بعد منتصف الليل من الجمعة الأخيرة في شهر ربيع الأول 1437هـ.. حيث كنت أتابع التحاليل الجديدة الواردة إلي عبر الواتساب، صعقني نبأ الحادث المروري المفجع الذي أودى بحياة غصن واعد من الشجرة الطيبة لآل الشيرازي الحافظين لحركة التنويع الفكري في الحوزات العلمية، والرافعين لمشعل الاصلاح الجذري لواقع الأمة..

ان الراحل لتوه الفقيه الجليل السيد محمد جواد الحسيني الشيرازي نموذج متكرر من اعلام هذه الاسرة التي لا تنهل الا من منابع الدين الأصيلة، أعني: كتاب الله وسنة الرسول (صلى الله عليه وآله) وسيرة أهل البيت (عليهم السلام) لذلك تمتع بشخصية متعددة الأبعاد، وواقعية فهو العالم الرباني الذي كاد أن يكون نحريراً حيث تفتق بنبوغه وهو لا زال شبلاً، فكان يدرس السطوح العليا في الحوزة العلمية في النجف الأشرف وكنت أرصد بعض مباحثاته العلمية والمس فيه العقل المفكر، واللسان الزلق، والتعمق في الطرح، مما ينم عنه: انه سائر في طريق الرقم العلمي ليصبح نموذجاً فذاً، قليل النظير، كحبه الأوحدي المجدد الثاني الامام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) وعمه الذي بهر الأسباب، وجلب الانظار الفقيه المقدس: سيدنا الرضا (رحمه الله).

الا ان المشيئة الالهية قدرت غياب هذا الغصن الواعد ليعبد طريق المجد في مسيرة هذه الأسرة الفاضلة.

الشخصية العلمية

ما ان بلغ حوالي الربيع الثالث عشر من عمره بادر جده المجدد الثاني (رحمه الله) الى تتويجه بالعمامة، وكانت خطوة مباركة ومنعطفاً في حياته، فدفعه بذلك إلى خضم الحوزة العلمية، وهو آخر من توجه جده ثم بعد قليل رحل الى الرفيق الأعلى (رضوان الله عليه) واستوعب الشاب اليافع تلك الانعطافة، واندفع الى التحصيل العلمي الجاد، بروح المثابرة والاصرار، واندمج بحلقات الدرس التي كان يتولاها عمه الرضا (رضوان الله عليه) فعب من منهله العذب الكثير، فقهاً واصولاً وأدباً وتربيةً، وكنت على اطلاع ببرنامج عمه، ومن جمة المسؤوليات عليه فكتبت حينها رسالة إليه، اؤكد له على المزيد من الاهتمام بالحلقة العلمية التي كان السيد محمد جواد عضواً فيها.

لأنني عرفت ان تلك الباقة العطرة من الشباب المتواضع سيكون لهم شأن في مستقبل هذه الاسرة المتصدية لمسؤوليات كبيرة في الاصلاح الجذري العام..

فارتقى (رحمه الله) في سلم العلوم الحوزوية، وبرع فيها الى الحد الذي بلغه، وبعد هجرته الى حوزة النجف الاشرف لازم بحوث والده المعظم سيدنا المرتضى (ارتضاه الله تعالى) وواصل مسيرة الرقي العلمي كما التزم درس سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله) وكان من المميزين في كل الحلقات التي ينتمي اليها..

في خلال حركته العلمية تمكن من آليات الاجتهاد اصولاً وفقهاً، درس مبادئها، وقواعدها، وكل ما يتصل بها، فكان (رحمه الله) على مشارف ان يصبح فقيهاً مميزاً، ليؤدي دوره في العطاء والقيادة والاصلاح، فقطع القدر عليه الطريق، ولبى نداء ربه في جوف ليل دامس وحزين من ليالي العراق المظلوم بعد ان زار جده الحسين (عليه السلام) زيارة الوداع وتوجه إلى مدينة امام المتقين علي (عليه السلام) كي يواصل المسيرة...

وهكذا احدث جرحاً جديداً وعميقاً في جسد آل الشيرازي ورجال مدرستهم.. وقواعدهم الشعبية.

الولاء ونبل الاخلاق

ان من اسس قيام الحضارات وبناء الشخصية المستقيمة والمؤثرة هو الخلق النبيل، لذلك حين اراد ربنا الجليل ان يمدح رسوله خاطبه بقوله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ).

الخلق الكريم يعطي لصاحبه قوة التأثير ويمنحه الرصيد الاعتباري، فتكبره النفوس، وتخضع له الرقاب، وتحبه القلوب حباً جماً.

