التجارة هي ممارسة أعمال البيع والشراء لغرض الربح، سواء أكان ذلك على صعيد التجارة الداخلية؛ أي ضمن حدود الدولة الواحدة، أو على صعيد التجارة الخارجية، أي التجارة مع الدول الأخرى. ولكن ليست كل تجارة مشروعة في قوانين الدول؛ كما ليست كل تجارة مشروعة في القانون الإسلامي. فهناك تجارة مشروعة؛ وهناك تجارة غير مشروعة.

فلماذا انقسمت التجارة إلى تجارة مشروعة؛ وأخرى غير مشروعة في نظر القوانين والقانون الإسلامي؟ وماهي التجارة المشروعة في قوانين الدول وأنظمتها التجارية؟ وماهي التجارة غير المشروعة في نظر الشريعة الإسلامية؟ وماهي الأسباب التي دعت العديد من التجار أن يعدلوا عن التجارة المشروعة إلى التجارة غير المشروعة؟ وماهي الأضرار التي يمكن أن تصيب الأفراد والمجتمع جراء ممارسة التجارة غير المشروعة؟ وكيف يمكن الحد من هذه التجارة في ضوء قلة فرص العمل؟

تعرف التجارة غير المشروعة أنها (أنشطة اقتصادية مخالفة للقوانين والأنظمة التي تحددها الدولة، وهي أنشطة تنتج سلعاً وخدمات غير مشروعة تحرمها القوانين في معظم دول العالم). وعٌرفت أيضاً (أنها مجمل النشاطات غير المسجلة إدارياً، وهي عمليات غير قانونية، مالية، أو غير مالية، تتم بالمخالفة لقوانين ولوائح ونظام الدولة، وتمارس خفية، وبعيداً عن رقابة السلطات الرسمية).

وعلى ذلك؛ فالتجارة غير المشروعة من وجهة نظر القوانين التجارية هي التجارة التي تنحصر في الأنشطة التجارية المخالفة لقوانين البلدان التي تتم فيها تلك الأنشطة، بمعنى أن التشريعات الخاصة ببلد معين هي التي تحدد قائمة النشاطات التجارية المشروعة أو غير المشروعة. وبناء على ذلك؛ هناك اتفاق بين معظم الدول على تسمية قائمة الأنشطة التجارية غير المشروعة إلا أن ذلك لا يمنع من حيث المفهوم من وجود نشاطات تجارية غير مشروعة في بعض الدول، وفي نفس الوقت تعد نشاطات تجارية مشروعة في دول أخرى مثل (تجارة الخمر وتجارة القمار)، إذ المرجع في تحديد ذلك هو التشريعات الخاصة بتلك البلدان.

وتشمل قائمة المواد التي يتم الاتجار غير المشروع بها طائفة واسعة من الحقول، ابتداء من النفط وصولاً إلى التهرّب من الضرائب، وما بينهما، فهناك الاتجار بالبشر؛ والمخدّرات والمؤثرات العقلية؛ والتبغ ومنتجاته؛ والأدوية؛ والأعضاء البشرية؛ والآثار والممتلكات الثقافية؛ والأسلحة والذخائر؛ والصيد غير المشروع؛ وتهريب المهاجرين واللاجئين؛ والبضائع المزيفة؛ والأحجار الكريمة؛ والأخشاب؛ والأسماك؛ والفنون؛ والسيارات؛ والإرهاب؛ والدين؛ والملكية الفكرية؛ والنفايات؛ وغسل الأموال؛ وتمويل الإرهاب إلى شبكات الدعارة والتجارة بالنساء والأطفال.

وقد جاء في كلمة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان بمناسبة الألفية الثالثة في الإعلان التاريخي (إن الاتجار بالأشخاص خصوصاً، النساء والأطفال من أجل تشغيلهم بالسخرة، وفي العمل الاستغلالي بما فيه الاستغلال الجنسي، هو من أفظع انتهاكات حقوق الإنسان التي تواجهها الأمم المتحدة الآن، وهو واسع الانتشار ومتزايد، ويكمن أصله في الظروف الاجتماعية والاقتصادية السائدة في البلدان التي ينتمي إليها الضحايا).

أما في الإسلام؛ فان الشريعة الإسلامية حثت على التجارة؛ لأنَّها من أفضل طرق الكسب التي يعتمدُ عليها الإنسان لجلب رزقه. فذلك قولة تعالى:} إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُم وقوله عز وجل: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا. وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُم".

