في الأيام الاولى من وصولي أرض الوطن وحلولي في مدينتي العزيزة التي افتقدتها قسراً بسبب سياسات صدام، حصلت لي مراجعة لمركز طبابة، وكان الزحام شديداً على غرفة الطبيب لاسيما من النساء وهنّ يحملن اطفالهن المصابين بأمراض مختلفة، وعدا الظاهرة الملفتة للنظر جداً بالنسبة لي، وهي دخول أكثر من مريض الى غرفة الطبيب، اقتربت منّي امرأة مع طفلها فأوسعت لها المكان لتتقدم نحو الطبيب الذي كان جالساً خلف طاولته، فما كان منها الا أن وضعت الطفل المريض على طاولة الطبيب بما فيها من أوراق ومعدات فحص واشياء اخرى، فأسرعت عيناي على الطبيب لأرى ردة فعله على هذا السلوك، فلم أر منه سوى نظرته الى الأم والحديث معها بنصائح لرعاية طفلها وكأن شيئاً لم يحصل امامه.

وبعد فترة من الزمن، حيث المشهد مطبوع في ذاكرتي، توصلت الى تفسير للموقف اعتقد انه صحيحاً لما جرى في غرفة الطبيب، وهو تسامح الطبيب وتفهمه الكامل لحالة الأم، هو الذي جعله يتجاهل الموقف، ولولا أنه عايش الظروف العصيبة والرهيبة للحصار الاقتصادي في سني التسعينات، وما كان يصنع قلّة الدواء والغذاء بالاطفال، لما كان يسمح لنفسه السكوت على حركة كهذه مهما كانت الحالة الصحية لذلك الطفل مع أمه، وهو ما معمول به سائر بلاد العالم.

العلم من الصفات المكتسبة، وهي تمثل رمز للقوة المعنوية تميز صاحبها عن سواه لذا لن يكون الانسان العالم –على الاغلب- مستعداً لان يكون في مصاف الناس العاديين كونه توصل الى حقائق علمية يجهلها الآخرون، وهذا ما يجعله مستفزاً لمجرد حصول أي خطأ في التصرف او السلوك مع هؤلاء الآخرون، او أي موقف من أي جهة اخرى، يعدها تطاولاً او تجاهلاً لمكانته التي حصل عليها بشقّ الأنفس، كما يتذرع بهذا الكثير من افراد الشريحة المتعلمة.

ولعل هذا يفسّر محدودية التعليم في الحضارات القديمة، فقد كانت هنالك اماكن يطلق عليها "اكاديمية" في اليونان القديمة، وهي مدارس لا يدخلها إلا ابناء شريحة خاصة، لتبقى غالبية الشعب والامة في ظلام الجهل، بينما الاسلام جاء ليجعل العلم والتعليم فرصة متاحة لجميع افراد المجتمع، بل عدّ النبي الكريم "طلب فريضة على كل مسلم ومسلمة"، كما هي الصلاة والصوم، وهذا يعني أن النبي كان يتطلع الى مجتمع وأمة تكون الغالبية فيها من العلماء، وبذلك لن تكون العلمية معياراً للتفاضل بين الافراد إنما هو في "التقوى"، وحسب.

مع كل هذه المعطيات، يبقى الانسان ونوازعه النفسية، مثل حب الذات، وحب الظهور، وحب التسيّد، وعلى حين غفلة من هذه النوازع الجامحة ربما يفقد الانسان السيطرة على اعصابه فتصدر منه تصرفات يبغي منها الحفاظ على شخصيته المتميزة، وربما لبعض يبرر الانفعال والتعالي بانه في سبيل تقديم الخدمة المفضلة للناس، كأن يكون طبيباً او قاضياً أو مهندساً أو حتى عالم دين، بيد أن انفعال العالم امام افراد المجتمع وفقدانه للتوازن، يسفر عن نتائج كارثية على شخصيته العلمية وعلى مكانته ودوره في المجتمع، قبل ان يلحق الضرر النفسي بالآخرين، لان الناس تنظر الى العالم –أي عالم- بأنه القدوة في حياتهم وانه الاقدر على فعل الكثير لما يحمله من معلومات وخبرات وتجارب.