هما نلمسه في شخصية الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليه السلام) وبعدهم في العلماء الأعلام الذين ساروا على نهج الرسالة ومدرسة آل الشيرازي تميزت بهذه الصفة الكريمة (نبل الأخلاق) حيث صارت تعرف بذلك.

ان حسن الاخلاق هو الاطار العام للانسان الذي يحمل عقيدة الايمان والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) وانه لو بلغ قمم الكمال لكن في خلقه سوء، يرد عليه ذلك، ويعجز عن تحمل المسؤولية.

ومما يذكر في ترجمة كل شخصية من آل الشيرازي يذكر المختصون من أهل الخبرة ان الأخلاق الكريمة متمثل باحترام الآخر والنخوة والتواضع والصبر والبشر في الوجه وقضاء الحوائج والمداراة للقاصي والداني ولين الكلام والاحسان والجودة والشجاعة... الى آخر المسلسل، هذه من مميزات هذه البيت الذي شهد له الصديق والعدو بذلك...

والراحل الجديد منهم، سماحة الاستاذ السيد محمد جواد الشيرازي كان مثالا ونموذجاً يحتذى بالاخلاق الطيبة السامية لذلك نفذ الى القلوب واحبه كل من تعامل معه..

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدّاً). محبة عميقة في القلوب هكذا.. حظى هذا الفقيد بذلك، كما حظاه من قبله سلفه الصالح (رحمهم الله تعالى).

القدوة الصالحة

ان محنة الشباب المعاصر تبدو جلية في ضياع حيث لا يدري أي طريق يسلك، كيف يبني حياته ومستقبله، لذلك فانه يسير ولكن لا يدري الى أين؟ وما الهدف السامي الذي يستحق ان يكافح في سبيل تحقيقه..

ان من يقلب صفحات حياة الراحل السيد محمد جواد يحظى بالاجابة على الاستفهامات السابقة.. لذلك فان هذا العالم الشاب هو خير قدوة صالحة لجيل الشباب المعاصر، وسيرة السيد الفقيد نبراس لمن يريد من الشباب السير قدماً الى الامام، في أي اختصاص ومن اية شريحة اجتماعية، ولأي هدف سالم يكافح، لا فرق، حيث ان السيد الراحل (كتلة قيم) تقدمية فهو ايجابي، لا يقول: لا.. ولا يثبط احداً عن أي عمل نافع، ولا يشكك احداً في مسيرته التي قطع اشواطاً منها..

وهو: شخصية تعشق العلم، وتحبه حباً جماً، لأنه كان قد عرف واستوعب كلمة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: «العلم أصل كل خير» لذلك اتكسب عليه يعب منه عباً، حتى قطع في فنون مختلفة شوطاً كبيراً، وتسنم مسؤولية التدريس لنخبة من فضلاء الطلبة، درسهم مكاسب ورسائل الشيخ الأعظم (رحمه الله تعال)..، وهما كتابان علميان تحقيقيان ودقيقان منتهى الدقة، ومن يتمكن منها، يذعن له أهل الاختصاص بالفقاهة وبلوغ مرتبة جيدة من الاجتهاد.

* وقرن العلم بالعمل الصالح، لانه يعرف ان جده المصطفى (صلى الله عليه وآله) قال: «العلم ينادي بالعمل فان اجابة والا ارتحل». حيث كان هميماً في العمل والخدمة ورعاية شؤون الطلبة وقضاء الحوائج.

* وتميز بالهمة العالية، والطموح الى الرقي لخدمة المبادئ والانسانية، فكانت شخصية نادرة، يشار اليها بالبنان.

وهذه الصفات الحيوية الفذة تستحق هذه الشخصية لتكون قدوة للشباب، وما احوج الشباب اينما كانوا ولأي شريحة انتموا، وفي أي اختصاص عملوا الى مثل هذه الشخصية المشعة حيوية وخلقاً فهو رمز مضيء، وبطل مقدام، ورسالي مضح للقيم، لذلك اندفع الآلاف من العلماء لتشييع جثمانه الطاهر الى مثواه الأخير، وكانت تظاهرة ضخمة جلبت انتباه القاصي والداني.

فاليك سلاماً ايها الجواد الفذ يوم ولدت ويوم رحلت، ويوم تبعث حياً.

وانا لله وانا اليه راجعون.

صبرا على قضائك يارب، لك الحمد يا من لا يحمد على مكروه سواه.

 

هذا.. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0