانون والأعراف والأحكام السارية، فإنه إرهاب يجب مكافحته بالسبل والوسائل المشروعة...

(وضع الإسلام عقابا أو إرشادا لكل جريمة من الجرائم وذلك لردعها)

الإمام الشيرازي

يُعد الإرهاب المدني، جزءا لا يتجزّأ من معنى الإرهاب بشكل عام، وهو العنف والقسر والإجبار واستخدام القوة القهرية بعيدا عن القوانين والأعراف السارية، فكل عمل يلحق الأذى المادي والجسدي والنفسي بالآخرين، وكل فعل ينطوي عن عنف وقوة مفرطة غير خاضعة للقانون والأعراف والأحكام السارية، فإنه إرهاب يجب مكافحته بالسبل والوسائل المشروعة.

والإرهاب المدني هو العنف الذي يتعرض له المدنيون، وهذا يشمل جميع الأفراد الذي ينتمون إلى جماعة معينة، أو مجتمع محدد، وطالما أن هناك مجتمعات إسلامية ودول إسلامية عديدة، فلابد أن يكون هذا النوع من الإرهاب موجودا في هذه المجتمعات، لذا قام الإسلام منذ ولادته، عبر نزول الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث والروايات الشريفة بمكافحة الإرهاب المدني، لكي لا يتعرض الأبرياء إلى أساليب القمع والعنف من أناس أو قوى خارجة على القانون والأحكام الإسلامية.

لذا يوصَف الإرهاب المدني بأنه كل جريمة أو فعل يهدد أمن الناس في مختلف نشاطاتهم المدنية، كالعمل والتجارة والحركة والنشاط اليومي العادي للناس، فأية حالة من الانتقام المنفلت، والظلم، والسرقة سواء للممتلكات الخاصة أو العامة مما يهدد أمن الناس والمجتمع، بما في ذلك حالات الفساد التي تهدد البنية الاجتماعية ومتانتها، وكذلك التخريب بكل أشكاله، هذه الأمور كلها تعد من أشكال الإرهاب المدني الذي رصدها الإسلام ووقف بالضد منها ووضع لها الأحكام التي تحد منها وتكافحها.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه الموسوم بـ (السلم والسلام الجزء الثالث) حول هذه القضية:

(الإرهاب المدني وهو الذي يهدد الناس في مختلف مجالات حياتهم المدنية، كالظلم والقتل والسرقة والانتقام والفساد والتخريب وغيرها من هذه الجرائم).

فقدان الشعور المنطقي والرؤية الواقعية

ومن سبل مكافحة الإرهاب المدني، هو محاصرة الأسباب التي تؤدي إلى هذا النوع من العنف، فهنالك دوافع معينة تساعد على نشر الإرهاب المدني بين الناس ومنها على سبيل المثال شرب الخمر، فالمعروف أن من يتناول الخمر سوف يؤدي به ذلك إلى فقدان الشعور المنطقي والرؤية السليمة للأمور والتصرفات، فيختل توازن الإنسان المخمور ويبدأ يتخيل صورا وأحداثا بعيدة عن المنطق والواقع.

وهذا ما يقود الإنسان المخمور إلى ارتكاب جرائم وأحداثا تعرض حياة الناس إلى تهديدات كبيرة، وقد يندفع المخمور للقيام بأعمال لا يمكن أن يقدم عليها لو أنه بكامل قوته العقلية الطبيعية، لذا حرم الإسلام الخمر، وكافح انتشارها، ومنعها والحد من وصولها للناس، حتى تبقى العقول سليمة، والرؤية واضحة ومنطقية لما يجري في الواقع فعلا وليس خيالا.

كذلك من القضايا التي تهدد الأمن المدني وسلامة المجتمع ظاهرة أو قضية الزنا، فهذا الفعل الفاحش يتم خارج إطار الأحكام والضوابط السليمة للبنية الاجتماعية، وهذه الظاهرة تزيد من حالات التفكك التي تهدّم البناء الاجتماعين لاسيما بالنسبة للأسرة التي يجب أن يتم حمايتها من هذا التهديد الخطير.

فإذا أردنا مجتمعا سليما علينا أن نحاصر الزنا مثلما حاصرنا تعاطي الخمر، وكذل محاصرة الربا.، فهذه التجاوزات والتهديدات تعد من أشكال الإرهاب المدني، لذا وجب القضاء عليها لأنها تؤدي إلى العنف ضد المجتمع.

يقول الإمام الشيرازي حول هذه القضية:

(من حكم الإسلام تشريعاته المختلفة وفق طبيعة الجريمة، فنراه حرم الأمور التي تؤدي إلى القيام بالأعمال الإرهابية ومنها على سبيل المثال شرب الخمر والزنا، قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): حرم الله الزنا لما فيه من الفساد من قتل النفس وذهاب الأنساب وترك التربية للأطفال وفساد المواريث وما أشبه ذلك من وجوه الفساد).

