حقق العلم قفزات عظيمة في القرنين الاخيرين في اوروبا في ظل ما يسمى "بعصر النهضة" عندما تسالم العلماء والفلاسفة والمفكرون في الغرب على خيار التجربة الحسيّة للوصول الى حقائق مادية ملموسة، وهي ليست المحاولة الاولى في التاريخ البشري، بل سبقهم أقوام ماضون في التاريخ القديم شيدوا حضارات راقية بفضل اعتمادهم العقل فبنوا وأسسوا وابدعوا، وما تزال بعض المعالم المذهلة ماثلة للعيان، إنما الفاصلة كانت بسبب سوء فهم بعض اتباع الديانة المسيحية للعلم وللعلماء، فحاولوا ربط العلم والمعرفة بمستوى تفكيرهم ومعرفتهم، فدفعوا مسيرة العلم في طريق مسدود ومظلم لا بصيص أمل فيها لتطوير حياة الانسان الباحث دائماً عن الجديد والتطور، يكفينا مثالاً على اصطدام القساوسة في القرن السابع عشر بحقيقة أن الارض إنما هي كوكب من بين الكواكب تدور حول الشمس، بينما كانوا يتبنون النظريات اليونانية القديمة القائلة بمحورية الارض، فاتهمت الكنيسة عالم الفلك الايطالي غاليلو بالهرطقة (البُدعة)، فتعرض لمضايقات نفسية شديدة مات على أثرها عام 1642، وبعد حوالي ثلاثة قرون، أي عاما 1983 اعتذرت الكنيسة عن هذا الحكم الجائر!

بيد أن هذا المسار لم يلغ -بأي حال من الاحوال- العلاقة العضوية بين العلم والغيب (الدين)، فالذين خاضوا التجارب في ميادين الطب والهندسة والفلك والكيمياء، وايضاً؛ في مجالات انسانية مثل الاقتصاد والاجتماع، كانوا يدركون أنهم يتدرجون في مراقي العلم، وكلما علوا مرتبة نظروا الى ما دونهت من المراتب والتجارب على أنها من الماضي لما فيها من الاخطاء والنواقص، فهم في مسيرة تكاملية لا تنتهي، بما يعني شعورهم بالمحدودية في القدرة الذهنية مهما توصلوا الى حقائق كبرى، وهي مسألة طبيعية ولا تعد منقصة مطلقاً، فهي تعكس حقيقة الانسان في هذه الحياة.

لذا كان علماء الغرب يتطلعون –بشكل او بآخر-الى تلك القدرة اللامتناهية التي تقف خلف خلق الكون والحياة والانسان، وهو ما أفصح عنه أحد اساتذة الجامعات في احدى الجامعات الاوربية لدى سماعه الآية القرآنية على لسان احد الطلبة المسلمين: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، فقفز بالسؤال فوراً بأن "كيف عإرف نبيكم حقيقة خوف العالم من الله قبل اربعة عشر قرناً"؟!

ولكن! هل يعني هذا أن كل عالم بالضرورة يخشى الله –تعالى-؟ أم أن القضية تعود الى الايمان والاستقامة على هذا الايمان، ففي النظرية الاسلامية؛ "العلم نورٌ يقذفه الله في قلب من يشاء"، يقول رسول الله، صلى الله عليه وآله، وكون العلم نورٌ، وذو سمة غيبية، فان مسيرته تنطوي على محاذير جمّة بالانحراف عن غاياته السامية، وهذا يشمل العلم بالطبيعة والانسان والدين ايضاً.

الإنسان العالم سيّد الكون

بما أن العلم يأخذ بفكر الانسان الى مديات لا تُحد في العالم والكون، ويمثل "الرؤية الى الحياة لمعرفة النظم الحاكمة فيها، وطريقة تسخير الارض وما فيها، ومعرفة النظام الكوني الذي نعيش فيه"، فانه يمكّن الانسان لأن يكون سيّد الطبيعة، بعد أن تسيّد على سائر المخلوقات بقدرته العلمية والمعرفية، و يؤكد القرآن الكريم حقيقة أن أول شيء رافق خلق الانسان هو العلم، {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}، (سورة البقرة، الآية31-32) ولذا جاء الأمر الالهي بأن تسجد الملائكة لهذا المخلوق من طين، فيما هم مخلوقين من نور، وهم أفضل منه من حيث التكوين.

