ما هي حصّة الطفل من العلم؟

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الإمام السيد محمد الشيرازي – طاب ثراه-

مقدمة

فيما مضى من الزمن كانت ثمة مقاييس خاصة تحدد المستوى الذهني للطفل ينتقل من خلالها من مرحلة عمرية الى أخرى، فالمعروف عالمياً أن السن المقبول لدخول الطفل الى المدرسة هو السادسة من العمر، أما سنّ الرشد فقد اختلفت عليه بلدان في العالم؛ بين السادسة عشر والسابعة عشر والثامنة عشر، وما دون ذلك يعد قاصراً؛ سواءً الذكر أو الانثى، ولكن؛ بمرور الزمن وحصول تطورات نوعية على الصعيد الثقافي و الانساني، اتضح عدم دقة هذه المقاييس، وأن الخبراء والمعنيين لم ينصفوا الطفل، لاسيما فيما يتعلق بالمتسوى الذهني، وأنه قادر على التعلّم والتلقّي والحفظ قبل سن السادسة بكثير، ربما يعود حتى الى الأيام التي يقضيها في بطن أمه.

وقبل هذا كله، كان الاسلام قد بين هذه الحقيقة التي يتحدث عنها سماحة الامام الشيرازي في هذا المقطع الصوتي وهو يؤكد أن الطفل ليس كما يتصوره البعض "لا يفهم" وهو في ايامه الاولى، او أشهره الاولى، او بعد ذلك، إنما يمتلك قدرة استيعابية لا يشعر بها الكبار، وهذا الاستيعاب ربما تكون له آثار على المسيرة التربوية للطفل، وعلى مراحل نموه العقلي.

لنقرأ ونستمع ما جاء في هذا المقطع الصوتي:

الطفل وتلوّن الدماغ

"أثبت العلماء أن التعلّم يبدأ في الطفل وهو في بطن أمه، فقد اكتشفوا أن الطفل وهو في بطن أمه يرى المنام، وذلك من خلال جهاز استشعار للجهاز العصبي للدماغ عند الانسان البالغ، فوجدوا نفس النشاط العصبي موجود في الطفل وهو في بطن أمه.

وثمة اعتقاد بأن الطفل الصغير الذي يحبو على الأرض لا يفهم شيئاً، وهو اعتقاد خاطئ، فالطفل الصغير يفهم كل شيء، إنما لا يتمكن من التعبير عما يعلم. وهذا ما ثبت علمياً ايضاً، بأن للطفل القابلية على استيعاب المعلومات من حوله.

صحيح إن الطفل ذو الاسبوع الواحد، أو الشهر الواحد لا يميز بين المعلومات او الاشياء التي يلمسها او يسمعها او يراها، ولكن؛ تلقائياً يتلون دماغه بتلك المعلومات التي تصادفه، ودون ارادة منه. ولذا في الاحكام الاسلامية لدينا استحباب تلاوة الأذان في أذن الطفل الوليد حديثاً، وان يكون الاذان في أذنه اليمنى والإقامة في أذنه اليسرى".

حجم صغير وحفظ واسع

يمكن اعتبار بداية إدراك الطفل وفهمه لما يدور حوله، من أبرز الامور المختلف عليها في الانظمة التربوية في العالم، ولاسيما في مجتمعاتنا الاسلامية، فالكثير من العوائل لا يبذلون جهداً في اتخاذ اجراءات خاصة لابنائهم الصغار داخل البيت، ويعدون الطفل الصغير الذي لا يتكلم ولا يمشي، خارج عن حدود الاستيعاب والفهم، فلا حرج من أن يسمع أي شيء، او يرى أي شيء داخل البيت وفي خارجه ايضاً.

وبالرغم من المحاذير التي اطلقتها الاحكام الاسلامية منذ أمد بعيد فيما يتعلق بالنظر بالنسبة للطفل، فان الملاحظ في عديد العوائل نوعاً من التسيّب في هذا المجال، لاسيما فيما يتعلق بما يفعله الزوج و زوجته، ثم اقتحام وسائل الاعلام للبيوت، وعندما دغدغت الانترنت مشاعر الطفل بالألعاب الالكترونية التي انتشرت فيما بعد عبر أجهزة الهاتف النقال والاجهزة اللوحية، تبين فداحة الخطأ الذي ارتكبه الكثير، فاليوم نشهد كيف أن الطفل الصغير ذو الاعوام الاولى يلتصق بالشاشة الصغيرة وهو فراشه ولساعات طوال يقلّب الالعاب ويختار منها حسب رغبته ومزاجه، ثم نلاحظ ما ينعكس من هذه الالعاب على سلوك الطفل.

