يتفق العلماء بمختلف مذاهبهم على أصالة الحرية لدى الانسان، وان الله –تعالى- خلقه حراً ذو إرادة وقدرة على فعل ما يريد، لذا فهو مسؤول عن افعاله واختياراته في الحياة، كما هو حرٌ في التفكير والايمان بما يتناسب وفهمه واستيعابه للحقائق، ومع تطور الفكر الانساني، والتقدم العلمي في مجالات مختلفة بالحياة، اتسع نطاق هذه الحرية، وما يختاره الانسان من التخصص في التعليم، او المهنة حسب الهواية، او طريقة التفكير، واختيار الوقت المناسب للزواج وتشكيل الأسرة.

بيد أن ازمات ومشاكل عصفت بالشعوب والبلدان ألقت بظلالها على هذا الحق الانساني ما جعله عرضة للتحديد والتضييق، فجرى البحث عن الاسباب والعوامل، وهل هي ذاتية داخلية، أم خارجية؟ وإن كانت خارجية، فمن أي نوع هي؟ هل هي ذات طابع معنوي – ديني؟ أم هي المناهج السياسية والاقتصادية التي تتدخل في تفاصيل الفرد والمجتمع؟ فمن الذي يقع عليه اللوم بمصادرة حرية الاختيار والتفكير بالنيابة عن الآخرين؟

حرية الاختيار، ليست مفهوماً مجرداً في الفكر الديني، إنما يكتسب دلالات واسعة تصل بصاحبها الى مرحلة متقدمة وصولاً الى الحقائق ذات العلاقة بحياة الانسان، وايضاً حقائق الكون والوجود، وتسمى في الاصطلاح الديني "الهداية" المتاحة لجميع افراد البشر، فبامكانهم أن يكونوا من المهتدين الى تلكم الحقائق، كما بإمكانهم وبملء ارادتهم ألا يكونوا كذلك، فيكونوا من الضالين بالضرورة، لان الهداية تؤدي الى الحق مع منظومته القيمية الكاملة بكل ما يحتاجه الانسان لتنظيم حياته بشكل صحيح مثل؛ العدل، والحرية، والسلام.

والقرآن الكريم يحفل بآيات عديدة تؤكد كون الانسان مخيراً بين ((النجدين إما شاكراً وإما كفورا))، والآية الكريمة: ((من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها وما أنت عليهم بوكيل)). وايضاً: ((من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر))، مما يؤكد إتاحة كل الفرص امام الانسان ليختار ما يريد لنفسه، ولا سلطة حقيقية من الخارج عليه، وفي الكتاب المجيد نقرأ مشهداً رائعاً لاختيار سحرة فرعون، وكانوا يمثلون الشريحة المتعلمة والمؤثرة في المجتمع، لعقيدتهم بشكل حاسم وفي لحظة قرار مفاجئة للجميع، بعد أن رأوا البرهان القاطع من نبي الله موسى على نبوته وكونه مرسلاً من السماء، وإن ما معه، ليس بسحر إنما هو إعجاز إلهي فوق قدرة البشر، مع علمهم بمصيرهم المحتوم على يد فرعون، فكان الترحيب والرضى العميق بالموت لأن ((الى ربنا منقلبون)).

من هو مصدر التخدير؟!

من الناحية التاريخية، تعود أزمة الحرية في الاختيار الى العهود الاسلامية الاولى عندما عصفت بالامة الازمات السياسية والاقتصادية بسبب سياسات الحكام وانحرافهم البعيد عن قيم الدين والرسالة التي جاء بها رسول الله، صلى الله عليه وآله، رغم أنهم تسنّموا الحكم بعباءة "الخلافة" التي صنعوها بأنفسهم، فكانوا خلفاء لرسول الله، بالاسم، أما الواقع، فلم يكن سوى الاستئثار بالسلطة والثروات الهائلة، ثم قمع المعارضة بكل عنف ودموية.

