بقلم: جون برندرغاست

واشنطن، العاصمة ــ إن جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19) أشبه بقنبلة زمنية موقوتة في أفريقيا. الواقع أن بعض المخاطر موثقة على نطاق واسع. فأنظمة الرعاية الصحية ضعيفة ومُـثـقَـلة بما لا تطيق، حيث أوردت تقارير أن عشرة بلدان في أفريقيا ليس لديها أجهزة مساعدة تنفس على الإطلاق. والإمدادات الغذائية غير مستقرة، وتعاني بالفعل من ارتباكات كبرى. وأكثر من 18 مليون شخص لاجئون أو نازحون داخليا، مما يجعلهم عُـرضة للخطر بشكل خاص. لكن هناك عقبة أخرى كبرى أمام الاستجابات الـفَـعّـالة لجائحة كوفيد-19 كانت موضع تجاهل إلى حد كبير: والتي تتمثل في الفساد المنتشر على نطاق واسع.

يسعى المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لمساعدة أفريقيا في مكافحة الجائحة. فقد عَـلَّـق صندوق النقد الدولي سداد أقساط ديون 25 دولة (أغلبها أفريقية) للأشهر الستة المقبلة. وتعمل مجموعة البنك الدولي على إتاحة حزمة تصل إلى 12 مليار دولار من الدعم الفوري لإعانة البلدان النامية على التعامل مع الفاشية. وسوف تُـخَـصِّـص المليارات من دولارات المساعدة لأفريقيا.

ومع ذلك، وفقا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن ما يصل إلى 25% من تمويل المشتريات العالمية يُـفـقَـد بسبب الفساد. مثل هذه الخسائر منتشرة في العديد من البلدان الأفريقية، حيث يستغل مسؤولون حكوميون كبار والمتعاونون معهم دوليا السياسة والموارد العامة لإثراء أنفسهم.

حتى الأدوية الممنوحة للفقراء سُـرِقَـت وأعيد بيعها من أجل الربح. وكانت عقود المشتريات الحكومية موضوع تلاعب وإساءة استخدام. هذا فضلا عن تحويل أموال المساعدات الخارجية إلى حسابات خاصة. في أواخر شهر مارس/آذار، صَـدَر حُـكم في حق وزير الصحة الأسبق في جمهورية الكونغو الديمقراطية بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة بعد إدانته باختلاس أكثر من 400 ألف دولار أميركي من أموال جمهورية الكونغو الديمقراطية المخصصة للاستجابة لفاشية إيبولا.

لكن أغلب المسؤولين وقادة الأعمال الفاسدين لا يرون زنزانة السجن من الداخل أبدا. فإن سرقة أموال السكان الضعفاء هي من منظورهم العمل المعتاد، ونظرا لعلاقاتهم القوية فإن العقاب هو أبعد شيء عن أذهانهم غالبا.

ولعل هذا يصدق بقدر أكبر من الوضوح أثناء أزمة كوفيد-19، لأن القيود المفروضة على الحركة والتنقل وعمليات إغلاق المكاتب والهيئات الحكومية تسببت في عرقلة وتعجيز عمل مكافحة الفساد الذي تقوم به الهيئات الرقابية، والناشطون، والصحافة. وإذا لم يتخذ إجراء عاجل لمعالجة هذه المشكلة، فقد تواجه العديد من البلدان الأفريقية معدلات وفاة أعلى كثيرا، ليس فقط بسبب كوفيد-19، بل وأيضا نتيجة لعدم كفاية الدعم الاقتصادي وسبل الحماية الاجتماعية.

يتوقف تجنب هذه النتيجة على التهديد الجدي بالعقاب لكل من يُـضـبَـط وهو يسرق الأموال العامة أو يتسبب بطريقة أخرى في عرقلة جهود الاستجابة لكوفيد-19 لتحقيق مكاسب شخصية. ما يدعو إلى التفاؤل أن الآليات اللازمة لفرض مثل هذه العقوبات موجودة بالفعل: مجموعة من السياسات المالية الصحيحة المجربة من قِـبَـل الحكومات، والمؤسسات المتعددة الأطراف، والبنوك في مختلف أنحاء العالم.

في الولايات المتحدة، يمنح قانون ماجنيتسكي العالمي للمساءلة بشأن حقوق الإنسان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة سلطة فرض عقوبات على كل من يتورط في أعمال فساد في القطاع العام. وتندرج سرقة، أو تحويل، أو عرقلة الموارد المخصصة للاستجابة لأزمة كوفيد-19 تحت هذه الفئة تماما.

يتمتع مكتب مراقبة الأصول بنفوذ عالمي حقا: فنظرا للمكانة العالمية العالية التي يتمتع بها الدولار الأميركي، فإن الغالبية العظمى من المعاملات المالية الدولية تمس النظام المالي الأميركي. ونتيجة لهذا، يستطيع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أن يعزل فعليا كيانات بعينها عن النظام المالي الدولي.

