عمليات التغيير السياسي في التاريخ تُقيّم في دوافعها وأدواتها ثم غاياتها النهائية لاستحصال صورة متكاملة تبين مدى الاستفادة منها في عِبرها وتجاربها، وهذه الاركان المعرفية الثلاثة، عادة ما تكون غير ظاهرة في خضم الاحداث السريعة، والانفعالات النفسية، فتكون العواطف والمشاعر الجيّاشة هي سيدة الموقف والوجه البارز في مسرح الاحداث، ولعل هذا يقف خلف سقوط الكثير من "الثورات" في التاريخ القديم والحديث في ورطة الفشل، ثم مآلات هذا الفشل في قادم الأيام، ولتنتشر في أدبيات هذه الثورات: أن "الثورة يصنعها الشرفاء، ويقودها الشجعان، ويسرقها الأوغاد"، فالبداية مفعمة بالأمل والحوافز، مع حماس واندفاع وتضحية، والنتيجة؛ تراجيديا مؤلمة ومحطمة للنفوس.

المختار؛ السياسي الطموح

المختار بن عبيد الله الثقفي، هذا الرجل القادم من مدينة الطائف شمال الجزيرة العربية، ومن أحد البطون العربية العدنانية الأصيلة؛ وهي قبيلة ثقيف التي كانت تضاهي قريش في القوة والعدد والمكانة الاجتماعية والثراء، سجل اسمه في التاريخ في حركته العسكرية في الكوفة سنة 66 للهجرة، لتحقيق أهم اهدافه بتصفية قتلة الإمام الحسين، عليه السلام، وكافة المشتركين بالجرائم التي وقعت يوم عاشوراء.

ولد المختار الثقفي في مدينة الطائف في السنة التي هاجر فيها رسول الله من مكة الى المدينة، في أسرة معروفة في ثقيف بالوجاهة والمِكنة، فجدّه لأبيه؛ مسعود بن عمرو كان أحد كبار ثقيف، وخلال فترة الفتوحات الاسلامية لنشر الإسلام في عهد رسول الله، وصلت جحافل الرسالة الى الطائف واجهت مقاومة شديدة اضطرها للانسحاب، وفيما بعد تم الصلح بين المسلمين وثقيف ودخل أهل الطائف الاسلام طوعاً، وكانت أول مشاركة لأسرة المختار في حروب المسلمين في عهد عمر بن الخطاب عندما استشهد أباه؛ عبيد الله في المعارك مع الفُرس، وتولّى أمر المختار، عمّه سعد الثقفي الذي يُنقل أنه كان من المقربين لأمير المؤمنين، عليه السلام، قبل وبعد توليه الحكم.

هذه الصحبة والعلاقة الوثيقة دعته، عليه السلام، لأن يختار سعد الثقفي لولاية المدائن خلفاً لسلمان المحمدي بعد وفاته، وجاء في بعض المصادر أن مرافقة المختار لعمه في مهمته الجديدة، شكلت البداية للنشئة السياسية للمختار، فقد كان في سن الاربعين، رجلاً متكاملاً تجاوز للتوّ مرحلة الشباب، متفاعلاً ومتحمساً نحو كل جديد، استفاد خلال فترة وجوده في المدائن من تجارب الإدارة والحكم والتعامل مع الناس من موقع القيادة، بل كان "يستعين به لايصال الحقوق الى أمير المؤمنين، ويستخلفه في تحمل اعباء ادارة شؤون الولاية في غيابه".

كما تجدر بنا الاشارة الى مشاركة المختار مع عمّه سعد الثقفي جميع حروب الردّة في جيش أمير المؤمنين، ضد الناكثين (الجمل)، والقاسطين (صفين)، والمارقين(النهروان)، وأبليا فيها بلاءً حسناً.

ومن الناحية الاقتصادية والمعيشية فقد كان المختار من الميسورين في المجتمع الاسلامي آنذاك، فقد كانت له ضيعة كبيرة (بستان) في أطراف الكوفة، كما كانت له داراً كبيرة ايضاً في مركز الكوفة الى جوار المسجد الجامع، وسنأتي على دور هذين المكانين في الحراك السياسي والعسكري للمختار.

