امتازت دولنا المتأخرة باعتمادها على المؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية المليئة بالموظفين، ابتداءً من الحارس (الشرطي) عند الباب، ثم الاشخاص الموزعين على الغرف والقاعات والجالسين خلف الطاولات، فيما امتازت الدول المتقدمة باعتمادها المؤسسات العلمية والانتاجية والبحثية، وإن كانت هنالك دوائر حكومية فانها في خدمة هذه المؤسسات ومن يمثلها ويتخرّج منها.

هذه الاشكالية في الإدارة والحكم التي كتب عنها الكثير، وبانت مساؤها في هدر الثروة الوطنية وانتشار ظواهر خطيرة ومدمرة مثل الفساد الاداري وتفشي المظالم، لها اسباب وعومل نشوء عديدة، منها ما أشار اليه سماحة المرجع الراحل الامام السيد محمد الشيرازي – قدس سره- في كتابه "الفقه السياسة" في سياق حديثه عن "أخطاء الحكومات المعاصرة" بأن الروح الاستبدادية هي التي تقف – بين جملة اسباب- خلف وجود هذه الظاهرة في بلادنا، حيث يكون الحاكم او النظام الديكتاتوري بحاجة الى كبت الحريات والتحكّم بالقدرات العلمية والثروات، بتوسيع نطاق الدوائر الحكومية وإفساح المجال أمام اكبر عدد من الموظفين، "ذلك أن قيادات السماء لما انحسرت عن المجتمع لم تدرك موازين الحكم والادارة، فأخذت الحكومة تضيق دائرة الحريات، بتكثير المؤسسات الحكومية، وبذلك كبتت الحريات وخنقت الحركات".

جامعات تخرّج موظفين لا علماء!

ربما لا تكون للسياسات الديكتاتورية والقمعية معالم واضحة كالتي يحذر منها سماحة الامام الراحل في مؤلفه القيّم، لان المرحلة الراهنة استبدلت الديكتاتورية بالديمقراطية في بعض البلاد، بيد أن هذه التجربة الجديدة لم تحمل معها عوامل النجاح والتقدم للشعوب، إنما حملت معها سمات الفشل من العهود الماضية. مثال ذلك بقاء هاجس المورد المالي في قلوب طلبة الجامعة، وقبل ذلك، في قلوب الطلبة وهم في المرحلة الثانوية والاعدادية، فهم ينظرون الى الدرجات التي يحصلون عليها، ثم يطابقونها مع الوظائف التي يحصلون عليها، فكلما كانت الدرجة عالية والتعيين أسهل وأسرع، كان المردود المالي أضمن، أو ما يسمى في العراق بـ

"التعيين المركزي"، أما العلم فانه قيمة ضائعة في المراكز الاكاديمية – على الاغلب- سواءً لدى الطالب وايضاً لدى الاستاذ والمدرس ايضاً.

ولطالما استفزّني أحد المشرفين على جامعة أهلية، عندما تبجّح أمامي، في سياق حديثه عن نجاح جامعته، بأنها خرجت العام كذا.... عدد من "الموظفين"، وهو في إطلاقه هذه العبارة الغريبة، يعني بها خدمة المجتمع، فقد وفر للشباب فرصة عمل ومورد مالي يتمكنون من خلاله التفكير بالزواج – مثلاً- والعيش بشكل أفضل.

وهذا هو الذي يجعل عدد كبير من شبابنا من خريجي الجامعات يخرجون بـ "خُفيّ حُنين" ويكونون امام خياران أحلاهما مر، إما القبول بأعمال ومهن لا علاقة لها باختصاصهم الذي تخرجوا عليه، أو التخلّي عن الشهادة الجامعية كليةً واستبدالها بمهنة حرة في الاسواق، أو احياناً التقديم في كلية أخرى على أمل ان توفر له فرصة عمل، كما هو الحال في كليات "الإعلام" أو "القانون" على سبيل المثال لا الحصر.

