إنسانيات - تاريخيات

التاريخ البديل

ماذا لو تغيرت نتائج انتخابات وحروب وأحداث كبرى في تاريخنا المعاصر؟

ماذا سيحدث لو تغير مسار انتخابات وحروب وأحداث كبرى وانتهت بنتائج مختلفة؟ يستكشف صامويل آربسمان تفاصيل الخرائط التي تصور عوالم بديلة لعالمنا والمتعة التي نجدها في مطالعتها.

في هذا الوقت الذي يموج بالاضطرابات والتوترات، كثيرا ما أنصرف إلى مطالعة الروايات الخيالية، ولا سيما أدب التاريخ البديل، وهي القصص التي تدفعك للتساؤل عما كان سيحدث لو اتخذ التاريخ منحى مختلفا؟ فماذا كان سيحدث لو انتهت معركة أو انتخابات أو جريمة اغتيال بنتائج مختلفة عن نتائجها في الواقع، أو لو أن شخصية محورية في التاريخ لم تولد؟

وتتضمن بعض هذه القصص السفر عبر الزمن لتغيير حدث فارق، لكن الكثير من قصص التاريخ البديل يكون مجرد تصورات لمسارات بديلة للتاريخ من نسج الخيال.

إذ تتناول رواية التاريخ البديل، التي تحمل اسم "الرجل الذي يعيش في القلعة العالية"، ماذا كان سيحدث لو لم يُهزم النازيون في الحرب العالمية الثانية، كما تركز قصة "للبشرية جمعاء" على ما كان سيحدث لو هبط السوفييت على القمر قبل الأمريكان؟

ولم يعد التاريخ البديل أحد فروع الخيال العلمي، بل أصبح مجالا بحثيا جادا مستقلا. إذ ينهمك مؤرخون في دراسة الحقائق المغايرة للواقع أو الأحداث التي لم تقع من الأساس.

وتستقطب مواقع مثل موقع "التاريخ البديل (alternatehistory.com)"، بعض الشغوفين بالأدب البديل لاستكشاف حال الأفلام والتلفاز لو لم تظهر مثلا أفلام مثل "ستار تريك" أو "حرب النجوم"، أو ماذا كان سيحدث لو اتخذت حياة العلماء الذين توصلوا إلى اكتشافات ثورية منحى مختلفا. ويشارك رواد الموقع في تغيير معلومات على صفحات موقع "ويكيبيديا" لتصور نتائج مختلفة للصراعات الكبرى كما لو كانت من عالم بديل.

لكن أكثر ما يميز روايات التاريخ البديل هو الخرائط، التي تمهد الطريق للرواية لكي تأخذ مجراها وتتطور أحداثها، أو في بعض الأحيان تكون مكملة للعالم الافتراضي الذي تنسجه القصة. وكثيرا ما تكون الخريطة قصة مستقلة بذاتها.

وأدرك الكاتب مايكل تشابون مدى شغف القراء بهذه الخرائط، ورسم خريطة بنفسه أثناء كتابة روايته "اتحاد رجال الشرطة الذين يتحدثون الييدية (اليهودية الألمانية)"، التي تدور أحداثها في نموذج بديل لمدينة سيتكا بولاية ألاسكا.

ويقول تشابون في حوار مع صحيفة "سياتل تايمز": "حاولت أن أكبح جماح رغبتي في رسم خريطة رائعة مفعمة بالتفاصيل لمدينة سيتكا، حتى لا تشغلني عن كتابة الرواية. وفي النهاية رسمت خطوطا بالقلم الرصاص متواضعة لتحديد الأماكن التي وقعت فيها الأحداث".

لخصت كلمات تشابون مدى جاذبية الخرائط الخيالية للتاريخ البديل، كوسيلة لتبدو روايته أكثر واقعية كأنها حدثت بالفعل. فبالرغم من أن هذه العوالم تبدو مختلفة، فقد كان من الممكن أن تتحقق بالفعل، وقد ننشغل بسهولة بهذه الخرائط ونقضي وقتا طويلا في رسم تفاصيلها.

قد يرى البعض أن هذه الخرائط لا تمت بصلة للواقع، لكن ألا تجد متعة في التظاهر بالعيش في هذه العوالم الموازية، أو حين تتخيل أنك تتجول في أنحاء بلدان ومدن خيالية وتفكر في مظاهر الحياة فيها.

وقد تساعد هذه الخرائط في تغيير نظرتنا للماضي والحاضر. فالتاريخ البديل ليس مجرد مفترق طرق يتخذ التاريخ بعده مسارات مختلفة، ويخمن الكاتب أحداثها بناء على معلومات غير مكتملة، بل إن الكتاب البارعين في هذا النوع الأدبي يهتمون بأدق التفاصيل عند سرد أحداث وسناريوهات التاريخ البديل حتى تشعر أن الرواية لا تحتاج سوى لمجموعة من الخرائط بين صفحاتها، كما هو حال رواية "بسبب إهمال طفيف"، لروبرت سوبيل.

وتستكشف الرواية التبعات المحتملة لسقوط الثورة الأمريكية، أو بعبارة أخرى إذا وأدت الإمبراطورية البريطانية الثورة الأمريكية في مهدها.

وفيما يلي مقاطع من خريطة لأمريكا الشمالية كما تخيلها سوبيل، ونشر أحد الهواة على الإنترنت مقطع فيديو لتغير الحدود السياسية وفقا لرؤية سوبيل. وكان لبعض التغيرات الطفيفة تداعيات جسيمة أدت إلى تغيير معالم القارة بأكملها.