إن تلوّن ذهنية الطفل بما يسمعه ويراه، كما يشير الى ذلك سماحة الامام الشيرازي، لم يأت من فراغ، فقد أكد العلماء أن نفسية الطفل الصغير سريعة التأثر والانفعال بما يراه، وتحديداً داخل البيت، فالطفل الذي ينمو في بيئة يغلب عليها الانفعال والتوتر والكلام بصوت عالٍ، والتعامل غير الودّي بين افراد العائلة، لن يكون مثل نظيره الطفل الذي ينمو في بيئة ملؤها الودّ والحب، و ترتسم على وجوده افرادها الابتسامة.

وفي الشأن التربوي يوصي العلماء بأن يكون في مسامع الطفل الصغير تلاوة القرآن الكريم، والأدعية، وأن يكون في أجواء الصلاة والعبادة، وفي الوقت نفسه إبعاده عن أصوات الغناء والطرب، وما يثير الاعصاب والتوتر التي نلاحظها في وسائل الاعلام.

وعندما يشير سماحة الامام الشيرازي الى كشف علمي يعود بالحقيقة الى سبعينات القرن الماضي، بان الطفل يرى المنام وهو في بطن أمه، في سياق حديثه عن قدرة الطفل على التعلّم، فان هذه الحقيقة كانت واضحة لدينا منذ أمد بعيد يصل الى عصر الشيخ الانصاري، الذي تعتمد الحوزات العلمية على كتبه كمناهج دراسية. فينقل أن نسوة جاءت الى والدته يهنئنها على بلوغ ابنها الشيخ مقام المرجعية العليا، فأجابتهم؛ بأن لا غرابة في الموضوع، لأني لم أكن أرضعه يوماً إلا وأنا على وضوء.

طلب العلم من المهد

الحديث المتواتر والشهير للنبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، اذا قارناه بواقعنا نرى حجم الابتعاد عن القواعد والمعايير الصحيحة التي رسمها لنا النبي منذ اربعة عشر قرناً، بل ويكشف عن أحد الاسباب الحقيقية وراء تخلفنا وازماتنا المتداخلة والمعقدة.

ندفع بالطفل الى المدرسة بقرار حكومي وفق ضابطة خاصة متفق عليها من قبل منظمة اليونسكو، بيد ان الابحاث والدراسات الحديثة كشفت عن عدم صحة ذلك، وأن الطفل لديه قدرات كبيرة للتعلم والحفظ والاستيعاب، ولكن مشكلة الكبار أنهم لا يشعرون بذلك، كما أشار سماحة الامام الشيرازي.

ففي دراسة نشرتها مؤخراً دورية متخصصة في الولايات المتحدة "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications)، إن "البدء في تعليم الأطفال مبكراً -بداية من شهورهم الأولى وحتى سن الالتحاق بالمدرسة- يساعدهم على اتخاذ قرارات اجتماعية سديدة في أثناء فترة المراهقة، مشددةً على أن استثمار الآباء في تعليم الأطفال في عمر مبكر يجعلهم قادرين على التخطيط بصورة أفضل لمستقبلهم".

وحسب هذه الدراسة فان الاستثمار التربوي في مرحلة الطفولة المبكرة يؤثر بالإيجاب على المهارات المعرفية كالقدرة على اكتساب معلومات، وعلى المهارات غير المعرفية كالنجاح الاجتماعي الاقتصادي.

ان مجتمعاتنا، ولاسيما المجتمع العراقي مدعوٌ لإعادة النظر بجدّ في طريقة التعامل مع الاطفال وعدم تجاهل قدراتهم الذهنية والعقلية واستثمارها لما يفيد مستقبلهم ومستقبل البلد، وهذا لا يعني وضع المناهج الدراسية أمام الطفل ذو السنة او السنتين، مثل قواعد اللغة العربية، او العلوم، او الرياضيات، إنما البدء معهم في خطوات أولية في تنشيط الذاكرة بحفظ ما يرطب نفسيته، مثل حفظ آيات من القرآن الكريم، او أبيات مؤثرة من الشعر، و ايضاً تحفيزه على تعلم الحساب والاطلاع على معالم الطبيعة والنبات والحيوان وغيرها من المعارف والعلوم.

وما يجعل هذه الخطوة لازمة وفورية في الوقت الراهن، ما بلغه الطفل من مستوى ذهني وقّاد لم يكن نشهده في العقود الماضية، ومن علائمه كثرة السؤال من عدد كبير من الاطفال عما يدور حولهم، ومحاولة معرفة الاسباب والعلل لما يحصل، وهذا يحملنا مسؤولية عظيمة في استثمار هذه التوثب لأن يكون مبعث خير وطوق نجاة في المستقبل القريب من كل ما نعيشه من أزمات وتخلف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0