كان ليث ومحمد صديقين مقربين من أيام الطفولة، لا يفترقان أبدا، الى أن التحقا معا بكلية القانون، وكان ليث متفوقا بخلاف محمد الذي نجح بصعوبة وبمعدل بائس، وبعد التخرج بدأت رحلة البحث عن وظيفة، وبعد أشهر طويلة من البحث والمراجعة، توظف ليث في وزارة التربية، وكذلك تحصل صديقه محمد على تعيين في الأمانة العامة لرئاسة الوزراء، لكن عبر واسطة، فعمه هو احد المنتمين لحزب مهم.

بعد سنة من التوظيف، كانت حياة ليث جحيم لا يطاق! فالراتب بائس، مع أن العمل الذي يقوم به ليث كبير جدا، وهو ما زال يحلم بسيارة بسيطة تساعده على التنقل، وان يتحقق حلمه بقطعة ارض ملك، فهو الى اليوم يسكن في بيت ايجار، أما محمد فتحصل على قطعة ارض بمكان مهم، وراتبه خيالي، وسافر الى خمس دول في عامه الأول، عبر ايفادات سياحية، وتحصل على سيارة دفع رباعي حديثة.

ابتعد محمد عن ليث حيث أصبح من الأثرياء ويكره العودة الى الوراء، أما ليث فموظف فقير الحال، قد فهم وبقسوة معنى الطبقية، من تصرف صديق عمره، الان ليث يفكر في العمل سائق تكسي بعد الدوام، كي ينتشل وضع عائلته فالراتب مجرد نكتة، أما محمد فيفكر بشراء بيت أخر، وهو يستعد لقضاء شهر في باريس للترفيه.

قصة تتكرر في واقعنا بسبب طبيعة النظام غير العادل الذي يحكم البلاد، والذي تسبب بجبل عظيم من الهموم والمشاكل.

● تفاصيل اللعبة الخبيثة

يمثل الموظفون فئة واسعة من المجتمع العراقي، وتحقيق العدل لهذه الفئة الكبيرة يعني تحقق منجز كبير، لكن أسست النخبة الحاكمة الطبقية بين الموظفين، عبر عدم المساواة بين رواتب الوزارات والهيئات، كي تخلق مشاكل وتباغض وتحاسد، فموظف في أمانة رئاسة الوزراء يصل مجموع المخصصات الى 600%، أما موظف وزارة التربية فكل مخصصاته هي45% والسبب فقط لان موظفي أمانة رئاسة الوزراء مقربين من السلطة الحاكمة وليس الموضوع لجهد معين أو كفاءة، وكذلك رواتب بعض الهيئات مثل النزاهة ومفوضية الانتخابات وموظفي البرلمان، فهؤلاء مفضلون للسلطة، وتصل رواتبهم من ثلاثة مليون الى خمسة مليون مع مكافآت وحوافز وايفادات وقطع أراضي وسيارات.

ولم نتطرق لموظفي السفارات والقنصليات، التي هي حكر على عوائل معينة، وحسب مقدار القرب من الساسة، ولا يوجد معيار للكفاءة أو تساوي الفرص، فكأن العراق بستان بيد النخبة الحاكمة، توزع ثماره بينهم، وتقرب من تريد فتزيد له العطاء، إما عامة الشعب فإلى جهنم، هذا هو حال منطقهم، وهكذا تفسر أفعالهم.

أما باقي الموظفين في الوزارات فكل ما يحصلون عليه لا يتجاوز الـ 150 % كحد أقصى، لكن لا حوافز ولا ايفادات ولا قطع أراضي ولا سيارات، حيث عملت النخبة الحاكمة على إذلال الأغلبية من طبقة الموظفين، ورفع الطبقة المقربة منهم مما أساء للوظيفة، وصنع شرخ اجتماعي كبير، انه وضع يشابه العصور المظلمة، التي كانت تتميز بأقلية مرفهة وأغلبية مسحوقة، الان ما يجري هو عملية سحق أغلبية الموظفين.

● ظلم المشرع هو السبب؟

ما يجري من تأسيس للطبقية هو تحت مظلة القانون، اذن القائمين على القانون يحرفون المواد القانونية حسب أهوائهم، وهذا اخطر ما يمكن أن تواجه الأمم، حيث تستند الى قانون منحرف يؤسس للخطيئة والانحراف وخلق الصراعات، فالقائمون على القانون خانوا الشعب، عبر تشريع الظلم للأغلبية من أبنائه الموظفين، بمواد قانونية فاسدة.

وهذه انتكاسة كبرى للتغيير، لان ما حصل يمثل التفاف على أي مكسب ممكن تحققه، بل يبدو أن ما يجري مجرد إكمال لما بدأه صدام بالأمس، وجاء القادة الجدد لإكمال نفس النهج لكن تحت أقنعة براقة، فهل أدركت مقدار الخبث الذي يحصل بشكل منتظم في بلدنا.

● ماذا ننتظر في المستقبل

إذا بقي الأمر على ما هو عليه اليوم من ظلم شديد، مرسوم بقانون مجحف صنعته الفئة الحاكمة لأقلية تخدمها، فان المستقبل مخيف وينذر بحدوث تفاقمات كبيرة، تخص الفئة المتخمة بالعطايا، حيث تتحول مع الوقت الى مركز مهم للفساد، لأنها مرتبطة بالنخبة الحاكمة، ويجب أن تشابهها وإلا لانقطع حبل الوصل.

لذا دوام الفساد يكون بدوام تواجد هذه الطبقة، ومن يريد القضاء على الفساد عليه تفتيت هذه الطبقة، وإلغاء القوانين الظالمة، واسترجاع كل الأموال التي صرفت بالقوانين الظالمة، مع محاسبة كل من ساهم بإيجاد هذه القوانين، التي أوجدت هذا التفاوت في الرواتب، لان من أوجدها كان ساعيا للفساد والإفساد، وثانيا العمل على خلق جو من العدل والمساواة بين طبقة الموظفين في العراق، مع تعويض طبقة الأغلبية التي عاشت سنوات من القهر والظلم.

* كاتب واعلامي عراقي

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1