فتحت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة في التفكير بمستقبل الملاحة العالمية. فقد أظهرت أن تعطيل ممر بحري واحد قادر على إرباك الطاقة والتجارة والأسعار في مناطق بعيدة، وأن القوة التي تستطيع إعادة فتحه تستطيع أيضًا المطالبة بثمن اقتصادي أو سياسي مقابل الحماية. كما كشفت أن الصراع لم يعد يدور...
لم تقتصر أزمة مضيق هرمز، التي اندلعت عقب الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/فبراير 2026، على تعطيل ممر مائي حيوي أو إرباك صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج، بل كشفت عن تحول أوسع يمس مستقبل النظام الملاحي العالمي نفسه. فقد أظهرت الأزمة أن حرية الملاحة، التي تعامل معها الاقتصاد العالمي طويلًا بوصفها قاعدة مستقرة ومصلحة مشتركة، يمكن أن تتحول خلال أيام إلى حركة مشروطة بالموافقات الأمنية وتصاريح العبور وترتيبات الحماية والتأمين، وبالجهة التي تملك القدرة على تحديد المسار المسموح للسفن باستخدامه.
ومع تراجع حركة السفن في المضيق، وظهور ترتيبات إيرانية لتنظيم المرور وتحصيل مبالغ مقابل تأمين العبور، لم تعد الأزمة تدور حول إمكان إغلاق هرمز أو إعادة فتحه فحسب، بل حول الجهة التي تملك حق إدارته، ووضع قواعد المرور فيه، ومنح الحماية للسفن العابرة. كما ظهرت مقترحات إقليمية تتيح تحصيل رسوم طوعية لتمويل خدمات الملاحة والسلامة، في حين تمسكت الولايات المتحدة بموقف معلن يرفض تحويل المضيق إلى ممر مدفوع، ويؤكد ضرورة بقائه طريقًا دوليًا مفتوحًا.
غير أن الموقف الأميركي نفسه كشف عن تناقض مهم. ففي 13 تموز/يوليو 2026، طرح الرئيس دونالد ترامب فكرة حصول الولايات المتحدة على ما يعادل 20 في المئة من قيمة الحمولات العابرة للمضيق مقابل الحماية الأميركية، قبل أن يتراجع في اليوم التالي عن مبدأ فرض الرسوم، مع تأكيده أن الولايات المتحدة تتحمل كلفة حماية الممر لمصلحة العالم كله. وقد بقيت دلالة الاقتراح قائمة حتى بعد التراجع عنه: فالقوة القادرة على فتح الطريق وحمايته تستطيع أيضًا المطالبة بمقابل اقتصادي أو سياسي عن هذه الحماية.
من هنا فتحت أزمة هرمز سؤالًا أكبر من مستقبل المضيق نفسه: هل تتجه الملاحة الدولية من نظام يقوم نظريًا على حرية البحار إلى نظام للملاحة المشروطة، تحدد فيه القوى الكبرى أي السفن تستحق الحماية، وأي الحمولات يسمح لها بالوصول إلى الأسواق، ومن يتحمل كلفة أمن التجارة العالمية؟
البحر بوصفه نظامًا اقتصاديًا عالميًا
لا تمثل البحار والمحيطات مجرد مساحات طبيعية تعبرها السفن، بل تشكل البنية الأساسية للاقتصاد الدولي. فنحو 80 في المئة من حجم التجارة العالمية في السلع يُنقل بحرًا، وترتفع هذه النسبة بالنسبة إلى كثير من الدول النامية التي تعتمد بصورة واسعة على السفن في استيراد الطاقة والغذاء والمواد الأولية والمنتجات الصناعية.
لكن النظام الملاحي العالمي لا يتكون من المياه والممرات والسفن وحدها. إنه منظومة مترابطة تضم الموانئ وشركات الشحن وسجلات الأعلام وشركات التأمين وإعادة التأمين وشركات التصنيف الفني والبنوك ومؤسسات تمويل التجارة وشركات الوساطة ومزودي الوقود والصيانة والإنقاذ، فضلًا عن الأقمار الصناعية وأنظمة تتبع السفن والقوات البحرية وخفر السواحل.