حدود أمريكا الشمالية كما تخيلها سوبيل في حال فشل الثورة الأمريكية

وتصور أحد المولعين بالتاريخ البديل عبر الإنترنت تبعات انتصار النازيين في الحرب العالمية الثانية، وملخص فكرته أن ألمانيا توقع هدنة مع بريطانيا في مستهل عام 1941، وتنتصر في الحرب على الاتحاد السوفيتي الذي يتكبد خسائر ثقيلة، ثم تخوض حرب عصابات مع الطوائف المتمردة في شرق أوروبا لسنوات. وتؤسس بريطانيا والولايات المتحدة تحالفا في مواجهتهم.

ثم تندلع حرب أهلية وتدوم حتى النصف الثاني من الخمسينيات، ثم تتداعى أوروبا النازية ببطء، حتى يوجه لها التدخل الغربي الضربة القاضية.

ورسم واضع هذا التصور خرائط عديدة، كان أبرزها خريطة مؤشر الديمقراطية في العالم. إذ تبدو الخريطة مفعمة بالتفاصيل الدقيقة، وتجسد تاريخا مغايرا تماما للواقع.

وثمة سرد تاريخي آخر مثير يتصور الإطاحة بالرئيس أندور جونسون من منصبه في عام 1867 بانقلاب عسكري. ويتضمن هذا التصور وضع نظام تمثيل نسبي للولايات المتحدة، ووصل هذا التصور ذورته في خريطة للانتخابات الأمريكية لعام 2018، بدت واقعية للغاية، باستخدام تحليلات "ويكيبيديا" وصور حقيقية، لكنها تعكس عالما مختلفا تماما عن عالمنا الواقعي.

قد تعكس خريطة مؤشر الديمقراطية وهذه الصفحة الخيالية من موقع ويكبيديا الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في الكثير من خرائط التاريخ البديل. ولا تكمن جاذبية هذه الإبداعات في محتواها، لكن في طريقة عرضها للمعلومات عن العالم البديل الذي تجسده.

إذ تبدو إحدى خرائط التاريخ البديل كما لو كانت مأخوذة من مجلة "إيكونوميست". وتعرض خريطة أخرى مرسومة بعناية فائقة كيف سيبدو شكل الشرق الأوسط لو لم تندلع الحرب العالمية الثانية.

وكانت الحرب العالمية الثانية مصدر إلهام للكثير من كتاب روايات التاريخ البديل، مثل هاري ترتلدوف، الذي كتب أغرب روايات التاريخ البديل. وتتناول رواياته الكثير من الحقائق المغايرة للواقع. ويطرح في إحدى الروايات تداعيات غزو كائنات فضائية لكوكب الأرض أثناء الحرب العالمية الثانية.

واستشكف ترتلدوف هذا الطرح بالتفصيل في ثماني روايات، يمتزج فيها الخيال العلمي بالسفر بين النجوم والسباق التكنولوجي بين الكائنات المختلفة، مع التركيز على تأثير بعض الأحداث الكبرى، مثل هجوم الكائنات الفضائية على النازيين ونهاية المحرقة أو اندلاع حرب باردة بين البشر والكائنات الفضائية، على مجرى التاريخ.

خريطة الشرق الأوسط في حال لم تقع الحرب العالمية الثانية رُسمت وفقا لمعايير الجمعية الملكية لرسم الخرائط الخيالية

وفي رواية "سنوات الأرز والملح"، يتخيل الروائي كيم ستانلي روبنسون العالم إذا حصد وباء الطاعون أرواح جلّ سكان أوروبا بدلا من ثلث سكان العالم. فكيف ستجد الحضارات الأخرى طريقها إلى هذه القارة الخالية؟ وكيف ستتطور التكنولوجيا والثقافة، وما هي تبعات الحروب العالمية؟

وقد يتناول التاريخ البديل تغيرات عديدة في مسار التاريخ، فالتاريخ الأمريكي على سبيل المثال، حافل بخطط لإنشاء ولايات جديدة لم تدخل حيز التنفيذ. لكن ماذا لو تحققت هذه الخطط؟ وقد رسمت خريطة للولايات المتحدة مكونة من 124 ولاية. وتجسد الخريطة الكثير من العوامل السياسية والتاريخية والسيكولوجية الأمريكية في صورة واحدة. فالولايات المتحدة هي دولة، على عكس ما يدل عليه اسمها، تصبو دائما للانفصال والتميز.

ووضعت طالبة المدرسة الثانوية آنا كالكاتيرا، رؤية بديلة للأمريكتين، إذ امتدت ولاية تكساس إلى كندا وتضمنت أوهايو الثانية، وغيرت اسم مينيسوتا إلى داكوتا الشرقية. وعندما تنظر إلى الخريطة قد تشعر أنها تحتاج لقصة لتفسر ما حدث لهذا العالم العجيب الذي تجسده.

وخلاصة القول إن التاريخ لا يتخذ مسارا مستقيما ولا هو مجموعة من الأحداث الفارقة المرتبة بانتظام حتى يسهل تذكرها. بل إن التاريخ في جوهره فوضوي، فقد تؤدي تغيرات طفيفة إلى تداعيات واسعة النطاق، في حين أن الكثير من التغيرات قد لا تترك أثرا يذكر.

وفي أوقات الاضطرابات كما هو الحال في عام 2020، قد يكون من الصعب تمييز الأحداث التي قد تغير العالم من غيرها التي لن يكون لها تأثير في المستقبل. لكن في ظل ضبابية الرؤية، قد نستمتع دائما بمطالعة خرائط من عوالم بديلة.

https://www.bbc.com/arabic

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1