يعرف السيد محمد الحسيني الشيرازي الاجتماع بأنه "عبارة عن حياة أفراد كثيرين في محل واحد.. مثل اجتماع القرية، اجتماع المدينة، واجتماع الدولة"(1) وكل اجتماع بشري" يشتمل على الاخلاق الاجتماعية، والآداب الاجتماعية، والمواثيق الاجتماعية، والقوانين الاجتماعية، والمواريث الاجتماعية، والشعائر الاجتماعية، والمقررات الاجتماعية"(2).

والاجتماع كما لاحظ العلماء المتقدمون والمتأخرون ليس حالة طارئة في حياة الانسان، فالإنسان "خلق اجتماعيا بالطبع لا لحاجته الجسدية فقط، بل لحاجته النفسية، اذ أن الانسان يستأنس بالإنسان ويستوحش لفقده" (3)، وكلما قوى الاجتماع ازداد نفع الانسان وسعادته بحسب السيد الشيرازي، "فالإنسان في ظل الحضارة الاجتماعية أكثر عمرا وأصح جسدا، وأكثر أولادا، بل وأجمل جسما وأهنأ نفسا، وأبعد عن المنازعات والمقاتلات والفوضى والاضطراب والعكس بالعكس"(4)، ويترك الاجتماع الإنساني أثارا مهمة على الانسان من خلال ما يولده من شعور بالمشاركة الوجدانية التي تجعل كل انسان يشعر بالمجتمع كله في داخله، مما يجعل الانسان والمجتمع وحدة واحدة من احياها احيا الجميع، ومن قتلها قتل الجميع، كذلك الاجتماع يزيد من قوة الانسان بجعله اكثر تواضعا وتنظيما وحبا للأخرين واحتراما للتنوع والتعايش في داخله بعكس العزلة التي تخلق انسانا انانيا مدمرا لنفسه ولغيره (5).

وقوة أي اجتماع انما تنجم من حالة الرضا التي تشعر جميع افراده بالسلام الداخلي والحرية المحترمة، لذا ينتقد السيد الشيرازي الأنظمة التي تفرض السلام بالقوة بالقول: "اذا لم تنجح في خلق حالة الرضا الاجتماعي فأنها لن تستمر طويلا، ولكي يتوفر الرضا الاجتماعي لا بد أن يكون الاطار القانوني المطبق مقبولا من الأفراد، وكل اطار يفقد هذا القبول سوف يواجه النفور، فالرفض، وربما الثورة والتمرد عليه" (6)؛ لأن المجتمع في هذه الحالة سيقوم على التدابر وليس على الترابط الاجتماعي، والانسان عند الشيرازي "اذا لم يصرف فطرته الخلاقة في البناء، لا بد وأن يصرفها في الهدم، سواء في هدم نفسه، أو هدم مجتمعه، ولأن فطرة الانسان خلاقة، فإنها أما أن تخلق الحياة، وأما أن تخلق الدمار" (7)، ولتكون فطرة الانسان خلاقة للبناء لا للهدم ويشعر افراده بالرضا فلا بد من وجود القانون الصالح الذي يحكمه، ومثل هذا القانون في رأي السيد الشيرازي لا تنتجه العقول البشرية، وانما هو قانون مرتبط بالسماء، فالبشر" حيث خرج من مظلة الأنبياء وقع في التخاصم والتشاجر، فان قطعهم جذورهم السماوية سبب أن يكون بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة" (8).