كذلك هنالك تشريعات وأحكام بالغة الوضوح في نصوصها، ويمكن لمن يقرأها ويحاول فهمها سوف يتحقق له ذلك بيسر وسهولة، لبساطة المعنى ووضوحه، فهذه التشريعات تحد من انتشار جريمة السرقة، وتمنع حالات الغصب في كل المجالات، ولا تسمح بتهديد الناس في ممتلكاتهم أو أجسادهم أو حتى معنوياتهم، من خلال ردع العنف اللفظي أو المادي.

مناهضة أعمال العنف شرعيا وأخلاقيا

وقد كافحت الأحكام الشرعية أعمال العنف كافة، وسعت إلى الحد من الإرهاب المدني من خلال ردع العصابات بأشكالها وأنواعها كافة، والسعي لتكبيل قادتها، وأفرادها، من خلال تطبيق مجموعة من التشريعات التي تمنع الانفلات والتعدّي على الناس من قبل هذه العصابات، وقد أدى ذلك إلى تقليص مساحة الجريمة لاسيما في الأماكن التي تتكاتف فيها جهود مكافحة العنف والإرهاب المدني من قبل الجهات المختصة.

الإمام الشيرازي يؤشر هذه الحالة ويقول عنها:

(من أحكامه أنه شرع الوعيد لمن يسرق، وأقل منه لمن يغصب، لأن السارق يهدد أمن الناس وحياتهم. وكذلك موقفه من العصابات الإجرامية الذين صورتهم الآية الكريمة: (إِنّمَا جَزَآءُ الّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادا). فجاء لهم الإسلام بأشد العقوبات لأنه حرص على الأمن والسلام المدني والاجتماعي).

ولم يكتف الإسلام بوضع العقوبات المناسبة لمعالجة الإرهاب المدني والحد من الجرائم، وإنما في موازاة ذلك قامت عمليات إرشادية متواصلة سعت إلى تنوير العقول والقلوب وتنظيف النفوس من المآرب الشيطانية، للحد من الجرائم ومن ضعف الناس تجاه الملذات والرغبات والماديات، حيث تنتشر النزعة المادية بسرعة هائلة بين الناس وخصوصا الشباب.

لذا فإن الإرشاد كان ولا يزال وسيبقى طريقة مهمة في تنوير وإقناع وصيانة عقول الشباب وغيرهم، للحد من الجرائم بمختلف أنواعها، حتى جريمة الخطف حاربتها الأحكام، والتشريعات وأسهمت إلى حد كبير في تقليل هذا النوع من مظاهر الإرهاب المدني.

ولهذا يقول الإمام الشيرازي: لقد (وضع الإسلام عقابا أو إرشادا لكل جريمة من الجرائم وذلك لردعها، كإدانته لجريمة الخطف)

هناك عوامل وأمور تساعد على زيادة مكافحة العنف والإرهاب المدني، وقد أو ضها الإمام الشيرازي، وحث على الالتزام بها، وتطبيقها ومن أهمها التحصين الذاتي للإنسان، بمعنى على الإنسان أن يمنع نفسه عن القيام بمثل هذه الجرائم أيا كانت الدوافع أو الأسباب أو حجم المغريات، لأن إلحاق الأذى المادي والمعنوي بالآخرين غير مبرّر وغير مسموح به شرعيا ولا دينيا ولا أخلاقيا ولا حتى عرفيا أو اجتماعيا.

لذا على كل فرد حتى يكون منتميا إلى مكافحة الإرهاب والعنف، أن يتحلى بالتقوى والورع والمخافة من يوم الحساب، فهذه عوامل مساعدة للإنسان لكي يؤمن بمكافحة العنف، وتجعله غير مستعد للانخراط في الجريمة مهما كان ثمنها مربحا أو مغريا، لذا يجب التحلي بالتقوى والورع وتطهير القلوب وتنظيف النفوس وإصلاحها على الدوام.

(هناك جملة من الأمور يجب الالتزام بها لمكافحة وإزالة الإرهاب المدني المتمثل في الظلم والقتل والسرقة وما أشبه من سائر مصاديق العنف، ومنها تقوية الورع والتقوى والخير والفضيلة والواقعية وأمثال هذه المفاهيم. وتطهير النفوس والقلوب وإصلاحها وترقّيها وتقويمها).

وأخيرا فإن كل المجتمعات اليوم تحتاج إلى الحماية من العنف، لاسيما الإرهاب المدني الذي يهدد حياة الناس بصورة مباشرة من خلال نشر الجريمة بشكل واسع، لذا لابد أن تنمو وتكبر حركة مستمرة ودائمة لتوعية الناس في مكافحة العنف والإرهاب، ومحاصرة دوافعه وأسبابه، حتى تبقى البنية الاجتماعية رصينة وسليمة وبعيدة عن الاختلال والضعف.

اضف تعليق