هذه القدرة الفائقة، والامكانية العالية في تسخير الطبيعة، وإحداث نقلات نوعية في نمط الحياة، تجعل الانسان العالم أكثر قرباً من الخالق المتعال، وهذه تبدو مسألة فطرية، فالذي تنحصر اهتماماته ببيته وسيارته ومكان عمله، وبما يحصل عليه من مال لسد احتياجات عائلته، يختلف كثيراً عمن {يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}، ومن يشق الجبال ويشيد بينها الجسور، ومن يغوض في المحيطات والادغال، ويغزو الفضاء ويلامس الكواكب، ومن ينقل آلاف الناس يومياً عبر طائرات عملاقة في أجواء السماء العالية، بل ويبحث في نمط حياة الفايروسات، كل هذه المنجزات العظيمة، وغيرها كثيرة، تمثل مكتشفات ضمن سلسلة علمية طويلة لا تنتهي، ولذا نجد المبدأ المعتمد في الغرب، وفي الدول المتحضرة والمتقدمة؛ "البداية من حيث انتهى الآخرون"، لذا فان شعور العالم انه لا يملك لنفسه شيئاً، والامر يختلف تماماً عمن يحصل على الثروة فهي موجودة بالاساس في باطن الارض وفي الطبيعة، وهو لم يفعل سوى تفعيل جهده العضلي وشيئاً من الجهد الذهني لاستخراجه واستثماره، مع ذلك؛ يعده نفسه المالك والمهيمن، ولعل هذا يفسّر لنا ظاهرة الغرور والتعالي لدى رجل المال والاعمال، بينما لا نجد هذه الحالة النفسية لدى رجل العلم.

رجل المال يتصور دائماً أنه وصل الى حافة الحياة فلا شيء بعدها، فهو في القمة والآخرين دونه، وقد بيّن القرآن الكريم خَطِل هذا التصور وعواقبه الوخيمة على الانسان في تجربة مريعة مر به منذ آلاف السنين –والغريب انه يكررها اليوم!- عندما قال قارون مخاطباً من يحاججه بمصدر ثروته الطائلة، وكان قبل هذا من اصحاب نبي الله موسى: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} (سورة العنكبوت، الآية73)، بينما رجل العلم الذي ينظر بروح شفافة الى حقائق الحياة والكون فانه يرى الضآلة في نفسه دائماً لمعرفة المزيد، فهو كالشجرة الخضراء والمثمرة تسعى بجذورها للغوص في التراب أكثر لكسب المزيد من عناصر القوة والحياة.

العلم متاحٌ للجميع

وما يميز العلم عن سائر المكتسبات في الحياة عدم اقتصاره على فئة بشرية دون اخرى، او نوع انساني دون غيره، فالفقير بامكانه الارتقاء الى قمم العلم والمعرفة، كما يمكن لميسر الحال ذلك، وايضاً؛ من يكون ابن أسرة بعيدة عن العلم ثم يتحول الى قامة علمية بارزة، وهذه تُعد من ابرز آفاق قيمة العلم، وفي آيات عدّة جاء التأكيد على أن فرص التعلم واكتساب العلوم والمعارف متاح لجميع بني البشر بغضّ النظر عن اللون والدين والعرق، والآية القرآنية صريحة في هذاالماجال: {لِّئَلّاَ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، (سورةالحديد، الآية29)، بل واكثر من هذا؛ فان القضية تمثل سنّة إلهية في الحياة، فـ {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}، (سورة الاسراء، الآية20)، بمعنى أن الجميع ساعون لغاية واحدة ومصدر واحد لا غير، وهو الله –سبحانه وتعالى-.

فالعالم الاميركي اليوم يحسب ألف حساب للعالم الصيني، وكذا الحال بالنسبة للعالم الياباني، والعالم البريطاني، لمعرفة الجميع أن العلم هو نور يبحث عنه الانسان في كل مكان، فهل لهذا العلم مصادر متعددة؟ وهل لاشعة الشمس –مثلاً- أكثر من مصدر؟ واذا كان الامر كذلك، لما خشي أحد الخسارة في هذه المسيرة لان مصدر علمه مضمون، ولا علاقة له بالمصادر الاخرى، فليس الأمر كمن يدفع أكثر يحصل اكثر، او من يبذل جهداً عضلياً يحصد اكثر.