واقع المجتمع العراقي في الوقت الحاضر

عند تحليل المجتمع العراقي في ضوء ما تقدم من أفكار للسيد الشيرازي نجده مجتمعا بعيدا كل البعد عن الحضارة الاجتماعية المتقدمة؛ لكونه يمر في الوقت الحاضر بمخاض عسير يفرض عليه هشاشة واضحة في بنيته المعرفية والثقافية وتماسكه الاجتماعي، فضلا على ضعف جلي في بنيته المؤسساتية، وهذا الواقع دفع بعض المراقبين والمحللين(9) الى اطلاق تسميات مختلفة للمرحلة التي يعيشها هذا المجتمع كمرحلةـ: التراجع الحضاري أو التقهقر الحضاري أو المأزق الحضاري وما شابه، وتشخص مظاهر هذا الخلل الخطير في البنية الاجتماعية للعراقيين من خلال مظاهر متعددة كالتفكك الاسري، وشيوع الجريمة، والتطرف والعنف (الفردي والجماعي، الفكري والسلوكي)، واستشراء مظاهر الفساد المالي والإداري، وغلبة المجتمع التقليدي بقيمه وعاداته على علاتها على المجتمع المدني، وانعزال الأخير وعجزه عن وقف التراجع أو التحول الى تيار أو موجة مؤثرة تحقق الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، وغياب الاستقرار بكافة اشكاله في الشطر الأعظم من تاريخ الدولة العراقية الحديثة، وتنامي الصراع وخلق الأزمات على مستوى الطوائف والفئات وداخل كل طائفة وفئة، وغياب الثقة بين الحاكم والمحكوم وكذلك بين الفرقاء على اختلاف مسمياتهم، والوقوع المستمر في شرك تكرار الأخطاء السابقة ولكن بمسميات وظروف جديدة، وانتشار الفقر، وشيوع البطالة، وتنامي مظاهر الانحراف..

هذه الامراض الاجتماعية وغيرها سمحت بالقول إن مجتمعنا أصبح في كثير من جوانب فكره وسلوكه مجتمعا عاجزا عن الإنتاج الحضاري، تسوده ثقافة التباغض والتناحر وتنحسر منه تدريجيا ثقافة التكافل والتعاون والتراحم التي تخلق الانسجام الثقافي والحضاري وتسمح بإطلاق طاقة الابداع والقدرة على الابتكار والمبادرة، على الرغم من وجود مؤشرات وطاقات كامنة يمكن استثمارها بفاعلية وعزم وثبات ورؤية ثاقبة لإعادة المجتمع الى مسيره الصحيح في التأثير والبناء الحضاري الإنساني المعاصر.

ان تشخيص مظاهر الخلل في بنية المجتمع العراقي يستلزم تحديد الأسباب التي أوجدتها وساهمت في استمرارها، وبصراحة هذا المسعى يجابه صعوبات كثيرة تستلزم بذل جهود مشتركة لمختصين وخبراء من مختلف العلوم، لاسيما علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد والطب النفسي والتاريخ والفقه وعلوم القرآن والقانون ؛ لأن ما يتعرض له هذا المجتمع ناجم عن الصدمات الاجتماعية والنفسية التي سببها الإرهاب بأشكاله المختلفة (إرهاب الدولة والجماعات المسلحة، وإرهاب العادات والتقاليد والمؤسسات الاجتماعية الجامدة، وإرهاب الفكر والاحكام المسبقة..)، والفشل الإداري والاقتصادي، والغياب الواضح لمنظومة العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة والنفوذ والفرص بين الناس، والحروب والصراعات المستمرة منذ تأسيس الدولة الحديثة في العراق الى الوقت الحاضر، وامساك غير المؤهلين بزمام إدارة أمور البلاد في كثير من الأحيان، فضلا على التدخل السلبي لقوى النفوذ الإقليمي والدولي في الشأن العراقي.

القانون الصالح والقيادة الصالحة

ولكن طالما يتم تحليل واقع المجتمع العراقي في ضوء فكر السيد الشيرازي الذي بين آنفا ان اصلاح أي مجتمع أنما يكون من خلال وجود القانون الصالح المرتبط بالسماء والذي يمكن من خلاله خلق الرضا الاجتماعي الممهد لجعل المجتمع صانعا للحياة بدلا من الدمار والهدم، فالتساؤل هنا، هل مشكلة اصلاح المجتمع العراقي تكمن في غياب القانون الصالح أم في غياب القيادة الصالحة؟

