إسلاميات - الإمام الشيرازي

ثقافة السؤال: الغائب الأكبر

قراءة في محاضرة صوتية لسماحة الامام السيد محمد الشيرازي

مقدمة:

حب الاطلاع حالة مغروزة في نفس الانسان وتصاحبه منذ الايام الاولى من حياته، وتنمو وتكبر معه، وكلما زادت امكاناته في الحركة والنطق والرؤية وسائر الحواس، اتسع محيط الاطلاع لديه، وهذا ما يفسّر لنا بسهولة الحالة العفوية للطفل وهو يضع أي شيء في فمه يكون في متناول يديه، او يتناوله ويعبث به.

بيد أن الحالة الغريزية التي وهبها الله –تعالى- للانسان، ربما تقود صاحبها الى المكاره والكوارث، مما يفترض وجود حالة التقويم المستمرة، فاذا ترك الأبوان الاناء الساخن على الارض في طريق الطفل الصغير، فانهم يكونوا مدانين من الجميع، وهكذا الحال بالنسبة لمن هو اكبر سنّاً يكون في طريقه ما هو مثير للفضول وحب الاطلاع بدوافع مختلفة، بعضها غرائزية، مثل؛ الجنس، وبعضها ثقافية ومعرفية، مثل المعلومات والافكار المنتشرة، لاسيما في عصر ما يسمى بـ "التواصل الاجتماعي" وتطبيقات الاتصال المتنوعة والمجانية على الهاتف المحمول.

والامام السيد محمد الشيرازي في الوقت الذي يشير الى أن إثارة حب الاطلاع من مهام الانبياء والأئمة في مسيرتهم لبناء الانسان الحضاري، فانه يحذر من عدم الاهتمام بهذا الجانب النفسي البالغ الاهمية في تكوين الفكر وبناء الثقافة بما يعطي المجال لمن يتربص بالجيل الجديد الدوائر ويسعى للإيقاع بهم من خلال عملية استدراج غير ملحوظة.

لنقرأ ما جاء في هذا المقطع الصوتي:

البهائية تستغل حبّ الإطلاع

"يقال أن رجلاً مزارعاً في إحدى قرى مدينة يزد –جنوب شرق ايران- زاره احد معارفه في بيته، وشاهد على الجدار صورة معلقة لزعيم البهائية؛ علي محمد الباب، فاستغرب من الامر، واستفهم صاحب الدار عن سبب تعليقه هذه الصورة؟ وما علاقته بهذا الرجل، وهو رجل متدين وملتزم بالاحكام والتعاليم الاسلامية؟ فقال: أن شخصاً في القرية يعطيه مبلغ مائة تومان لقاء فعله هذا، فما كان من الزائر –الضيف- ان يتحقق في الامر ويجد ذلك الشخص، فوجده وسأله عما سمعه من صاحب الدار، فأكد له القضية، ثم قال له: لماذا تعطي صاحب الدار هذا المال وانت تعرف تدينه والتزامه، فقال: صحيح اني اعطيه مائة توامن شهرياً لقاء تعليقه صورة زعيم البهائية، وأعلم انه و زوجته ومن هو في سنّه، لن يتحولا الى البهائية، إنما أملي في أولادهم الصغار الذين يرون كل يوم هذه الصورة، مما يدفعهم الفضول للبحث عن خلفية هذا الشخص وما يدعو اليه، حتى وإن كانت دعواه مثيرة للجدل، بأن يدعي النبوة ولديه دين جديد غير الاسلام، ثم أردف ذلك الشخص بالقول: بأننا اذا نشرنا هذه الدعوة بهذه الطريقة بين الف انسان، فان تأثر عشرة افراد في المجتمع يكفي لنا.

إن إثارة الفضول وحب الاطلاع، هو عمل الانبياء، وتحديداً خاتمهم النبي محمد، صلى الله عليه وآله، وايضاً ما قام به أمير المؤمنين، وجميع الأئمة المعصومين، عليهم السلام.

عندما مات عبد الله بن أبي، ذلك المنافق المعروف في المدينة، بادر النبي الاكرم، للصلاة عليه، وهو غير مستحق للصلاة، بيد ان النبي يقصد من صلاته عشيرة ذلك المنافق، ومحاولته لكسبهم الى الاسلام".

استماع القول واتباع الأحسن

سماحة الامام الشيرازي –طاب ثراه- في هذا المقطع الصوتي لم يستشهد بآية من القرآن ولا بحديث شريف تؤكد كلامه بأن حب الاطلاع من عمل الانبياء والأئمة، بيد اننا نفتح الكتاب المجيد، وفي سورة الزمر، الآية:18 نقرأ قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)، هذه الآية الكريمة تمنح الباحث عن الأحسن من القول، سمة رفيعة وتميزه عن الآخرين، بانه يسير في الطريق الذي لا يجره الى المكاره والكوارث، كما انه من اصحاب العقول اليقظة.