النتيجة... الجمود

إن مصطلح "طالب علم" جديرٌ لأن يكون سمة لشخصية الطلبة الذين يدرسون في جامعاتنا في الحقول كافة، فالعلوم، الانسانية منها والطبيعية، لها تطبيقات عملية في واقعنا، لاسيما اللصيقة بحياتنا اليومية، والطالب الشاب الذي يضع قدمه في الجامعة، إنما يبحث عن العلم ليسد به الحاجات المتعددة في الحياة، وبذلك تتحقق الديناميكية في العلم والمعرفة، وتجد طريقها في حياة الانسان والمجتمع والامة، أما اذا كان هذا العلم والطالب ايضاً، في خدمة الحاكم والحكومة، تحت عنوان "موظف" فهو بذلك يحكم على نفسه،أو يُحكم عليه بالجمود والضياع. وهذا ما يحذر منه سماحة الامام الراحل في مؤلفه المشار اليه، حيث يرى في الموظف في بلادنا بمنزلة "الحجرة الصلد" الملقاة وسط الشارع، وتكون عثرة في الطريق، بدلاً من أن تكون جزءاً مفيدا من هذا الطريق العام.

كيف يكون ذلك؟

إن حملة الشهادات الجامعية أنفسهم ليسوا المسؤولين المباشرين والوحيدين عن تخلّف بلادهم وعدم استثمار الكفاءات والقدرات العلمية لديهم، ولو انه ليس التبرير المقبول الذي يسوقونه لاستمراء الواقع والاستفادة منه، إنما هنالك النظام الحاكم والمنهج المتبع من قبل أهل الحكم، ولذا فان بلادنا تهتم بالعلماء وطلبة الجامعة، وتنفق الاموال الطائلة وتأتي بالاساتذة وتشيد المباني الضخمة وغير ذلك، ثم تتباهى بوجود الأطباء والمهندسين والحقوقيين وغيرهم، بيد أن هذا لا يلبي الطموح الكبير للشعب والامة لسببين:

الاول: أن الرفاهاية التي يحققها الطبيب والمهندس وغيرهما لا تعمّ جميع ابناء المجتمع، او الغالبية العظمى منه، كما هو في الدول المتقدمة، إنما يكون لفئة معينة، ممن يدفع أكثر – مثلاً- فهنالك شعور لدى الكثير ممن يعملون في دوائر الدولة بأن المواطن يجب ان لا يتوقع الكثير منهم ضمن الدوام الرسمي، وإن طلب شيئاً عليه أن يراجعه في عيادته الخاصة – مثلاً- او مكتبه الخاص وغير ذلك! وبذلك يكون هذا الموظف المتخرج من الجامعة، مرفهاً على حساب معاناة حرمان الغالبية العظمى من الناس.

الثاني: تحجيم قدرات العلم في تحقيق الرفاهية للناس، فأينما يممت وجهك في الشارع أو في أي مكان وجدت الحاجة الى التطوير والتغيير في قطاع الخدمات والانتاج والعمران، بيد أن الملاحظ اكثر من أي شيء آخر، هو البطء الشديد والقاتل في جميع المشاريع العمرانية مع غياب مريب للمشاريع الانتاجية، وهو ما نلاحظه في العراق على وجه التحديد.

هذا الجمود والتقوقع، ربما يتحول عند البعض الى حالة مستحسنة لانها تحقق موارد ومصالح معينة، لذا نجد احياناً الرفض لأي تغيير او تحرك للإصلاح ومحاربة ا لفساد، وهو ما يجب أن يكون طالب العلم المقدام نحوه والمبادر اليه لكسر الجمود وإضاءة طريق التطور والتقدم بالعلم الذي يحمله عندما يتحول الى خبرات وتجارب تتجاوز في قدرتها جدران الدوائر الحكومية الى حيث ميدان العمل والانتاج والتطوير.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0