من الواضح أن هناك ترابطا بين وجود القانون الصالح والقيادة الصالحة، اذ لا يمكن وجود أحدهما بدون وجود الآخر، فوجود القانون الصالح بلا قيادة صالحة سيجعله مجرد نصوص نخبوية غير مفهومة لا تجد طريقها الى التنفيذ، ووجود قيادة صالحة بدون وجود القانون الصالح سيجعلها قيادة متقلبة لا تعرف طريقها وسرعان ما تنحرف عن الهدف الذي من اجله تقود المجتمع، بل وتقع في فخ تكرار تجارب سلطوية فاشلة، اما مع وجود قيادة منحرفة وقانون صالح، فان القانون سوف يتم تشويهه وطمس معالمه بشكل مقصود لمصلحة القيادة على حساب مصلحة الأمة والشعب، وخير دليل على ذلك هو الانحراف الذي مورس بحق نصوص القرآن وثوابت السنة المطهرة من قبل قيادات فاشلة امسكت زمام الأمور في التجربة التاريخية للحكم في بلاد المسلمين، كذلك نجد مصاديق كثيرة لهذا الحال في تجربة الحكم في العراق منذ تاريخ 9/4/2003 الى الوقت الحاضر، فعلى الرغم من أن أكثر القوى السياسية التي تسيدت مسرح الاحداث في البلد كانت إسلامية المنطلق، بمعنى انها تحاول الحكم استنادا الى احكام وقواعد واخلاقيات الإسلام (قانون صالح)، فان فشل كثير من هذه القيادات وانحرافها الحق اضرارا بأيدولوجيتها الإسلامية في الحكم، وبالتتابع الحق ضررا بالغا في نظرة العراقيين والعالم الى منطلق بناء الدولة في ضوء احكام الإسلام.

ومن خلال ما سقناه سابقا من أمراض اجتماعية استفحلت في الواقع العراقي، وتجربة في الحكم لا زالت بعيدة جدا عن مقومات النجاح، وغير قادرة على منح الامل بالمستقبل الأفضل، والهوية الواحدة الجامعة للناس، إذا فالحالة المطلوبة لعلاج معظم المشاكل الاجتماعية في العراق تستدعي وجود قانون صالح يحسن التوفيق بين احكام السماء وخبرة الانسان ونتاجات العقول المبدعة الصانعة للحياة من جهة، ومن جهة أخرى وجود قيادة صالحة (حكيمة، قوية، نزيهة، وعادلة) تسهر على تنفيذ هذا القانون لينتج من هذا التزاوج بناء نظام سياسي جيد يحمي الحقوق والحريات للناس، ويحفز مكنونات فطرتهم الخلاقة للبناء.

لكن وجود القانون الصالح والقيادة الصالحة ليست هبة من السماء وانما يجب أن تكون مطلبا مجتمعيا، فجزء من مشاكل الواقع المجتمعي للعراقيين سببه المجتمع نفسه، فالمجتمع العراقي لديه خلل ثقافي ومعرفي خطير مسكون به العقل الجمعي للناس، لربما بسبب طول عهود الجور والاذلال، وكثرة التجارب الفاشلة والإحباط من قدرة التجارب الجديدة على النجاح، فتلاحظ هناك قبول ما للواقع الفاشل، ونظام الحكم الفاشل، والمسؤول الفاشل، والعادات والتقاليد الفاشلة، واستعداد مذهل للتعايش مع ذلك، فتجد ان العراقيين يخسرون بحورا من دمائهم ومعظم أموالهم بسبب حماقات يرتكبها الطغاة والفاشلون، لكنهم لا يخسرون الا القليل من ذلك في المطالبة بحقوقهم والدفاع عن حرياتهم وتغيير الحكومات والحكام المتسببين بتعاستهم.

ان اصلاح حال المجتمع العراقي يتطلب أن تتحول المطالبة بالقانون الصالح الى أساس أي تحرك اجتماعي يكتسب التأييد والزخم والاستمرارية، والحرص على إيجاد القيادة الصالحة أشد من الحرص على اختيار شريك الحياة أو المال أو السفر أو الصديق مع الاستعداد الكامل الى الالتفاف حول هذه القيادة وتحمل كافة التحديات التي تواجهها وصولا الى تحقيق نظام حكم مستقر يكفل حقوق وحريات الجميع، أي بمعنى على المجتمع العراقي أن يمسك زمام المبادرة لإنتاج قانونه وقيادته الصالحة وحمايتهما عند الضرورة.

منطلقات قيام المجتمع العراقي بدوره الإصلاحي

يتطلب تفعيل دور المجتمع في عملية الإصلاح الاجتماعي الأخذ بما يلي:

- ابتعاده عن الشعارات الجوفاء الرنانة تحت أي تسمية، والتعامل بواقعية من أجل تحقيق مصالحة اجتماعية شاملة تحقق الفهم الديني والحضاري الإنساني لمبدأ التعايش، ذلك المبدأ الذي يحقق الرضا للجميع، بشكل يجعلهم رابحين كلهم، وبدون أن يضطر أحدهم الى الخسارة لمصلحة الغير.