ان استغلال حالة الفضول لدى الشباب وحب الاطلاع لديهم، أثبت نجاحه بشكل مريع خلال العقود الماضية عندما لاحظنا الميول نحو التحلل الخلقي والديني، وتبني افكار دخيلة وبشكل سريع، وهذا الخطر الداهم نلاحظه اليوم يخيم على المجتمعات بوجود ما يسمى "شبكات التواصل الاجتماعي"، وتطبيقات الاتصال المجان حول العالم عبر الهاتف النقال.

في سنوات ماضية لاحظت –شخصياً- محاولات في هذا الاتجاه للإيقاع بالشباب والفتيان الصغار بتقديم أشرطة كاسيت (فيديو) لمشاهدتها جماعياً والادعاء بعدم العلم بمحتواها، فيجتمع عدد كبير من الفتيان لمشاهدة الفيلم السينمائي الاجنبي المثير، واذا به يتضمن مشاهد إباحية.

وحتى كتاب السيناريو في عديد الافلام والمسلسلات التلفزيونية المتضمنة افكار بعيدة عن القيم الاخلاقية والدينية، يعمدون الى عنصر الإثارة واستدراج فضول المشاهد ليتابع الاحداث الدرامية طيلة أيام وربما أشهر ليحصل على النتيجة التي تبغيها الشركات والمؤسسات الضخمة التي تقف خلف انتاج افلام ومسلسلات كهذه، فهم لا يدعون الى العُري والخيانة الزوجية واستسهال الزنا والترغيب على المثلية بشكل مباشر، وإنما يطرحون اسئلة واستفهامات تجيب عليها احداث المسلسل او الفيلم.

عند هذه النقطة بالذات يكون العقل في إجازة، فتستفحل العاطفة وتخرج الغرائز من مسارها الانساني الصحيح، والقضية ليست مقتصرة بالجنس وحسب، إنما المؤثرات الفكرية أشد فتكاً بالمجتمع لانها تتحكم بعقول الافراد وتخلق لهم الدوافع والارادات لاعمال مختلفة تسبب بانقسامات خطيرة وظهور سلوكيات وأعمال تهدد أمن واستقرار المجتمع عندما تكون سلاحاً بيد من لا يريدون الخير للمجتمع والامة.

ما هي عواقب غلق باب السؤال؟!

لو تدبرنا في سيرة الرسول الأكرم، والأئمة المعصومين، عليهم السلام، وجدنا الحثّ على السؤال من مختلف افراد المجتمع، منذ نشأته الاولى، والمستوى المتواضع للثقافة في الايام الاولى من فجر الاسلام، ومروراً بعهد أمير المؤمنين، وحتى عهود الأئمة الاطهار، فلكل سؤال، كان يكمن جواب طويل وعريض يتضمن علوم وحكم ومواعظ تتجاوز حاجة ذلك السائل في ذلك اليوم البعيد في التاريخ، ومانزال اليوم، والى أمد غير منظور، نستفيد منه، وتستفيد منه الاجيال.

ولعل هتاف امير المؤمنين في الساعات الاخيرة من حياته الشريفة، وهو طريح الفراش إثر تعرضه للاغتيال: "سلوني قبل ان تفقدوني"، تكشف –بالحقيقة- عن هتافات سابقة ودعوات مشابهة للمسلمين في الكوفة او المدينة او البصرة وسائر الامصار بأن يستفيدوا من وجوده ويسألوا عما يجهلوه لأن "الناس أعداء ما جهلوا"، يقول هو، عليه السلام، ولذا نجد ان الامام ذهب الى أبعد مدى في الجهل، وهو أن يعرف الانسان كيفية غزو الفضاء في تلك الفترة، أي قبل اربعة عشر قرناً من الزمن، علماً ان القرآن الكريم سبق الامام، عليه السلام، في هذه الدعوة وبشكل صريح، حيث جاء في نهايات سورة آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

إن فتح الباب على مصراعيه امام الشباب والفتيان داخل البيوت وفي المدارس والجامعات والحوزات العلمية لمختلف للاسئلة المتعلقة بالعقيدة والتاريخ والاحكام الشرعية وسيرة المعصومين، عليهم السلام، من شأنها استنهاض العقل وتعميق الإيمان في النفوس بشكل يبني العقيدة والفكر على أسس من المنطق والدليل لتكون مدعاة للفخر والاعتزاز.

لقد دفع اكثر من جيل اثمان باهظة في سلوكه وثقافته وطريقة تفكيره بسبب المخاوف المبالغ بها على الابناء من معرفة ما يجهلونه، و الامتناع عن الاجابة على كثير من الاسئلة التي يكون معظمها ذات صفة بريئة وعفوية، ويعتقد الكبار إنها تصطدم بمفردة "العَيَب"! في حين ان هذه المفردة الايجابية والمطلوبة في نظر الكثير من العلماء اليوم، يفترض ان يستفيد منها الشباب في كبره، ليقوم بها سلوكه واخلاقه، لا ان تكون حاجزاً وسبباً لردود فعل سلبية تسحق هذه المفردة وتنطلق بالشاب او الشابة الى ما لا يتوقعونه هم وآباؤهم من العواقب السيئة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1