وهذا ما جعل العلماء في الوقت الحاضر يهتدون اكثر من ذي قبل الى العلاقة الموجودة بين الايمان والعلم، وأن التجارب الحسيّة ليست كل شيء في مسيرة التوصل الى الحقائق، فنرى التوسّل بالنفس الانسانية، وما تضمره من مشاعر وحالات، فالمشاعر الايجابية مثل؛ الأمل بالشفاء والنجاح، والثقة بالنفس، تدخل بقوة في ارقى المستشفيات بالعالم، وفي أعظم مشاريع البناء والانتاج لجسور عملاقة عبر الجبال الشاهقة، وفي مصانع الطائرات النفاثة، بل وفي مراكز أبحاث الفضاء، والوصول الى الكواكب الاخرى واستعلام ما فيها من ظواهر طبيعية لتسجيل اكتشافات علمية جديدة.

وفي مرحلة لاحقة، وربما بضغط الظروف القاهرة بما لم يتوقعه الانسان، وجد نفسه وجهاً لوجه امام العامل المعنوي لنجاح المسيرة العلمية، وهذا ما تجسد جلياً في ظل جائحة كورونا التي ألمّت بالعالم أجمع، وما تزال تهيمن على مقدرات ومصائر مليارات البشر، وتوجه طريقة حياتهم وتفكيرهم الى وجهة أخرى ما كانوا يعهدونها من قبل، فقد عرف الناس، وقبلهم العلماء قيمة الدعاء والتضرع الى السماء لنجاح مساعيهم في انقاذ ارواح المصابين بفايروس كورونا المتحوّل والمتطور باستمرار وبشكل غريب وفتاك في آن، بعد أن أعيتهم الحِيل العلمية والطبية، وكل ما توصلوا اليه من تقدم في الاكتشافات، ومن أنتجوه من معدات، باتوا يشعرون بالضعف أمام هذا الفايروس المجهري، والذي طالما وصفوه بالبسيط والضعيف قياساً بسائر الفايروسات الفتاكة.

وكما يبدو من مسيرة هذا الفايروس في حياتنا فهو يتسبب –ربما بشكل غير مباشر-الى استقطاب أهل العلم في كل بقاع العالم الى إعادة النظر في مناهج الوصول الى الحقائق العلمية، واساليب الاستفادة من هذه الحقائق والمكتسبات ليعرف الانسان حدوده، ومن خلالها يتعامل مع الاشياء ومع الاخرين.

ولأجل ذلك كان الاسلام السبّاق لتحقيق التكاملية في مسيرة العلم وأن يتدرج الانسان من علم الى آخر بحثاً على العلاقة بين العلم والايمان من جهة، وبين العلم والتربية من جهة اخرى، كما عمل الاسلام على تنظيم العلاقة بين القلب والعقل، وبين الفكر والسلوك.

يبقى صمام الأمان الوحيد الذي يحتاجه العلم والعلماء ليكونوا على الطريق الصحيح الذي اراده الله –تعالى-للانسان، وهو؛ التقوى، فمن دونها يتحول العلم من نعمة الى نقمة، ومن وسيلة لرقي الانسان والبشرية ورفاهيتها، الى معول للدمار وسفك الدماء كما شهد العالم طيلة القرن الماضي، بعد أن كان العلم في القرون الماضية مبعث خير وأمل لحياة أفضل.

فكلما كان العلماء أبعد عن المصالح الاقتصادية، وعن الدسائس المخابراتية، وما يجري في دهاليز السياسة المظلمة، كان أقرب للتقوى ومخافة الله، ومن ثم يكون أقرب وأكثر فائدة لابناء بلده وللعالم أجمع، ويترك الذكر الطيب عند الاجيال بانه لم يستخدم علمه في عمليات الابادة الجماعية، ولا انتاج الاسلحة الفتاكة، ولا في عمليات التنصّت والتجسس على حياة الناس، والتسبب في اضطراب الأمن واستقرار العالم.

اضف تعليق