معظم المصادر التاريخية تشير الى أن المختار الثقفي لم يصطدم بالسلطة الأموية المتمثلة بمعاوية منذ استشهاد أمير المؤمنين، عليه السلام، وكان يفضّل السرية في التحرك وعدم البوح والإشهار بمواقفه إزاء ما يجري، حتى سنة 60للهجرة عندما ابتهج المسلمون، لاسيما أهل الكوفة بموت معاوية، والخلّص من سياسة التنكيل والتمييز والتضليل التي مارسها طيلة عشرين سنة من حكمه، وكان أول خطوة سارعوا اليها؛ كتابة الكتب والرسائل الى الإمام الحسين، عليه السلام، يدعوه فيها الى الخروج من المدينة وتولي القيادة في الكوفة وتأسيس الدولة العادلة والصالحة التي جربوها مع أمير المؤمنين من قبل، لمعرفتهم أن موت معاوية يعني استحقاق سياسي وقانوني يعطي الحق للإمام الحسين بأن يكون هو الخليفة والحاكم من بعده وفق بنود الصلح مع الامام الحسن، عليه السلام.

وكان المختار في مقدمة من كتبوا للإمام الحسين، مع رموز ووجهاء الشيعة المؤمنين برسالة الإمام وبقضيته، مثل هانئ بن عروة وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وغيرهم كثير، الى جانب المؤمنين بمصالحهم و رؤاهم الخاصة إزاء الولاية، وكان دار المختار وسط الكوفة أول مكان يحلّ فيه مسلم بن عقيل، وبعد انطلاق المختار لتحشيد القوى خارج الكوفة ومغادرته داره، فعل الشيء نفسه مسلم منتقلاً الى دار هانئ بن عروة، وفي غياب المختار حصلت تطورات جوهرية خطيرة أهمها وصول ابن زياد من البصرة محملاً بكتاب الولاية من يزيد، ثم انقلاب أهل الكوفة بشكل مذهل على مسلم، وما جرى عليه، "وفي نفس هذه الليلة التي كان مسلم بن عقيل متواريا عن الأنظار، دخل المختار بن أبي عبيد الكوفة يحمل راية خضراء، وتحوط به مواليه (عبيداً له) حتى انتهى إلى باب الفيل من مسجد الكوفة، وهناك صدمته الحقيقة لأن خبر انقلاب الناس على مسلم بن عقيل لم يكن قد وصل إليه، فبقي على حيرة من أمره لا يعلم بمكان مسلم حتى ينصره ولا يقدر على الرجوع إلى أهله لأن جيش ابن زياد قد سد على الناس منافذ الدخول والخروج إلى الكوفة وأعلن حظراً للتجوال في عموم شوارع الكوفة وأزقتها وبين هذه الخيارات الصعبة، يمرّ به هاني بن أبي حيّة الوادعي فيعرض عليه أن ينزل على عمرو بن حريث فاستجاب مضطراً إلى الصباح، وفي اليوم الثاني يأمر ابن زياد أن يدخل عليه الناس عامة، ودخل المختار فيمن دخل، فتوجه إليه ابن زياد قائلاً له: أنت المقبل في الجموع لتنصر ابن عقيل، فقال له: لم أفعل ولكني أقبلت ونزلت تحت راية عمرو بن حريث، وبت معه وأصبحت، فقال له عمرو: صدق ــ أصلحك الله ــ فرفع عبيد الله القضيب، فاعترض وجه المختار فخبط به عينه فشترها (شقها) وقال: أما والله لولا شهادة عمرو لك لضربت عنقك، انطلقوا به إلى السجن".

بقي المختار الثقفي في سجن ابن زياد حتى بعد واقعة عاشوراء، وقد بلغته الاخبار المريعة والمفجعة، فأراد الخروج من السجن حاملاً روح الانتقام من ابن زياد لما فلعه بالإمام الحسين، وأهل بيته، فتنقل المصادر أنه طلب من شقيقته، وهي زوجة عبد الله بن عمر ليتوسط لديه الى يزيد بن معاوية لإطلاق سراحه، نظراً للعلاقة الايجابية بين الأمويين و ابن عمر، وقد تمّ له ذلك، ولما وصل كتاب يزيد الى ابن زياد أظهر امتعاضاً من هذه الوساطة لمعرفته بالمختار، فاشترط عليه عدم البقاء بالكوفة سوى ثلاثة أيام يغادرها وإلا يُعيده الى السجن، فأول وجهة كانت للمختار هي مكة المكرمة حيث كان يعسكر فيها عبد الله بن الزبير متخذاً منها مقراً لخلافته المزعومة مقاطعاً بذلك خلافة الأمويين في الشام.

