تعتقد شريحة من المثقفين أن لغة التفاؤل والأمل في مخاطبة الجمهور بمنزلة تمييع للحقائق، او إخفاء السلبيات الواجب معالجتها، بينما الحديث عن الواقع الفاسد اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فهي أداء للواجب والأمانة أمام المكتوين بهذا الواقع، وربما يتوقع البعض تكريماً على هذا الجهد لأنهم لم يخدعوا الناس، وتحدثوا بما فيه قلوبهم!

لسنا بوارد الحديث عن الدور الحقيقي للمثقف في خطابه المسموع والمقروء، فقد تفضّل في شرحه العديد من السادة الكتاب، إنما المهم لنا وللجمهور على حد سواء استقصاء الفائدة من تكرار الحديث عن الواقع الفاسد كتحصيل حاصل، في وقت يعصف الضرر المادي والمعنوي بحياة الناس، بسبب هذا الواقع نفسه، فهل نبقى متفرجين على هذه العواصف المدمرة للنفوس وللقدرات والامكانات؟

هل التشاؤم كل الحقيقة؟

من ميزاته أنه سريع التكوّن في معمل النفس البشرية مع سرعة خروجه الى الواقع الخارجي بشكل مذهل، ثم تأثيره السريع ايضاً في المحيط الاجتماعي، ومردّ هذا الى عوامل عدّة؛ ذاتية، واجتماعية، فالانسان بطبعه عجولٌ، عنيدٌ، كفورٌ، كما أكد هذه الحقيقة القرآن الكريم، والى جانب هذا الكشف بيّن حجم القدرات الهائلة المخوّلة له في الكون وفي الطبيعة وفي نفسه، ومن أدقّ ما قيل في هذا المجال التفاتة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي –طاب ثراه- الى إن انسان اليوم أغنى وأكثر تقدماً ورفاهية ممن سبق عليه منذ بدء الخليقة عندما وظف قدراته العقلية والعضلية لتسخير كل ما في الارض والبحار وحتى الفضاء البعيد لخدمته.

هذا المشهد الايجابي لا يخلو من كبوات وأخطاء وانحرافات نابعة من تلكم الطبائع والنزعات فتحدث المشاكل المثيرة لمشاعر سلبية في داخل النفس ومنها؛ التشاؤم واليأس، وقد عكف العلماء على تحليل هذه الحالة الطارئة، ثم ايجاد العلاج الناجع لها، مؤكدين امكانية تجاوزها والاستمرار في الحياة الطبيعية، بشرط التفاعل والاستجابة من صاحب المشكلة بتفعيل جانب الارادة والعزيمة للتغيير، وأكثر ما أثبتوه علمياً أن "التشاؤم لا ينبع من حقائق خارجية تؤدي اليه، بل هو ينشأ من الغلو في الحساسية او المبالغة في المثالية، فتكون المشاكل الصغيرة في قلب الحسّاس ذات صدى مبالغ فيه". (أنت ايضاً يمكنك أن تنجح- آية الله السيد هادي المدرسي).

فاذا اردنا الحديث بلغة الحقائق فان الحياة تعجّ بالحقائق الايجابية الباعثة على التفاؤل والامل، ولا أدلّ على هذا من التطورات المتسارعة في التقنيات والخدمات بالعالم، فلو كان التشاؤم سيد الحياة لما كان انسان اليوم بلغ ما بلغ من تقدم مذهل في كل شيء، ولمن يقول إن الانسان العراقي، غير الانسان الاوربي، او الانسان الكندي، نقول: هنالك انسان هندي وانسان صيني عاشوا في ظروف ربما لا تكون أقل بؤساً ومعاناة مما عاشه العراقي مع فارق الظروف الاجتماعية والسياسية، بيد أن المشترك بين الجميع؛ التشاؤم واليأس الذي كان يمكن ان يخيّم على الجميع بسبب معاناة طويلة من الاستعمار والتبعية ولكن البعض اختار عدم التقوقع داخل هذه الخيمة القاتلة والانطلاق في رحاب العمل والانتاج بالاستفادة من تجارب الآخرين، متسلحاً بالإرادة والعزيمة والرؤية الثاقبة، وايضاً؛ القناعة بالحياة، فالانسان هو نفس الانسان في أي مكان بالعالم، بإمكانه التقاط الامكانات والقدرات وتحويلها الى فرص للتقدم، وإلا ماذا نسمي وجود ثلّة من البراعم الصغار من تلاميذ المدارس العراقية يبرعون في مسابقة دولية للحساب الذهني ويحصدون المراكز الاولى في الحساب السريع لمئات الاسئلة الرياضية خلال دقائق؟ علماً أن هذا الانجاز كان ثمرة جهود مركز تعليمي خاص لا دخل للحكومة والدولة العراقية الغنية فيه؟

