في مكتبةٍ يضيقُ بها المكان وتتسعُ بها رؤى المعرفة، والمجاورة لمرقد العلامة أحمد بن فهد الحلّي (قدس الله سره الشريف) بمدينة كربلاء المقدسة، كانت لي زيارة سريعة لها قبل سنوات، بعد التشرّف بزيارة مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام)، وأوّل ما وقع عليه نظري كتاب حملَ عنواناً عظيماً شدّني إليه بقوّة وهو (اللاعنف في الإسلام) للإمام المجدّد السيد محمد مهدي الشيرازي (أعلى الله مقامه) فحفّزني جداً على اقتنائِهِ وضمّه لمكتبتي الشخصية، فقد قلت في قرارة نفسي أنّ عليّ تصفّحه جيداً وقراءة ما كتبهُ سلطان المؤلفين الإمام الشيرازي.

وقبل الوقوف على هذا الكتاب، فإنّ علاقتي كقارئ بالإمام الشيرازي (قدس سره) علاقة أصفها بالمتينة، فأنا معجب جداً بكتاباته ومؤلفاته القيّمة، خصوصاً وأن الرجل لم يدع مجالاً معرفياً إلا وكتب فيه ووضع نظرياته وأطروحاته وباسلوب سلس وواضح ويلبي فضول القرّاء للمعرفة، ثمّ أنّ ما تختزنه الذاكرة الشيعية عن حياة هذا الرجل وسيرته وهي ذاتها التي يتصف بها السادة الأجلاء من آل الشيرازي ورجال الدين العظماء، تدفعني دائماً للوقوف على آثارهم وتراثهم المعرفي، ولذا أقول مرة ثانية قرأت للإمام الشيرازي بوصفي قارئاً ذوّاقاً ومحبّاً لهذا الرجل الألمعي.

أما عن (اللاعنف في الإسلام).. فهذا العنوان بحدّ ذاته أطروحة إسلامية عالية القيمة تصدّرت هذا الكتاب وكانت عتبته الأولى أمام القارئ للغوصِ في بحر الإمام الشيرازي والتقاط جواهره الثمينة.. بل هي ثقافة أصيلة وراسخة عمل عليها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومن بعده أئمتنا المعصومون (عليهم السلام)، وضرورة حياتية لنا جميعاً، خصوصاً وإننا كعراقيين ومسلمين تعبنا كثيراً من الحروب التي أنهكت جسد أمّتنا وشتتنا، فيأتي كتاب الإمام الشيرازي ويقول بصريح العبارة لنا ولأعداء الإسلام أيضاً.. أن الثقافة الإسلامية المحمّدية الأصيلة هي ثقافة تدعو للسلم وترفض الحرب مهما كانت مسمّياتها.. وبأنّ العنفَ لا يولّد إلا العنف..

ولذا ولكي يختصر الإمام الشيرازي الطريق وضع عنوانه لكتابه وهو كما قلت نظريته وأطروحته المُثلى (اللاعنف) ليسدّ الطريق أمام المتصيدين بالماء العكر.. وليضعنا أمام حقيقتنا وتراث ديننا الذي لم يكن يوماً إلا ديناً للمحبّة والتسامح والألفة بين جميع بني البشر، على الرغم مما حاول أعداء الإسلام من صناعة جماعات متطرّفة تدّعي الإسلام إلا أنّها تسيء له ما أوتيت من قوّة ومال حرام.. كأمثال تنظيم القاعدة وأخواتها من داعش والنصرة وغيرها ذات الإرث الأموي المحمّل بالضغينة والحقد للعترة النبوية الطاهرة ولأتباعهم الذينَ عاشوا أبشع الظلامات ولكنهم صبروا واحتسبوا وكان هدفهم دائماً هو التعريف بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) القائم على السلام والتسامح وليس العنف والدمار والقتل والتنكيل.

فنقرأ في مقدّمة كتاب الإمام الشيرازي: " في التاريخ: إنّ من أبرز صفات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) انّه كان لا عنفاً إلى أبعد حدّ، وقد دعا القرآن الكريم المسلمين قاطبة أن يدخلوا تحت ظلّ هذا القانون، فقال عزّ من قائل: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، ولا يخفى أنّ السلم أقوى وأكثر دلالة من اللاعنف"، فنجد هنا أنّ الإمام الشيرازي يؤكّد بأن (اللاعنف) هو قانون عام للمسلمين يدعوهم دائماً إلى ترسيخ هذه الثقافة قبالة الحركات الدموية التي صنعها الاستعمار ورحّبت بها العقول الضعيفة.

وبعدَ استغراق معرفي جميل في الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تؤكد على مبدأ وقانون اللاعنف.. يضعنا الإمام الشيرازي على معالم لثقافة (اللاعنف)، وليعلّمنا هذا الرجل أن اللاعنف يشمل القول والبيئة والسياسة والمرأة وحتى في التعامل مع الحيوانات (أجلّكم الله).. بمعنى أنه شامل لكل مفاصل حياتنا وتعاملاتنا وأقوالنا وحركاتنا.. بل وحتّى في سكوننا!، ثم يبين (رضوان الله تعالى عليه): أنه "عندما يتأمّل الإنسان في تاريخ الإسلام العزيز يجد أنّ معظم المصائب والرزايا التي عانى منها المسلمون على امتداد التاريخ هي ناجمة عن سياسة العنف التي كان يستخدمها الحكام خلافاً لسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإمام أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، وعلى عكس ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة"، موضحاً أن "الحكام المستبدين الذين استولوا على المسلمين من دون شرعية لم يلتزموا بتعاليم الإسلام الداعية إلى اللين واللاعنف وكانوا من وراء ضعف المسلمين".

وهنا يظهر جليّاً كيف يشخّص الإمام الشيرازي المصلحة السياسية والاجتماعية للمجتمعات الإسلامية، مذكّراً إيانا بما حمله التاريخ الإسلامي من مآسٍ وويلات وظلامات بسبب سياسة العنف المقيتة التي اتخذها الحكامُ الظلمة، وهي لعمري سياسة معاوية اللعين التي لا تزال سارية المفعول في النفوس الضعيفة والمتناسلة في القلوب الحاقدة حتّى وقتنا الحاضر.

ويجب علينا كمحبين وأتباعٍ لأهل البيت (عليهم السلام) رفض هذه الثقافة والعمل على تأصيل وترسيخ الثقافة الصحيحة (اللاعنف) لتكون منهجاً حياتياً متبعاً.. من أجل أنْ.. ننهض بأمتنا الإسلامية ومجتمعنا..

ثم يختتم الإمام الشيرازي كتابه بالقول: "نؤكد على ضرورة اتخاذ سياسة السلم واللاعنف في جميع مجالات الحياة كما أمر الله (عزّ وجل) ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) بذلك، وكما هو واضح في سيرتهم العطرة"..

فهل سنسمع ونعي فلسفة وأطروحات هذا الرجل؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2