ويجمع المؤرخون والباحثون في سيرة حياة المختار أن تحالفه مع ابن الزبير كان لالتقاء المصلحة السياسية بالدرجة الاولى، فكان يجد في الاخير قاعدة ينطلق منها لمحاربة الأمويين، او ربما لتحقيق أمله بالانتقام من قتلة الامام الحسين، وجميع هؤلاء المؤرخين لا يمارون في معرفة المختار بحقيقة ابن الزبير، ومن يكون؟ وما هي نظرته الى أهل بيت رسول الله، والتاريخ يسجل له مثالب عظيمة ليس أقلها؛ الحديث الذي رواه له شخصياً الامام الحسين، عندما دعاه للبقاء في مكة الى جانبه لمحاربة الامويين، فقال له الامام: "إنّ أبي حدّثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحبّ أن أكون أنا ذلك الكبش"، ومقولته الشهيرة عن أهل بيت رسول الله، عند السؤال عن سبب عدم الصلاة على النبي بأن "له أُهيل سوء يشرئبون لذكره، ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به"! ومواقف أحاديث عديدة منقولة عنه في عدائه الصريح لأهل بيت رسول الله.

وعندما سُئل المختار عن طبيعة علاقته بابن الزبير قال: "اني لما رأيته قد استغنى عنّي احببت ان اريه اني مستغن عنه".

وعندما غادر المختار مكة سنة 64 بعد موت يزيد، وعاد الى الكوفة، كان الزبيريون قد اجتاحوا مناطق العراق، ومنها الكوفة وطردوا الوالي الأموي وعينوا والياً منهم، فبدأت التقارير تترى على ابن الزبير بان المختار يجمع العدة والعدد للاسيتلاء على الحكم في الكوفة، فاوعز لاعتقال المختار، وفي السجن كرر طلب الوساطة عند صهره؛ عبد الله بن عمر لإطلاق سراحه، وتذكر المصادر أنه "أتى بعشرة من أشراف الكوفة و زعمائها ليكفلوه عند والي الزبير، ولما طلبوا منه ان يحلف امامهما بهذه العبارة: احلف بالله على ان لا اخرج عليكما فان خالفت ذلك وخرجت علكيما فعليّ ألف بُدنة (بعير) انحرها عند الكعبة، وان ممالكي يصبحون احراراً"، فحلف لهم المختار كما ارادوا وخرج من سجن للمرة الثانية"، وينقل أن المختار سخر من كل هؤلاء وقال: "قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه، وأما حلفي بالله فاني اذا حلفت على يمين فرأيت خيراً منها ادع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفر عن يميني".

التوابون ثورة جماهيرية تمهد لثورة سياسية

الى جانب تحركات المختار السياسية والعسكرية منذ استشهاد الامام الحسين، في العراق وفي الحجاز، كانت ثمة مشاعر تغلي في النفوس ضد النظام الأموي، وما آلت اليه الأمور بعد واقعة عاشوراء، فقد استشعر أهل الكوفة، منذ الايام الاولى من الواقعة بفداحة الذنب الذي اقترفوه بعدم نصرة الإمام الحسين، وقد التقط هذه المشاعر شخصٌ من أبرز التابعين لأهل البيت، وهو سليمان بن صرد الخزاعي الذي كان من بين المعتقلين في سجون ابن زياد ايام واقعة عاشوراء، وفي يوم وصول نبأ موت يزيد، كانت الشرارة التي فجرت المشاعر ضد الأمويين والرغبة في التعويض عمّا فات، وإظهار الولاء لأهل البيت من خلال شن الحرب على الجيش الأموي.

وفي سنة 65 للهجرة وصلت سليمان الخزاعي كتب اهل المدائن والبصرة يوعدونه بالنصرة، واجتمع حوله بين اربعة الى خمسة آلاف مقاتل، كلهم يهتفون بشعار: "يالثارات الحسين"، وللمرة الاولى، وكان الملتقى في النخيلة؛ نقطة الالتقاء الاستراتيجية بين طرق الشام والكوفة والمدينة، وقبل الخروج من الكوفة، كان المقربين من سليمان قد نصحوه بأن يبحث عن قتلة الامام الحسين داخل الكوفة، فأظهر الاستحسان للفكرة، بيد أنه فضّل التوجه الى الشام للاقتصاص ممن أمر وجيّش الجيوش لحرب الامام الحسين، وهو عبيد الله بن زياد، فكان رأي الجموع معه.