البديل عن تمييع الحقائق

يبدو من الخطاب الثقافي والاعلامي في بلادنا الاسلامية ومنها؛ العراق، حرصه على عدم الانزلاق فيما انحرف اليه الخطاب الحكومي بإطلاق الآمال الزائفة والوعود الكاذبة بغية تمرير المشاريع والسياسات، ثم تعزيز الامر الواقع بما فيه من سوء وفساد، بما يجعل الحديث عن الحقائق أمراً لا فائدة منه، لذا نلاحظ تكريس الجهود على كشف سوء هذا الواقع رغم وضوحه للعيان! علماً أن من يخوض في هذا المجال لا يرجو مباشرة ايجاد حالة التشاؤم في النفوس، إنما هو يطرق الآذان بما تجود قريحته النقدية للأوضاع غاضاً النظر عن تفاعل هذا الخطاب السلبي مع المشاعر داخل نفس الانسان، وما تكونه من حالة التشاؤم.

ولكن؛ بالامكان تميّز هذا الخطاب عن الخطاب الحكومي في ابتكار البدائل للخروج الى سبيل مما يعيشه الناس، بدلاً من موازاة الخطاب الحكومي غير الايجابي وغير البناء، وأول ما علينا الالتفات اليه، عاقبة التشاؤم على الجماهير العريضة عندما نتسبب في موت الأمل في كل شيء بدعوى قول الحقيقة، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: "قتل القنوط صاحبه".

لمن يبحث عن الحقائق غير القابلة للتمييع فهي في نفوس الكثير من الناس المتوثبين للعمل والابداع، الى جانب الرصيد المعنوي القائم على منظومة القيم الدينية والاخلاقية، وهو ما نجده في العراق بنسبة لا بأس بها، حيث ما تزال قيم الأمانة والصدق والقناعة والرضى والصبر القادرة على تقويم حالات الفساد والانحراف في مؤسسات الدولة، وقد أجمع الكثير في الخطاب الاعلامي مؤخراً على حقيقة أن النظام السياسي الحاكم ومن فيه، إنما هو إفراز الواقع الاجتماعي، فمن دخل البرلمان، ومن وصل الى منصب الوزير والمدير العام، كانوا اشخاص عاديين من افراد المجتمع، حملوا معهم افكارهم الخاطئة وانحرافاتهم الى مكاتب مؤسسات الدولة.

فاذا كان الأمر كذلك لماذا يقف اصحاب الرأي والفكر مكتوفي الأيدي أمام تسرّب النماذج السيئة من جدار المجتمع الى مؤسسات الدولة؟ ولماذا لا يعملون على نشر الثقافة الايجابية والقيم التي تعبر عن الهوية الحقيقية للمجتمع حتى يشعر الانسان المستقيم بأهمية وجوده وأمكانية تأثيره على الواقع الاجتماعي والسياسي؟ أم إن هذا يمثل حقيقة زائفة لا وجود لها؟!

إن الشريحة المثقفة وما تتسلح به من خطاب إعلامي واسع الانتشار بفضل تقنية الاتصال السريع، أمام فرصة تاريخية عظيمة في الأخذ بزمام المبادرة لقيادة المشهد السياسي، او على الاقل التأثير عليه، من خلال تعزيز الأمل والتفاؤل على أساس متين من قدرات هائلة كامنة في النفوس تحتاج لصقل وتنمية لترى النور والحياة.

اضف تعليق