وعندما يؤكد الاسلام على ضرورة التزام العلماء بالاخلاق اكثر من سائر افراد المجتمع فانه يعود الى هذه النقطة، فما يخسره العالم بسبب سوء تعامله مع الناس يكون اكبر وأخطر مما يخسره الاخرون لنفس السبب، فهو سيتحول الى شخص عادي مثل سائر الناس دون شعور منه، لذا فان مفهوم التواضع –مثلاً- ليس من المثاليات التي تقال ويتناقلها البعض في سلوك العالم، انما هي تمثل ضمانات حقيقية وأكيدة لاستمرار العطاء العلمي وتوثيق العلاقة بين العالم وبين افراد المجتمع.

وفي تاريخنا القديم والمعاصر، هنالك شواهد عدّة على دور التواضع والتسامح والاخلاق الحميدة في تكريس دور العالم في المجتمع، بل وفي جميع مرافق الدولة، لاسيما علماء الدين، حتى لفت الامر بعض الزعماء والحكام، فاظهروا إعجابهم بالجانب الاخلاقي لعلماء الدين وكيف انهم يتميزون "بالصلاح" كما جاء في ترحيب عبد الكريم قاسم بوفد علماء الدين من كربلاء المقدسة ترأسه الامام السيد محمد الشيرازي – طاب ثراه- ، فقد كان علماء الدين والاخيار في المجتمع يعيشون التهديد الماحق للمد الشيوعي والالحادي وانتشار الميوعة والتحلل الديني في تلك الفترة، بيد انهم كانوا يردون على ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والعمل المضاد، بإظهار عظمة الاسلام وفوائد الاخلاق والدين في حياة الناس، وهذا كان من عوامل تخليد ذكر الامام الشيرازي وبقاء تجربته النهضوية والإصلاحية، حيّة في الساحة الثقافية.

ولا أجانب الحقيقة إن قلت أن استراتيجية الاخلاق -إن جاز لي التعبير- التي اتبعها سماحة الامام الراحل طيلة مشواره النهضوي، لم تكن لمجرد التحلّي بالفضائل والمكارم والمحاسن بما من شأنه توطيد الوشائج مع افراد المجتمع، وإن كان هذا مطلوباً من الجميع، بيد أن مرامي الامام الراحل كانت أبعد من ذلك بكثير، الى حيث تحقيق أقصى درجات النجاح لتمتد الى أجيال قادمة، وإلا فانه لم يكن وحده في الساحة آنذاك، بل كان هنالك العلماء والخطباء والباحثين والمؤلفين والناشطين الذين حملوا راية الدفاع عن العقيدة والايمان والقيم السماوية، بيد أن العبرة في النتائج، فحتى من كان يستهدفهم بالتغيير والإصلاح، لم يتمكنوا من إلصاق تهمة او مثلبة عليه، بل حصل العكس بعد وفاته، بأن أقروا بصواب منهجه وعمق رؤيته وصحة أفكاره من اليوم الاول الذي انطلق فيه للعمل الرسالي.

وفي كتابه "الاخلاق المثالية" يروي الامام الراحل نفسه، واقعة مثيرة حصلت لأحد كبار علماء الدين، وهو الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1154هـ - 1227هـ)، وكان زعيم الحوزة العلمية والمرجع الأعلى، وبعد ان أتمّ صلاة الظهر جماعة، جاءه رجل دين وكان من السادة، وقال: له انا محتاج الى مال، اعطني من سهم جدّي... فأجابه الشيخ بهدوء: لقد تأخرت، ليس لديّ الآن شيء، فغضب ذلك السيّد، وبصق بوجه الشيخ أمام الناس، فما كان من الشيخ كاشف الغطاء، أن التفت الى الناس وحمل عباءته وأخذ يدور على المصلين ويقول: "من كان يحترم شيبة الشيخ فليعط لهذا السيد"، فامتلأت عباءة الشيخ بالاموال، ثم دفعها الى ذلك السيد، ويعلّق سماحة المؤلف على الحادثة بأن لو كان الشيخ أمر بضرب ذلك السيد، لحصلت الفوضى وتأخرت الصلاة وكثر الكلام غير المرغوب فيه، وهذا تحديداً ما نلاحظه اليوم من تناقل بعض الكلام غير المرغوب فيه – كما يعلمنا سماحة الامام الراحل- على لسان بعض علماء الدين.

هذا الموقف وغيره بما لا يحصى عدداً من المواقف المشرفة لعلمائنا الكرام، هو الذي أبقى للعلماء ومراجع الدين هيبة ومكانة في النفوس مهما حصل، لان الماضين نجحوا في اختبار قوة الاعصاب والسيطرة على مشاعرهم، وكلما شهدنا نجاحات في هذا المضمار كلما استفاد المجتمع والامة جمعاء مما يحمله العلماء من العلوم والمعارف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8