كما تستطيع شبكة إنفاذ قوانين مكافحة الجرائم المالية ــ المكتب التابع لوزارة الخزانة والمكلف بمكافحة غسل الأموال على المستويين المحلي والدولي، وتمويل الإرهاب، وغير ذلك من الجرائم المالية ــ أن تلعب دورا رئيسيا في هذا الصدد. يقوم مستشارو شبكة إنفاذ قوانين مكافحة الجرائم المالية بإعطاء البنوك الإرشادات حول إعداد التقارير عن الأنشطة المشبوهة، والتي يمكن أن تستخدمها وحدات الاستخبارات المالية لمتابعة التحقيقات في ادعاءات الفساد. وخلال أزمة كوفيد-19، من الممكن أن تقوم شبكة إنفاذ قوانين مكافحة الجرائم المالية بإصدار استشارات خاصة بمكافحة غسل الأموال، وتحذير البنوك في مختلف أنحاء العالم لتعزيز الإجراءات الواجبة في ملاحقة المعاملات المالية المشبوهة المرتبطة باستجابات الصحة العامة الطارئة.

على نحو مماثل، تستطيع البنوك العاملة في أفريقيا أن تعمل بشكل مستقل على تعزيز الأطر التي تستخدمها لتقييم المخاطر وفحص المعاملات، من أجل الكشف عن الأنشطة المشبوهة في تدفقات التمويل المرتبطة بالجائحة. وبما أن البنوك تقوم بالفعل بالكشف عن الجرائم المالية، فليس عليها إلا أن تعمل على توسيع نطاق تركيزها ليشمل الأنشطة المشبوهة التي يتورط فيها مسؤولون حكوميون كبار، والشركات العاملة في مجال تدبير مشتريات الصحة العامة، وقطاع الصحة في عموم الأمر.

ومن الممكن أن تتعاون مجموعة إجمونت التي تتألف من وحدات الاستخبارات المالية العالمية، والتي تنتمي شبكة إنفاذ قوانين مكافحة الجرائم المالية إلى عضويتها، للتحقيق في تحويلات أموال الصحة العامة من قِـبَـل جهات فاسدة. ورغم أن الأموال المسربة تعبر الحدود عادة، فإن اتفاقيات تبادل المعلومات التي تبرمها مجموعة إجمونت تساعد في التغلب على هذه العقبة، مما يسهل التحقيقات الدولية.

في الوقت ذاته، يتعين على الحكومات والمؤسسات المالية أن تبذل المزيد من الجهد لدعم منظمات المجتمع المدني الأفريقية، والشركات المسؤولة، والمسؤولين المهتمين الذين يدقون نواقيس الخطر ويشيرون إلى الفساد. وسوف تساعد الأدلة التي تجمعها هذه الجهات الفاعلة في تسهيل اتخاذ الإجراءات القانونية ضد شبكات المسؤولين ورجال الأعمال الفاسدين.

الواقع أن هذه الحلول ليست مجرد أفكار نظرية: فقد استخدمت بالفعل في جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت النتائج مشجعة. جَـمَـع تاجر الماس الإسرائيلي دان جيرتلر الملايين بنهب الموارد الطبيعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية بفضل صفقات عقدها مع مسؤولين فاسدين، ثم قام بغسل الأموال عبر النظام المصرفي الدولي. لكن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على جيرتلر وشبكته العالمية ــ بعد أن استعانت بملفات التحقيقات التي أجرتها منظمة "الرقيب" (The Sentry) التي اشتركت في تأسيسها مع جورج كلوني، وتقارير صادرة عن منظمة الشاهد العالمي، وعمل صحافيين استقصائيين.

في جنوب السودان، ساعدت تقارير رسمية بشأن مكافحة غسل الأموال صادرة عن حكومة الولايات المتحدة وحكومة المملكة المتحدة في جعل عمليات نقل عائدات الفساد عبر النظام المالي الدولي أصعب كثيرا. الواقع أن العقوبات التي فُـرِضَت على مسؤولين حكوميين رئيسيين والمتعاونين التجاريين معهم في البلاد ــ مقترنة بتدابير مكافحة غسل الأموال ــ ساعدت في دفع الأطراف المتحاربة نحو السلام.

خلال أي جائحة مَـرَضية، ينشأ إغراء التركيز على حماية الصحة العامة وتعزيز التعافي الاقتصادي وحسب. لكن الفشل في مواصلة ــ بل وحتى تكثيف ــ الكفاح ضد الفساد من الممكن أن يقوض هذه الجهود بشدة. ولن يتسنى لنا ضمان استجابة المسؤولين الحكوميين ونخب الأعمال لاحتياجات الناس الملحة، بدلا من التربح من بؤسهم، إلا من خلال فرض عواقب ذات مصداقية يتحملها كل من ينخرط في ممارسات فاسدة تفضي إلى تعطيل أو عرقلة الاستجابات لجائحة كوفيد-19.

* جون برندرغاست، مؤسس مشارك مع جورج كلوني من (الحارس The Sentry)
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8