وقد تكون السفينة قادرة من الناحية الفنية على الإبحار، لكنها لا تستطيع مواصلة نشاطها التجاري إذا فقدت التأمين أو شهادة التصنيف أو التمويل أو حق دخول الموانئ. كما يصعب عليها العمل إذا مُنعت من الحصول على الوقود وقطع الغيار والخدمات المصرفية أو من تفريغ حمولتها في الأسواق الرئيسية.
وبذلك تصبح السيطرة على الخدمات التي تسمح للسفينة بالعمل أكثر أهمية في بعض الحالات من السيطرة المباشرة على المياه التي تبحر فيها. فالبحر قد يبقى مفتوحًا قانونيًا، بينما تصبح التجارة عبره شديدة الصعوبة بسبب القيود المالية والتأمينية والتنظيمية.
من هذه الزاوية، لا تعني الهيمنة البحرية الحديثة امتلاك جميع السفن أو الانتشار العسكري في كل بحر، بل تعني امتلاك القدرة على تحديد شروط الاعتراف بالسفينة، وتمويلها، وتأمينها، واستقبالها في الموانئ، والسماح بتداول حمولتها.
من حماية البحار إلى إدارة النظام الملاحي
قدمت الولايات المتحدة نفسها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بوصفها القوة الرئيسية الضامنة لحرية الملاحة وحماية خطوط التجارة الدولية. وأسهم انتشار الأساطيل الأميركية وشبكة القواعد والتحالفات في ردع القرصنة وحماية السفن ومراقبة الطرق البحرية وإزالة الألغام وتأمين الممرات خلال الأزمات.
لكن القوة العسكرية لا تمثل سوى جانب واحد من النفوذ الأميركي. فالقدرة الأكبر تأتي من الجمع بين القوة البحرية والنظام المالي والعقوبات وشبكات المعلومات والعلاقات مع الموانئ وشركات التأمين والخدمات البحرية.
تستطيع الولايات المتحدة إدراج سفينة أو شركة أو مالك أو بنك أو مشترٍ ضمن قوائم العقوبات. وعندما يحدث ذلك، قد تمتنع شركات غير أميركية عن التعامل معهم، ليس لأنها ملزمة دائمًا بالقانون الأميركي مباشرة، بل لأنها تخشى فقدان الوصول إلى الدولار أو الأسواق الأميركية أو الخدمات المالية والتأمينية المرتبطة بالنظام الغربي.
وهكذا تستطيع واشنطن التأثير في سفينة بعيدة عن مياهها الإقليمية من خلال استهداف مالكها أو الجهة التي تؤمّنها أو البنك الذي يمول حمولتها أو الميناء الذي يستقبلها. ولا تحتاج في كل حالة إلى إيقاف السفينة عسكريًا، لأن عزلها عن شبكة الخدمات قد يكون كافيًا لإخراجها من التجارة الرسمية.
وقد ظهر هذا النموذج بوضوح في نظام سقف أسعار النفط الروسي. فقد سمح تحالف مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي وأستراليا باستمرار نقل النفط الروسي، لكنه اشترط ألا تحصل الشحنات المبيعة فوق السعر المحدد على خدمات التأمين والتمويل والشحن التابعة لدول التحالف. وكانت شركات هذه الدول تسيطر عند إطلاق السياسة على نحو 90 في المئة من سوق التأمين وإعادة التأمين البحري ذي الصلة.
لم يكن الهدف وقف النفط الروسي بالكامل، لأن ذلك كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، بل السماح باستمرار تدفقه مع خفض عوائد روسيا. وبذلك تحولت خدمات الملاحة إلى وسيلة للتحكم ليس في حركة السلعة وحدها، بل في السعر الذي يمكن بيعها به.
وتكشف هذه التجربة أن القوة المهيمنة على النظام الملاحي تستطيع الانتقال من حماية السفن إلى التأثير في محتوى تجارتها وأسعارها وعوائد الدول المنتجة منها.
هل تملك الولايات المتحدة النظام الملاحي العالمي؟
لا تملك الولايات المتحدة غالبية السفن التجارية، ولا تسيطر على صناعة بناء السفن العالمية، ولا تستطيع تشغيل التجارة البحرية بمفردها. فاليونان والصين واليابان تسيطر مجتمعة على أكثر من 40 في المئة من القدرة الاستيعابية للأسطول العالمي، بينما تتركز نسبة كبيرة من السفن المسجلة في عدد محدود من دول الأعلام، مثل ليبيريا وبنما وجزر مارشال.