وقبل ان ننتهي من الحديث عن التوابين، وكيفية مواكبة المختار لهذه الحركة الجماهيرية المطالبة بالثأر من قتلة الامام الحسين، من الجدير تسليط الضوء على موقفين ميّزا هذه الحركة عن غيرها هي:

الموقف الأول: الجماهير

فقد أكدت المصادر التاريخية أن سليمان بن صرد الخزاعي أبدع ونجح بشكل فائق في تشكيل جيش متماسك لا مثيل له من المؤمنين بقضيتهم، والمصممين على ملاقاة الحتوف غير عابئين بمن أمامهم، فكان اختياره الموفق للهرم القيادي باختياره أربعة من خيرة اتباعه وهم: المسيب بن نجبة، وعبد الله بن سعد بن نُفيل، وعبد الله بن وال، ورفاعة بن شداد، وقد طاف سليمان الخزاعي، وهو القائد بنفسه شوارع الكوفة وهو يهتف: "يالثارات الحسين"، وأكد غير مرة في اجتماعه باصحابه بأن "من كان يريد بخروجه وجه الله والآخرة فذلك منّا ونحن منه، فرحمة الله عليه حياً و ميتاً، ومن كان يريد الدنيا فوالله ما نأتي فيئاً نأخذه وغنيمة نغتنمها ما خلا رضوان الله"، "إنما خرجنا نطلب التوبة والطلب بدم ابن بنت رسول الله".

الموقف السياسي:

وكان يمثله الزبيريون في الكوفة وشخص الوالي عبد الله بن مطيع الذي ارسل الى سليمان يطلب منه التريث عند النخليلة للتباحث بشان ساعة الهجوم على جيش ابن زياد، فأرسل امير الخراج ابراهم -وزير المالية حسب الاصطلاح اليوم- بن محمد بن طلحة، ونقل اقتراح الوالي أن لا يستعجل الهجوم لحين تقدم جيش ابن زياد حتى لا يخسر المواجهة مبكراً، ولكن سليمان لم يصغ لهذا الاقتراح بل رفضه واستبعده مبررا ذلك بقول: "انهم لم يخرجوا من اجل الدنيا وانما يطلبون الآخرة تكفيراً لذنوبهم". ثم كرر الوالي الزبيري المحاولة بأن "اقيموا حتى نرسل معكم جيشاً كثيفاً"، فلم يقبل سليمان ولا من كان معه.

ولم تتوقف هذه المحاولات لاستيعاب التوابين وامتصاص نقمتهم، فعندما وصلوا الى الانبار وصلتهم رسالة زبيرية أخرى بأن ارجعوا خشية ان يتولى جيش الشام بآلاف مؤلفة فتبيدكم!! ولكن نتائج الحرب في منقطة عين الوردة، شعت في الآفاق، وحملها التاريخ بأحرف من نور عندما فوجئ جيش الشام المحترف والمدجج بالسلاح والدعم اللوجستي الهائل، بقوة جبارة هادرة، فقد كان التوابون خمسة آلاف، بينما جيش الشام، عشرون ألف، فكان جنود ابن زياد يتساقطون مثل اوراق الخريف بين سيوف التوابين، مع وجود قادة محترفين مثل الحصين بن نُمير، وشرحبيل بن ذي الكلاع، مما اضطرهما للاستنجاد بعشرة آلاف مقاتل، مع ذلك، كاد التوابون ان يحققوا النصر الساحق ويتقدموا صوب الشام، لولا اللجوء الى سلاح النبال التي انهارت كالمطر عليهم فكانت السبب في استشهاد سليمان بن صرد الخزاعي، وزعزعة صفوف التوابين، فسطروا ملحمة بطولية رائعة، رفضوا الانسحاب، وقد تعاقب الرجال الذين عينهم سليمان على حمل الراية، كلما استشهد أخذها الذي بعده حسب وصية القائد، وعند غروب الشمس عادت القليلة ممن بقي الى الكوفة، ليسجل التاريخ أول ثورة جماهيرية مسلحة في التاريخ ضد الظلم والطغيان.

الاستفادة من كل الوسائل

خرج المختار من سجن الكوفة مرتين: الاولى بعد ملحمة عاشوراء، والثانية بعد ملحمة التوابين، وهذه المرة أعدّ العُدة بشكل جيد، وأول خطوة قام بها لتشكيل القاعدة الاساس لإقامة نظامه السياسي؛ استمالة الموالي في الكوفة، وهم شريحة المسلمين من غير العرب، وكان عددهم يربو على العشرين الف شخص، هؤلاء لم يروا الخير والسعادة والاستقرار منذ استشهاد امير المؤمنين طيلة عشرين سنة من حكم معاوية والأمويين للكوفة، فوعدهم المختار بالمساواة والعدل وإطلاق الحريات، وربما يعلل المؤرخون عدم اعتماد المختار على القبائل العربية، رغم عددها وعدتها وشجاعتها، بتاريخها المرير في الخيانة والغدر والازدواجية، لذا اراد المختار ولاءً سياسياً من جمهور متماسك، ولعل هذا يفسر امتداد حكم المختار في المناطق غير العربية، فقد امتدت سيطرته باتجاه مناطق الري في ايران وارمينيا شمالاً، هذا الى جانب الموصل التي سيطر عليها حليفه؛ ابراهيم بن مالك الاشتر النخعي.

