لا خلاف على أن الفساد ظاهرة منتشرة في جميع البلدان والمجتمعات، بهذا القدر أو ذاك، ومن المعروف كذلك أن الفساد لا يقتصر على قطاع بعينه دون غيره، فالفساد يـمكن أن يكون موجودا في القطاع العام كما في القطاع الـخاص أو القطاع الأهلي، وإن كانت فرص وجوده في القطاع العام أكثر من غيرها؛ وذلك بسبب كبر حجم القطاع العام، وكثرة عدد الموظفين العاملين فيه. وغالبا ما يشترك في الفساد أشخاص من القطاع العام. وأشخاص من القطاع الـخاص.

وقد عرف البنك الدولي الفساد على أنه (دفع رشوة أو العمولة المباشرة الى الموظفين والمسؤولين في الحكومة، وفي القطاعين العام والخاص لتسهيل عقد الصفقات) وقد يعرف الفساد على أنه(سلوك يمارسه صاحب منصب أو وظيفة عامة أو ما في حكمهما، مستغلا به سلطته الممنوحة له بموجب موقعه الوظيفي الذي ينتخب أو يعني فيه شخص، ويتمتع بموجبه بصلاحية ممنوحة له في اتخاذ قرار في إدارة شأن عام لتحقيق مصلحة خاصة على حساب المصلحة العامة، ولا تقتصر المصلحة الخاصة على المنفعة الذاتية للشخص نفسه، وإنما تمتد لتشمل منفعة جامعته التي ينتمي إليها من عرق أو دين أو لون أو جنس أو انتماء سياسي أو مناطقي).

إن الفساد الإداري والمالي هو مرض في جسد المجتمع وهو يعرقـل جهـود التنمية ويحد من الاستثمار من الجانب الاقتصادي، كما يؤثر من الجانب السياسي أي يضعف الديمقراطية وتداول السلطة في غياب الشفافية، فكم من دولة عجـزت من تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي بفعل استشراء الفساد بدواليب الـسلطة رغـم توفر مقومات النمو أحيانا كالموارد الطبيعية، وكذلك يضر بالمؤسسات والمنشئات التي تلعب دورا أساسيا في تطور مختلف القطاعات الاقتصادية وذلك بفعل غيـاب المنافسة الشريفة والشفافية المطلقة في المعاملات وانعدام المساواة.

يـمكن تقسيـم الفساد إلى نوعين هما: الفساد الصغير، والفساد الكبير، ولا يتم التصنيف بين الفساد الكبير والفساد الصغير حسب حجم المال أو المصلحة التي شملها، بل يتم على أساس المضمون والطرف الذي يقوم به. فالفساد الصغير: عادة ما تتم بقبض الرشوة من أجل تقديـم الـخدمة الاعتيادية المشروعة والمقررة، والرشاوى الصغيرة التي يتقاضاها الموظفون الصغار، وبعض المسؤولين الحكوميين من ذوي الرواتب المحدودة، نتيجة القيام بتسهيلات للـحصول على تراخيص. كذلك يدخل ضمن تعريف الفساد الصغير الـحصول على مواقع للأبناء والأقارب في الـجهاز الوظيفي، وفي قطاع الأعمال. دون أن يكون هناك حاجة لهذه الوظائف، أو دون وجود منافسة كما يقتضي القانون.

أما الفساد الكبير: فهو ما يقوم به كبار الموظفين المسؤولين عن منح التراخيص أو الامتيازات أو الأذونات أو أشخاص لهم علاقة بالعطاءات والمشتريات العامة، وعادة يشغلون مناصب متنفذة أو من الوزراء أو رؤساء الدول أو المحيطون بهم، وعادة لهم تأثير في تخصيص الأموال العامة للاستخدام الـخاص، واختلاس الأموال، وتلقي الرشاوى لمنح الامتيازات والعطاءات العامة لـجهة محددة. ويرتبط الفساد الكبير بالقدرة على التأثير على اتخاذ القرارات، مثل قرارات إنشاء المشروعات الاقتصادية وإرساء المناقصات والعطاءات.

ومن خلال التجارب الدولية في هذا المجال، يـمكن تحديد معايير وخصائص، غالبا ما تترافق مع الفساد الكبير. من ذلك أن يكون حجم الصفقة كبير بحيث يغري هؤلاء الكبار من الموظفين والوزراء، ورؤساء الدول، كذلك سرعة الـحصول على عائد. ومن اللافت أيضا في حالة الفساد الكبير وجود وسيط أو وكيل، حيث لا يتم التعامل مباشرة بين مقدم الرشوة، والمسؤول الـحكومي الكبير، بل باستخدام وسيط، ولذلك فإن استخدام وسيط أو وكيل في عمليات الفساد من أكثر العوامل التي تغذي آلة الفساد الكبير في العالم.