وعن أمير المؤمنين علي أبن أبي طالب (عليه السلام): اتّجروا بارك الله لكم، فإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ الرزق عشرة أجزاء: تسعة في التجارة وواحدة في غيرها (وعنه أيضا أنّه قال: من توفيق الحرّ اكتسابه المال من حلّه) وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): تعرّضوا للتجارة فإنّ فيها غنىً لكم عمّا في أيدي الناس).

إلا أن التجارة ليست مشروعة مطلقا في نظر الشريعة الإسلامية، بل إن الشريعة الإسلامية وضعت مجموعة من الضوابط التي ينبغي التقييد بها لتكون التجارة تجارة مشروعة على وفق القانون الإسلامي، وإلا فهي تجارة غير مشروعة؛ ويعاقب عليها التاجر في حياة الدنيا وحياة الآخرة. فقد جل القانون الإسلامي مجال التجارة محصورا في مجال الطيبات وحرم التجارة في مجال الخبائث، فقد قال تعالى: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).

والطيبات هي الأمور المستحسنة في ذاتها، من أطعمة طيبة مريئة، هنيئة، لَا تفسد الأجسام ولا تضر العقول، ولباس حسن من غير إسراف ولا مخيلة، ولذَّات طيبة في حدود الخُلق والمروءة، وتصرفات طيبة لَا اعتداء فيها، ولا نكث وخيانة، وغير ذلك مما هو طيب في ذاته، وحصل عليه بطريق طيب أحله الله تعالى، ولا اعتداء فيه، ولا اغتصاب. وأما الخبائث فهي الأشياء الخبيثة في ذاتها التي تضر الأجسام، كالخنزير والميتة والدم المسفوح أو تضر العقول كالخمر، أو تلقي بالعداوة بين الناس كالميسر والبغضاء، أو الاعتداء على حق غيره بالسرقة والاغتصاب أو القتل، فكل هذه خبائث تدخل في باب الفحشاء والمنكر والبغي، وكذلك أكل أموال الناس بالباطل كالربا ونحو ذلك...

وبناء على ذلك؛ فإن للإسلام منهج متكامل في التشريع، فهو عندما يحرم استهلاك سلعة يحرم إنتاجها، وعندئذ يحرم تداولها والاتجار بها، لذلك فإن المقصد الشرعي من تحريم التجارة بالسلع المحرمة والضارة هو إخراجها بشكل نهائي من دائرة التداول في الاقتصاد الإسلامي. والتشريع الإسلامي عندما يغلق أبواب الحرام فانه يوجه الناس نحو أبواب الحلال، لذلك فإن تحريم بعض أنواع التجارة مقصده توجيه النشاط التجاري نحو المباح والنافع منه.

وسواء كانت التجارة غير المشروعة في قوانين الدول أو في القانون الإسلامي فان لها آثار سلبية كبير على المجتمعات البشرية، وعلى تنمية الدول وتقدمها، لاسيما المجتمعات الإسلامية والعربية، التي أضحت التجارة غير المشروعة سمة بارزة من سماتها، وعليه أصبح اقتصادها المنهك أصلا أكثر ضررا من غيره. فقد بيت إحدى الدراسات: إن العالم العربي من أكثر دول العالم معاناة وأضراراً من آثار التجارة غير المشروعة، وقد بلغت خسارته للفترة بين عام 2003 وحتى عام 2012 نحو 739 مليار دولار أمريكي، وإن ما بين 8% إلى 15% من الدخل القومي يندرج في إطار التجارة غير المشروعة، وخلال الفترة المذكورة، فإن العراق وحده خسر نحن 89 مليار دولار، علماً أن نحو 7-10% من مجموع التجارة العالمية، كان ضمن التجارة غير المشروعة، ويشكّل حجمها هذا رقماً مخيفاً على المستوى العالمي حيث بلغ ضمن الأرقام التقريبية نحو 650 مليار دولار، علماً أن هناك سرّية غير قليلة، تلفّ أنواعاً مختلفة من التجارة غير المشروعة.

ولعل من آثارها أن التجارة غير المشروعة لا تساهم في دعـــــــــــم الميزانية الحكومية، بل على العكـــــــــس تسبب في عجزها، إذ معروف أن الميزانية الحكومية السنوية تعتمد على الإيرادات والنفقات العامة، وحتى تكون الحكومة قادرة على تغطية النفقات لا بد من تعظيم حجم إيراداتها، والتي تعد الضرائب والرسوم جزءاً منها، وبما أن فرض الضرائب يكون على الأنشطة المشروعة؛ فإن زيادة العبء الضريبي ستكون على عاتق أصحاب الأنشطة المشروعة، في حين يبقى أصحاب الأنشطة غير المشــــــــــــــــــروعة يمارسون أعمالهم دون تحمل أية ضرائب.