هذه المحنة مهدت الاجواء لظهور افكار تبرر للمسلمين واقعهم السيئ، و إن ما يجري أمرٌ طبيعي، فظهرت "القدرية" التي تقول بان الانسان هو الذي يصنع قدره بنفسه، وليس بقضاء الله وقدره، وحسب المصادر التاريخية فان هذه الفكرة أطلقها شخصٌ يدعى معبد الجهني، وتلقفها معاوية بعد إعلان تمرده على أمير المؤمنين، فحمل راية "الشورى" وأن الحكم والخلافة ليست إلهية، وإنما هي من صنع البشر، وطالب الإمام، عليه السلام، بالتنحّي عن الحكم، ثم عمل على ترويج هذه الفكرة بين المسلمين وحقق نجاحاً ملحوظاً كانت فيه الكوارث وحتى استشهاد أمير المؤمنين، عليه السلام.

ولكن؛ ما أن استتبّ الأمر لمعاوية حتى تخلّى عن القدرية وحارب اصحابها، هو ومن جاء بعده حتى أمر الحكام الأمويين بتصفية رموز هذا المذهب الذي وجدوا فيها نزعة المعارضة لهم، وعندما بلغ السوء حداً في الامة أن كادت تشكك في أصول الدين والعقيدة وجدوائيتها في الحياة لما شهدوه من فساد وتحلل ونهب للثروات وحرمان واضطهاد في ظل الحكم الأموي، نرى ظهور "الجبرية" في عهد مروان "الحمار"، آخر الحكام الأمويين، وعلى يد شخص يدعى الجعد بن درهم، وكان من المقربين من مروان، فأخذ يروج لفكرة نسب أفعال الانسان الى الله –تعالى- خيرها وشرّها، وأنه مُجبر، ولا بأس عليه فيما يفعل، وما يفعله فهو من "المجاز" وليس حقيقة!! فراقت الفكرة للحاكم الموي، ودعى لنشرها علّها تخفف من حدّة الغضب والغليان في الامة على مفاسد وانحرافات الأمويين.

نفس الأمر ينسحب على المعتزلة وتعظيمهم للعقل وإعطائه السلطة الاولى في التشريع وتقرير مصير الانسان، ولا دخل للوحي، والانبياء والأوصياء في حياة البشر، لذا قالوا بخلق القرآن الكريم، وأن الآيات الكريمة ليست كلام صادر من الله! إنما هو خلقٌ مما خلق الله في الوجود، بمعنى؛ لا علاقة بين الآيات الكريمة، والمشاكل الاجتماعية والحالات النفسية التي كان يعيشها المسلمون في مكة والمدينة، وليست القضية تقويم للسلوك والعادات، وصنع ثقافة ونظام شامل للحياة من خلال الوحي النازل من السماء طيلة فترة وجود النبي على قيد الحياة.

هذه الفكرة راقت ايضاً؛ للمأمون العباسي الذي يُعد أول حاكم في الدولة الاسلامية من بعد رسول الله، يفرض مذهباً على المسلمين بشكل رسمي، وهو؛ الاعتزال، وأن تعرض فكرة خلق القرآن على أي شخص، إن وافق فبها، وإن عارض قُتل.

كل هذا يؤكد لنا أن مصادرة حرية التفكير والاختيار تحت شعارات دينية انطلقت أول مرة من أروقة الحكم في التاريخ الاسلامي الاول، ثم مضى الحكام فيما بعد، وحتى زماننا هذا يستفيدون من هذه التجربة، مما خلق اللبس في الاذهان من أن المشكلة تعود الى الدين نفسه، فكل من يسند كلامه الى القرآن الكريم، او الى روايات أهل البيت، عليهم السلام، وحتى سيرة النبي الأكرم، فانه يريد بذلك مصادرة حرية الناس ودفعهم للطاعة والانقياد دون وعي وارادة منهم، على أنهم محكومون بالقضاء والقدر الإلهي، وما عليهم سوى الصبر، والقناعة، وانتظار الفرج! في حين إن القضاء والقدر وفق الرؤية القرآنية و"أن الله شرّع الدين، فأمر ونهى، وندب وحذر، وأوجب وحرّم، فوجوب الصلاة بقضاء الله، وحرمة الخمر بقضائه... إنا نعمل الأعمال باختيارنا، فإن شئنا أحسنا، وإن شئنا أسأنا"، (العقائد الاسلامية- المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي).