يجدر القول إن هذا التقسيـم للفساد بين صغير وكبير لا يعني أن أحدهما أكثر خطورة أو أهمية من الآخر، أو أنه يـمكن القبول بأي منهما أو التغاضي عنه، فكل منهما، ولو على حدا، يـمكن أن يؤدي إلى انهيار كلي في مرتكزات الدولة وأسسها البنيوية. قد يستشري الفساد الصغير، مثل الواسطة والمحسوبية، إلى درجة لا يـمكن معها السيطرة عليه، وقد يكون موجودا بشكل خفي أو غير معروف، لعدم وضوحه بشكل مباشر، ولكنه ينتشرُ كالداء المعدي، فيؤدي إلى آثار فتاكة من خلال التلاعب بالقواعد الشرعية وتعطيلها، ومنع انتهاجها والسير وفقها.

أما الفساد الكبير فهو قادر على القضاء على المجتمع بأكمله؛ لأنه يطال جميع مقدرات المجتمع الموضوعة بيد من يتحكمون به من الذين امتهنوا الفساد لمصالح شخصية تؤدي إلى إفقار المجتمع، وتعطيل قدراته، وتعود به إلى الانحطاط والتأخر. كذلك قد يكون معيار اهتمام الرأي العام هو أحد معايير التفرقة بين الفساد الصغير والفساد الكبير فتكون القضية من قضايا الفساد الكبير متى ما كانت محل اهتمام الرأي العام، بغض النظر عن كون مرتكب الفساد موظف كبير أم موظف صغير، وبغض النظر عن أنها مبالغ كثيرة أم قليلة.

تتعدد الأشكال والصور التي يظهر فيها الفساد في حياة المجتمعات، ولا يـمكن حصر هذه المظاهر بشكل كامل ودقيق، إذ تختلف باختلاف الـجهة التي تمارسه أو المصلحة التي يتم السعي إلى تحقيقها. فقد يـمارس الفساد فرد، وقد تمارسه جماعة، أو مؤسسة خاصة، أو مؤسسة رسمية أو أهلية، ّوقد يهدف إلى تحقيق منفعة مادية أو مكسب سياسي أو اجتماعي. وقد يكون الفساد فردي يـمارسه الفرد بمبادرة شخصية ودون تنسيق مع أفراد آخرين أو جهات أخرى. وقد تمارسه مجموعة بشكل منظم ومنسق، ويشكل ذلك أخطر أنواع الفساد؛ فهو يتغلغل في كامل بنيان المجتمع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وبشكل عام يـمكن تحديد مجموعة من الصور والأشكال التي يظهر فيها الفساد وتشمل هذه المجموعة: المحسوبية، والمحاباة، والواسطة، والاستغلال الوظيفي، وإهدار أو اختلاس المال العام، والرشوة، وغسل الأموال، وتضارب المصالح.

تتعدد الأسباب الكامنة وراء بروز ظاهرة الفساد وتفشيها في المجتمعات، على الرغم من وجود إجماع على كون هذه الظاهرة سوء سلوك إنساني، تحركه المصلحة الذاتية، عند توافر بيئة مساعدة، يتم انتهازها من قبل هؤلاء الأشخاص. ويـمكن إجمال مجموعة من الأسباب العامة التي تشكل في مجملها ما يسمى ببيئة الفساد:

1- غياب سيادة القانون، فعند غياب سيادة القانون تنتهك الـحقوق والـحريات دون رادع، وتصادر حرية الرأي والتعبير والتنظيـم، كما يحاصر دور الصحافة ووسائل الإعلام، وتهمش الأحزاب والنقابات، وتضعف معها كل مؤسسات المجتمع. وفي غياب سيادة القانون أيضا يختل التوازن بين السلطات الثالثة: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، ويستشري الفساد الاقتصادي والاجتماعي، وبذلك يتم نسف جميع مرتكزات التنمية السياسية.

2- ضعف الـجهاز القضائي، وعدم قدرته على تنفيذ الأحكام التي يصدرها، والرقابة على القرارات الإدارية الصادرة عن السلطة التنفيذية، كما أن عدم استقلالية السلطة القضائية يفتح المجال لإفسادها.

3- ضعف الإرادة والنية الصادقة لدى القيادة السياسية لمكافحة الفساد، وعدم اتخاذها إجراءات صارمة، وقائية أو علاجية عقابية بحق عناصر الفساد، بسبب انغماس هذه القيادة نفسها أو بعض أطرافها في الفساد، وبالتالي لا يتم تطبيق نظام العقوبات على الجميع ويفلت من العقاب من لديه وساطة أو محسوبية أو نفوذ.

4- ضعف أجهزة الرقابة في الدولة وعدم استقلاليتها، بالتالي ضعف أدوات المساءلة ونظمها في قطاعات المجتمع المختلفة.

5- ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات المتخصصة بمحاربة الفساد، أو التي تعمل على التوعية بأهمية مكافحته، ومن ذلك ضعف المؤسسات الأهلية الـخاصة مثل الـجمعيات الـخيرية والمهنية، ومؤسسات البحوث المتخصصة في المشاركة في الرقابة على أعمال الـحكومة بشكل خاص، والأعمال العامة بشكل عام.

6- زيادة فرص انتشار الفساد في البلدان التي تمر في مراحل انتقالية، حيث تشهد هذه البلدان ظروفا خاصة، سواء كانت سياسية مثل الانتقال من مرحلة الاحتلال إلى مرحلة الدولة، أو ظروفا اقتصادية مثل التحول من نظام اقتصادي إلى آخر، أو ظروفا اجتماعية التي تتأثر بالظروف السياسية بشكل كبير. ويساعد على ذلك حداثة بناء المؤسسات الوطنية والقوانين أو عدم اكتمالها؛ مما يوفر بيئة مناسبة للفاسدين، وتزداد الفرص للفساد حني يترافق ذلك مع ضعف الـجهاز الرقابي في الرقابة على أعمال الموظفين في هذه المراحل الانتقالية.

ومع ذلك، ولكي تتمكن الدول من القضاء على الفساد بأشكاله وعناوينه ومظاهرة المتعددة، فأنها بحاجة إلى تفعيل الآليات الآتي:

الشفافية: تفسر معظم قواميس اللغة العربية كلمة الشفافية بالوضوح والصراحة والنزاهة وعدم الغش، أما بالنسبة للعاملين والمنظمات فتعني الشفافية السماح للآخرين بمعرفة الحقيقية دون محاولة إخفاء او تظليل المعنى أو تبديل الواقع لإظهار الأمور بصورة أفضل، وقد ساعد على ذلك انتشار الإعلام الدقيق المكثف وتوفر تكنولوجيا المعلومات لجميع أفراد المجتمع وتنامي الايمان العالمي بحق المواطن في المعرفة.

المساءلة: إن المقصود بالمساءلة هو مدى تحمل الفرد مسؤولية ما يستند إليه من أعمال وما يتبعها من مهام تطلبها تلك المسؤولية، وذلك للشروط والمواصفات التي يكون قد سبق الموافقة عليها. أو أن المقصود بالمساءلة هي إجابة الأفراد أو المؤسسات عن الأسئلة الموجهة إليهم بسبب سلوكيات غير مرغوب فيها، وتتنافى مع الأنظمة والمعايير، ولا تنسجم معها، إضافة إلى تحمل أولئك الأفراد وتلك المؤسسات المسؤوليات والتبعات المترتبة على سلوكهم. والمساءلة قد تكون مساءلة قانونية، أو مسائلة مالية، أو مساءلة أخلاقية، أو مساءلة سياسية، وتعمل المساءلة عند تطبيقها بشكل مناسب على تخليص المؤسسة من أبعاد المحسوبية، وتدفعها نحو الاستقامة والعمل وفق قواعد الجدارة وتكافؤ الفرص.

المحاسبة: المحاسبة هي آلية تأتي عادة بعد الشفافية وبعد المساءلة، وتعني المحاسبة خضوع الأشخاص الذين يتولون مناصب عامة للمحاسبة عن أعمالهم نتيجة للفحص والمساءلة من قبل المسؤولين عنهم في المناصب العليا مثل الوزراء ومن هم في مراتبهم، وتكون المحاسبة في ثلاثة جوانب وهي المتابعة القانونية: أي مطابقة تصرفات الأفراد مع بنود القانون في الأعمال التي يقومون بها، فإذا ثبت وجود تجاوز للقانون ترتب عليه ضرر جرمي، ويحاسبون وفق ما ينص عليه القانون لدى الجهات القضائية. والمتابعة الإدارية: وتعني تعرض الأفراد العاملين في المؤسسة الحكومية للفحص والمتابعة الهرم الوظيفي للمؤسسة والتقويم المستمر الذي يقوم به أفراد أعلى منهم درجة في المؤسسة أو الوزارة، ولمتابعة الأخلاقية: وتعني مقارنة الأعمال التي يقوم بها الشخص مع القيم الأخلاقية التي يجب الالتزام بها مثل: الأمانة في العمل ، والصدق في القول، والعدالة في المعاملة، وعند ثبوت تجاوز الشخص لواحدة أو أكثر من هذه الصفات الأخلاقية في عمله يستدعي محاسبته من قبل الجهات المسؤولة عنه، وفي معظم المؤسسات العامة يتم تحديد قواعد السلوك السليم أو تجنب السلوك المنبوذ في أحكام مدونة السلوك، وأحيانا يتم تحديد آليات المساءلة على مخالفتها.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2018

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0