- ان الاصلاح فلسفة شاملة تبدأ من الفرد وتمر بالأسرة لتصل الى نظام الحكم، وعلى الجميع امتلاك هذه الفلسفة وإدراك ضرورتها لأنها طوق نجاة الجميع، ومن مظاهر شيوع هذه الفلسفة هو امتلاك القوى والفعاليات الاجتماعية للجرأة اللازمة لمحاسبة ومراقبة وبناء نظام الحكم الرشيد.

- الإصلاح لا يتم دفعة واحدة، ولا يأتي بلا مقدمات، وانما يتم بشكل تدريجي وبوضع خطط مناسبة تحترم توقيتاتها الزمنية ومتطلباتها المرحلية.

- الإصلاح الاقتصادي مقوم مهم من مقومات الإصلاح الاجتماعي، ومن الضروري التركيز عليه؛ لأن التخلف والتراجع الاجتماعي دائما ما يقترن بوجود بناء اقتصادي متهالك ينمي الفوارق بين الناس، وينتج الصراع الطبقي، والتنافر المجتمعي، أما التقدم الاجتماعي فيقترن بوجود خطة شاملة للإصلاح الاقتصادي تجسر العلاقة بين الناس والمؤسسات وتخلق روح المبادرة والنشاط والحيوية في العطاء.

- اصلاح المنظومة القانونية من الأمور الأساسية في الإصلاح الاجتماعي، ويتطلب اصلاح هذه المنظومة اجراء مراجعة شاملة لكل النصوص القانونية النافذة لمعرفة ما إذا كانت فلسفة تشريعها قائمة على تحقيق مصالح الناس أم مصالح واضعيها، وبيان مقدار تناسبها مع متغيرات الزمان والمكان، وغير ذلك.

- اصلاح البنية المعرفية للمجتمع يتطلب اعتماد ثقافة عامة تحترم التنوع، وتساعد على الاندماج المجتمعي بينيا وعموديا، فالنتاجات الفوقية الخاطئة (لدى النخبة) غالبا ما تكون بذورها تحتية تترسب في قاع المجتمع.

- وجود نخبة سياسية غير انانية وغير فاسدة، وقيادات اجتماعية لا تمارس الارتزاق في حضرة الحاكم والسياسي، مطلب مهم من مطالب الإصلاح الاجتماعي الشامل في العراق.

- تفعيل دور القوة الناعمة كالتعليم والفن والاعلام ووسائل الاتصال الحديثة وما شابه لتطوير الثقافة العامة للمجتمع، فالحاجة الى هذه القوة أكثر من الحاجة الى الدبابة والمدفع وغيرها؛ لأن نتائجها تتسم بالديمومة والاستمرار والعمق في الوجدان والضمير الإنساني.

- مستقبل العراق مرهون بمستقبل الأجيال القادمة، فعلى الجميع التركيز على تجاوز سلبيات الماضي والحاضر العراقي، والاهتمام ببناء مستقبل عراقي أفضل يستند الى وجود أجيال قادمة أكثر إدراكا لحاجاتها ومتطلبات اصلاح مجتمعها من الأجيال الحالية، وأكثر قوة في المطالبة والدفاع عن حقوقها وحرياتها.

* مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
www.fcdrs.com

.......................................
1- محمد الحسيني الشيرازي، فقه الاجتماع، ج 1، ص264.
2- المصدر السابق، ص47.
3- المصدر السابق، ص38-39.
4- المصدر السابق، ص93.
5- انظر خالد عليوي العرداوي، الفكر السياسي عند السيد محمد الحسيني الشيرازي، ص 82-84.
6- المصدر السابق، ص 86.
7- المصدر السابق، ص 87.
8- المصدر السابق، ص88.
9- تم الاستعانة في اعداد هذا المقال ببعض من الآراء القيمة لعدد من الباحثين والمهتمين الذين شاركوا في آرائهم حول اصلاح المجتمع العراقي في الملتقى الشهري الذي أقامه مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية الذي عقد في مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام حول ذات الموضوع بتاريخ 25/7/2015

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1