وتزداد الفجوة وضوحًا في صناعة بناء السفن. ففي عام 2025، بُني نحو 91 في المئة من الحمولة الإجمالية للسفن الجديدة في الصين وكوريا الجنوبية واليابان، ما يعكس انتقال مركز الصناعة البحرية العالمية إلى آسيا.
أما الأسطول التجاري المسجل تحت العلم الأميركي، الذي يضم السفن الكبيرة العاملة في النقل بين الموانئ، فلا يتجاوز نحو 190 سفينة. وهو رقم محدود إذا قورن بحجم الأسطول العالمي، ويكشف أن الولايات المتحدة لا تهيمن ماديًا على ملكية السفن أو تشغيلها.
لذلك لا يمكن وصف الوضع القائم بأنه احتكار أميركي كامل للملاحة. والتعبير الأدق هو وجود هيمنة شبكية أميركية–غربية على مفاتيح النظام الملاحي الرسمي.
فالولايات المتحدة توفر القوة العسكرية والعقوبات والنفوذ المالي، بينما تؤدي بريطانيا والاتحاد الأوروبي واليابان ودول أخرى أدوارًا أساسية في التأمين والتمويل والتصنيف الفني والموانئ. وتشارك الشركات الخاصة في المراقبة وجمع البيانات وتحليل حركة السفن وتحديد المخاطر.
بهذا المعنى، لا تملك الولايات المتحدة البحر، لكنها تمتلك مع حلفائها قدرة واسعة على تحديد السفن التي تستطيع العمل داخله بكلفة مقبولة، والوصول إلى الموانئ والأسواق الرئيسية من دون التعرض للعقوبات أو العزلة.
تسعير الحماية البحرية
كانت حماية طرق التجارة تُقدم طويلًا بوصفها منفعة عامة دولية. فالأسطول الذي يطارد القراصنة أو يزيل الألغام أو يفتح ممرًا مغلقًا لا يحمي سفينة واحدة فقط، بل يعيد الطريق إلى جميع المستخدمين.
وقد تحملت الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من كلفة هذا النظام لأنها رأت أن انسياب التجارة العالمية يخدم اقتصادها وتحالفاتها والنظام السياسي الذي تقوده. لكن ارتفاع كلفة الانتشار العسكري وتعدد الأزمات البحرية يدفعان نحو إعادة طرح سؤال: من يجب أن يدفع ثمن الحماية؟
أظهرت أزمة هرمز إمكان الانتقال من حماية مجانية أو ممولة من الموازنات العامة إلى حماية ترتبط بمقابل اقتصادي مباشر أو غير مباشر. وكان اقتراح الحصول على 20 في المئة من قيمة الحمولات أكثر أشكال هذا الاتجاه وضوحًا، لأنه ربط بين حجم التجارة وبين القوة العسكرية التي تؤمّن عبورها.
لكن تسعير الحماية لا يحتاج دائمًا إلى رسم معلن. فقد يظهر من خلال ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، ورسوم المرافقة العسكرية، وكلفة خدمات المراقبة والإنذار، وتأخير السفن، وتغيير المسارات، وزيادة أجور الطواقم، ومتطلبات التفتيش والامتثال.
وتنتقل هذه التكاليف من مالك السفينة إلى المستورد، ثم إلى الشركات والمستهلكين. وبذلك لا يتحمل مستخدم الطريق المباشر وحده كلفة الحماية، بل تتوزع على أسعار الوقود والغذاء والصناعة والنقل والكهرباء.
وقد يؤدي ترسيخ هذا النموذج إلى نشوء نظام تتفاوت فيه كلفة الملاحة بحسب هوية السفينة ومالكها وعلمها وحمولتها ووجهتها، وبحسب مستوى توافقها مع القواعد التي تضعها القوى المهيمنة.