ولم يدخّر المختار جهداً ووسيلة لانجاح عملية الاستيلاء على الحكم في الكوفة وانتزاعه من الزبيريين، فقد نُقل أنه لما تواردت الى اسماع الوالي الزبيري؛ ابن مطيع، بأن الاوضاع الامنية في الكوفة تنذر بانفجار كبير بسبب تحركات المختار، منها بيته الذي تحول الى ملتقى للموالين له، فاستدعاه الى قصر الإمارة، فأظهر المختار المرض، وقد وجده رسول الوالي نائماً في فراشه، ثم سأله الوالي مرة اخرى عن سبب الزيارات المكثفة للناس لداره، قال: "مريض، والناس تعوداني"!

وبموازاة التحرك الجماهيري داخل الكوفة، كان المختار قد ضمن الموقف الإيجابي من الامام زين العابدين، بواسطة عمّه محمد بن الحنفية لتعضيد الحركة المسلحة بشرعية دينية تشجع الناس على الانضمام اليه، فاصطحب ابن الحنفية رسُل المختار الى الامام السجاد، فقال له الامام: "ياعم لو ان عبداً زنجياً تعصب لنا اهل البيت لوجب على الناس مؤازرته و قد وليتك هذا الامر فاصنع ما شئت".

ولم يشأ المختار تكرار ما يتحدث عنه المؤرخون بفشل حركة مسلم بن عقيل أمام ابن زياد بالانطلاق في غير موعده، وانكشاف الأمر وغير ذلك، إنما حسب لكل ألف حساب، فجنّد القوى، وأعد العدّة، ومما ابتكره؛ إشعال النيران على السطوح كعلامة لانطلاق التحرك المسلح صوب قصر الإمارة، وفي ساعات معدودة من الليل، وفي مثل هذه الايام من سنة 66للهجرة نجح المختار الثقفي من الوصول الى قصر الإمارة وتحقيق حلمه القديم، وإزاحة الوالي الزبيري الذي لم يبد مقاومة تذكر، وحسب المصادر فان المختار أجزل له العطاء وطلب من الرحيل عن الكوفة.

ولما استببّ الأمر له توجه الى أهالي الكوفة بأن "تبايعوني على العمل بكتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء اهل البيت؟ وجهاد المحليين والدفاع عن الفقراء"؟

الحركة العسكرية للمختار، والتي يطلق عليها البعض؛ "ثورة المختار" لم تتحول الى ثقافة جماهيرية تنتج الوعي بالقيم والمبادئ بما تجعل أهل الكوفة يتخذون الموقف الصحيح في الوقت المناسب، ولمن يبحث عن صعود وانهيار حكم المختار في الكوفة، عليه الالتفات الى أنه أمضى 18شهراً فقط في الحكم، مع وعوده بتطبيق العدل والحرية والمساواة والعيش الكريم للجميع، وكانت النتيجة؛ ذلك الخذلان المريع والمشهد الدموي في قصر الإمارة، بينما أمير المؤمنين، عليه السلام، أمضى حوالي اربعة سنوات في الكوفة، وهو يجسد كل قيم الحق والعدل والفضيلة باتفاق جميع المسلمين، فكان جزاءه الخذلان والتكاسل عن خوض القتال ضد البغاة من أتباع معاوية.

إن الحكم على فشل او نجاح أي حركة تغييرية للنظام السياسي، يحتاج تقييم للوضع الاجتماعي وتحديد درجات الوعي والنضوج الثقافي، ومن ثم الإيمان بهذه الحركة وقيادتها وأدواتها ونتائجها، والتضحية من اجلها، أما الوصول الى السلطة او مقر الزعامة والرئاسة، فانه لا يعدو كونه محطة سريعة يفترض ان تستبعها محطات لابد من الاطمئنان بالوصول اليها حتى لا تكون هذه المحطة حمام دم يدفع فيها القائد والجماهير ارواحهم ثم تطويهم صفحات التاريخ.

ــــــــــــــــــــ
المصادر:
1- تاريخ الطبري
2- تاريخ اليعقوبي
3- اتحاف الورى باخبار أم القرى
4- قصة ثورةالمختار – محمد علي الاشيقر

اضف تعليق