وكذلك تعمل التجارة غير المشروعة على توزيع الدخل بشكل عشوائي، حيث تزداد دخول أصحاب هذه التجارة، ويصلون إلى حد الثراء بالشكل الذي لا يتناسب مع حجم ما يبذلونه من أعمال، في حين أن أصحاب التجارة المشروعة يحققون دخولاً تتناسب مع حجم جهدهم المبذول، فيسود بذلك مجتمع ذو فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، وعدم العدالة في توزيع الدخول. ويشجع ذلك الأفراد للتوجه إلى الأنشطة غير المشروعة من أجل الحصول على معدلات عائد أكبر منها لأنهم لا يتحملون تكلفة الضرائب الموجودة في الاقتصاد. وهذا يتعارض مع مقصد الشريعة الغراء المتمثل بتحقيق العدالة، ويعيق سياسة الإسلام في إعادة توزيع الدخل والثروة؛ بسبب إخفاء الدخول غير المشروعة.

هذا فضلا عن أن عمليات شراء السلع غير المشروعة يؤدي إلى هروب العملة الوطنية إلى الخارج، وزيادة الطلب على العملات الأجنبية، فيقل حجمها في البنوك المركزية، وبذلك تنخفض قيمة العملة الوطنية مما يضطر الحكومة للجوء إلى المديونية من أجل شـــــــــــــــــــراء سلعهـــــــــــــا الأساسية، كما أن هروب العملة الوطنية يمثل تسرباً لجزء من الدخل القومي، وبالتالي انخفاض الادخــــــــــــــــــار، ومن ثم الاستثمار.

وإذا ما كان الأمر كذلك، فلابد أن تسعى الدول إلى الحد من انتشار ظاهرة التجارة غير المشروعة، وهي لا تقتصر على تجارة المواد غير المشروعة على التجارة الممنوعة أصلا مثل (تجارة الأسلحة والمخدرات والخمر وغيره) فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى التجارة والمهن والأعمال التي يقوم بها الأفراد والجماعات المنظمة من دون الحصول على موافقات رسمية تجيز ذلك العمل، ويخضع للرقابة الصحية والمالية من أجهزة الدولة المختصة، لأن مثل هذه الأعمال قد تألف موردا مهما من موارد البلد، وتنظيمها ومراقبتها قد يدفع تجاه المحافظة على هذه المهن ودعمها والاستفادة منها على نطاق واسع. لذلك فان أهم ما يمكن أن تقوم به مؤسسات الدولة للحد من أنشطة التجارة غير المشروعة هي:

1. أن تعمل أجهزة الدولة المختصة بموضوع الأنشطة التجارية الداخلية والخارجية على دعم جميع الأنشطة التجارية المشروعة، سواء من خلال تخفيض نسبة الضرائب والرسوم أو من خلال سن تشريعات تيسر التجارة داخل البلاد وخارجها، لأن من شأن إجراءات الدعم تعزيز التجارة المشروعة والحد من التجارة غير المشروعة.

2. تشديد الإجراءات القانونية في المنافذ الحدودية مع دول الجوار، ومحاسبة التجار غير الشرعيين، ومكافئة وحدات إنفاذ القانون عن مسك أي عملية تجارية غير مشروعة.

3. في إطار السيطرة على التجارة غير المشروعة على الأجهزة المختصة أن تضع في حساباتها عدة اعتبارات في التعامل معها، أولها: إن التجارة غير المشروعة تتحرك بدافع تحقيق مكاسب مالية ضخمة، وليس نتيجة القصور الأخلاقي فقط. ثانيا، تشكل هذه التجارة ظاهرة سياسية فلا يمكن أن تتقدم وتنمو دون مساعدة من شركاء في حكومات يتقلدون مناصب رفيعة فيها. ثالثا: هذه التجارة ترتبط بالمعاملات أكثر مما تدور حول المنتجات، وبدلاً من محاربة كل شكل من أشكال هذه التجارة بشكل مستقل، من الأفضل أن نفكر في التجار غير الشرعيين ونعمل على محاسبتهم، حسب الدور الذي يقومون بتنفيذه، من مستثمرين، ومديري بنوك، ورجال أعمال، وسماسرة، وجهات نقل، وأصحاب مخازن. الخ.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6