في ميزان الدولة الحضارية الحديثة، التراجع لا يُقاس بخصومة سياسية مع رئيس أو إدارة، بل بتغيّر السلوك العام للدولة الكبرى تجاه ثلاث قواعد: نزاهة الديمقراطية الداخلية (الثقة وتداول السلطة)، والانحياز لحماية المدنيين في الحروب (العدالة والسلام)، واحترام سيادة الدول ومرجعية القانون الدولي (المسؤولية)...

شهد موقع الولايات المتحدة في السلم الحضاري تراجعا مستمرا على وتيرة متصاعدة منذ تولي ترامب الرئاسة الى اليوم وذلك من خلال المؤشرات التالية: 

1) مؤشر الديمقراطية

على مستوى القياس المقارن، تُصنَّف الولايات المتحدة في مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات في الإيكونوميست ضمن فئة “الديمقراطية المعيبة” منذ خفض تصنيفها في 2016، وهو ما يجعل فترة ترامب الأولى (ابتداءً من 2017) ممتدة داخل سياق تراجع بنيوي سابق ومتصل، لا مجرد تذبذب عابر، وتُظهر أحدث بيانات متاحة (تقرير 2024) أن الولايات المتحدة سجّلت 7.85/10 وبمرتبة 28 عالميًا، بما يعكس استمرار الإقامة داخل “الديمقراطية المعيبة” بدل العودة إلى نموذج “الديمقراطية الكاملة". 

قراءة “السلم الحضاري” هنا لا تتوقف عند صندوق الاقتراع وحده، بل عند منسوب الثقة العامة، واستقرار قواعد تداول السلطة، وقابلية النظام على احتواء الاستقطاب من دون تهديدات وجودية، لذلك يصبح المؤشر علامة على اهتزازٍ في قيمة “الثقة” و“السلام الأهلي” و“المسؤولية” داخل الدولة القائدة للنظام العالمي، لا مجرد رقمٍ إحصائي.

2) الموقف من حرب الإبادة في غزة

من زاوية الدولة الحضارية الحديثة، الامتحان ليس “التعاطف الخطابي” بل السلوك العملي: ما الذي يُفعل لوقف القتل الجماعي وحماية المدنيين وفرض قيود أخلاقية وقانونية على أدوات الحرب. في سلوك الولايات المتحدة خلال 2024–2025 تبرز مفارقة مركبة: ضغطٌ متقطع لتحسين نفاذ المساعدات الإنسانية، يقابله استمرارٌ في الدعم العسكري وعدم الذهاب إلى حدّ ربط المساندة بشروط توقف الحرب أو تضمن حماية المدنيين بصورة ملزمة.

وعلى مستوى المؤسسات الدولية، تُظهر وثائق الأمم المتحدة أن الجمعية العامة تبنّت قرارًا يطالب بوقف إطلاق نار فوري ودائم في غزة في ديسمبر 2024، وهو مسارٌ يعكس المزاج الدولي العام باتجاه وقف الحرب، بينما بقي الدور الأميركي موضع جدل واسع بسبب الفجوة بين الدعوات الإنسانية وبين استمرار الإمداد العسكري والسياسي.

حضاريًا، هذا النوع من المواقف يخصم من قيم “العدالة” و“السلام” و“المسؤولية”، لأن معيار الحضارة الحديثة في النزاعات هو حماية الإنسان أولًا، لا إدارة الحرب كملف نفوذ أو توازنات داخلية.

3) اعتقال الرئيس الفنزويلي

 اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته بعملية عسكرية أميركية داخل كاراكاس (3 يناير 2026)، ليست “حادثة أمنية” بل انقلابٌ على فكرة السيادة وعلى قاعدة حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، لأن نقل رئيس دولة لمحاكمته في دولة أخرى عبر قوة عسكرية أجنبية يقترب من نموذج “الشرطة الإمبراطورية” لا نموذج “القانون الدولي”، وتغدو النتيجة الحضارية أخطر من الحدث نفسه: تحويل القوة إلى مصدر شرعية، والشرعية إلى ملحق بالقوة.  

خلاصة واحدة تجمع العلامات الثلاث

في ميزان الدولة الحضارية الحديثة، التراجع لا يُقاس بخصومة سياسية مع رئيس أو إدارة، بل بتغيّر السلوك العام للدولة الكبرى تجاه ثلاث قواعد: نزاهة الديمقراطية الداخلية (الثقة وتداول السلطة)، والانحياز لحماية المدنيين في الحروب (العدالة والسلام)، واحترام سيادة الدول ومرجعية القانون الدولي (المسؤولية). حين تتراجع هذه القواعد معًا أو يتسع التناقض بينها وبين ممارسة القوة، يصبح الحديث عن “تراجع في السلم الحضاري” توصيفًا لِما يطرأ على صورة أميركا كحاملة للقواعد، لا كدولة قوية فحسب.

اضف تعليق