إن حرية الاختيار في النصوص الدينية تفسح المجال لأن يمارس الانسان دوره الايجابي في الحياة ويتحمل مسؤوليته إزاء نفسه والآخرين في ظل القانون الإلهي العادل الذي يجعل العمل الحسن مؤدياً الى الخير والعمران والسعادة، والعمل السيئ يؤدي بصاحبه الى كل ما يتعلق بعواقب من سنخ العمل نفسه، من شقاء وضياع وفشل.

أمير المؤمنين وحرية الاختيار

في وقت مبكر من مسيرة "الحراك الفكري" في التاريخ الاسلامي، انبرى أمير المؤمنين، عليه السلام، مضيئاً لابناء الامة طريقها في كيفية تحقيق الحرية في الاختيار، وما هو الموقف الحاسم من فكرة القضاء والقدر التي كانت اصدائها تطرق أذهان المسلمين آنذاك، لاسيما في فترة الحروب والمحن التي عاشها المسلمون آنذاك، ففي رواية عن الامام الحسين، عليه السلام، "أن رجلاً من أهل العراق جاء الى أمير المؤمنين، عليه السلام، فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام: أبقضاء من الله وقدر؟

فقال له أمير المؤمنين: أجل يا شيخ! فو الله ما علوتم تلعة، ولا هبطتم بطن واد، إلا بقضاء من الله وقدر.

فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي، يا أمير المؤمنين!

فقال: مهلاً يا شيخ! لعلك تظن قضاءً حتماً، وقدراً لازماً، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسيئ لائمة، ولا لمحسن محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن. تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وقدريّة هذه الأمة ومجوسها.

يا شيخ! إن الله عزوجل كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعص مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً".

ولعل هذا ما نلتقطه من مواقفه وأعماله، عليه السلام، خلال فترة حكمه العصيبة، فقد كان يوجه الناس دائماً لأن يختاروا طريقهم بانفسهم بالقدر الذي يستضيئون به من نوره وإرشاداته وحكمه، ليس مجال السياسة والحرب، فقط، وإنما؛ في البيع والشراء، و الحياة الزوجية، وتربية الاولاد، والاعمال العبادية، ومجمل التعامل البيني في المجتمع، والعلاقة بين الانسان وربه، وقد أكد بانه "ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون"، فهذه ليست من مهمام الانبياء والأوصياء التي نزل بها وحي السماء، {إنما أنت مذكر ولكل قومٍ هاد}، وعملية انتخابه معروفة للجميع كيف أن الملايين بايعته في المدينة، إلا شخصٌ واحد شذّ عن الجميع، وهو؛ عبد الله بن عمر، أعلن رفضه البيعة، وسط دهشة المسلمين، فلم يتخذ الإمام أي إجراء سلبي او احترازي إزاء هذا الرجل، بل جعله حراً طليقاً.

ومما نستفيده دائماً من تجربة أمير المؤمنين، عليه السلام، أن النصوص والرموز الدينية المقدسة لن تكون –بأي حال من الاحوال- حائلاً أمام حركة الوعي ومسيرة التطور الفكري نحو صياغة بدائل مستحدثة للمشاكل والازمات، فهو ربما لم يكن ملاماً إن أجبر الناس على اتباع الحق، لاسيما وانه يحمل كماً هائلاً من النصوص المقدسة من لسان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، تجعله يفوق المسلمين مرتبة في كل شيء، ولكن؛ "لم يكن يتصرف كسياسي يبحث عن المكاسب، بل كان يعمل كإمام يبحث عن الحق، فهو مثل جميع الانبياء والاوصياء، كان يريد ان يختار الناس الهداية بانفسهم، لا عن إكراه. كان همه ان تنتصر مبادؤه وقيمه، لا أن ينتصر هو بأي ثمن" (السيد هادي المدرسي- يسألونك عن الامام علي).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0