من حماية المرور إلى التحكم في التجارة
لا يقتصر النفوذ في النظام الملاحي على تقرير ما إذا كانت السفينة تستطيع العبور، بل يمتد إلى تحديد نوع التجارة التي تنقلها. فإذا رُبطت الحماية بمصدر الحمولة أو وجهتها، لم تعد القوة البحرية تحمي حرية الملاحة للجميع، بل تفرز بين تجارة مقبولة وأخرى مستبعدة.
ويمكن أن ينشأ عن ذلك تقسيم غير رسمي للسفن إلى فئتين. تضم الفئة الأولى السفن التي تكشف ملكيتها، وتحمل تأمينًا معترفًا به، وتلتزم بأنظمة التتبع، ولا تتعامل مع جهات خاضعة للعقوبات. وتحصل هذه السفن على التمويل ودخول الموانئ والحماية والخدمات بسهولة أكبر.
أما الفئة الثانية فتضم السفن التي تستخدم هياكل ملكية غامضة، أو تعمل بتأمين محدود، أو تغير أسماءها وأعلامها، أو تنقل حمولات مرتبطة بدول خاضعة للعقوبات. وتواجه هذه السفن كلفة أعلى ومخاطر أكبر واحتمال منعها من دخول الموانئ أو التعامل مع البنوك والشركات الكبرى.
ويعني هذا التحول أن شرعية السفينة لا تعود مرتبطة بسلامتها الفنية وقانون دولة العلم فقط، بل تتصل أيضًا بمدى توافق نشاطها التجاري مع منظومة العقوبات والتمويل الغربية.
وهنا يظهر الفرق بين حرية البحر وحرية التجارة. فقد تكون السفينة حرة في الإبحار داخل المياه الدولية، لكنها لا تكون حرة فعليًا في بيع حمولتها أو دخول الموانئ أو استخدام الخدمات التي يحتاج إليها نشاطها.
أساطيل الظل بوصفها نظامًا موازيًا
نشأت أساطيل الظل استجابة مباشرة لمحاولات استخدام خدمات الملاحة والتأمين والتمويل لفرض العقوبات والتحكم في الصادرات. ولا تمثل هذه الأساطيل تنظيمًا موحدًا، بل شبكة من السفن والمالكين والوسطاء وشركات التأمين والخدمات التي تعمل خارج المنظومة الغربية أو على أطرافها.
تستخدم بعض هذه السفن شركات ذات ملكية غير واضحة، وتغير أسماءها وأعلامها بصورة متكررة، وقد توقف أجهزة التعريف الآلي أو تجري عمليات نقل للحمولات بين السفن في البحر. كما يعتمد بعضها على سفن قديمة وتأمين محدود وسجلات يصعب التحقق منها.
عرّفت المنظمة البحرية الدولية أساطيل الظل بأنها السفن المنخرطة في عمليات غير قانونية بغرض الالتفاف على العقوبات أو تجنب قواعد السلامة والبيئة أو تكاليف التأمين، أو ممارسة أنشطة غير مشروعة أخرى. كما حذرت من أن ضعف الصيانة وغموض الملكية ونقص التأمين يزيد مخاطر الحوادث والتسربات النفطية.
ولهذا توجد مبررات حقيقية لمراقبة هذه السفن. فالناقلة القديمة أو غير المؤمنة يمكن أن تتسبب في كارثة بيئية من دون وجود جهة قادرة على دفع التعويضات. كما أن تعطيل أجهزة التتبع وتزوير التسجيل يهددان سلامة السفن والبحارة ويعقدان عمليات الإنقاذ.
لكن أساطيل الظل تؤدي في الوقت نفسه وظيفة جيوسياسية أوسع. فهي تمكّن روسيا وإيران وفنزويلا ودولًا أخرى من تصدير النفط والسلع بعيدًا عن شركات التأمين والتمويل الغربية، وتسمح للمشترين باستخدام عملات وخدمات وموانئ بديلة.
ومن هذه الزاوية تمثل أساطيل الظل محاولة لبناء نظام ملاحي موازٍ، لا يخضع بالكامل للقدرة الأميركية على مراقبة التجارة أو تحديد أسعارها وشروطها.
هل تستطيع الولايات المتحدة القضاء على أساطيل الظل؟
تستطيع الولايات المتحدة وحلفاؤها تضييق عمل هذه الأساطيل من خلال استهداف الحلقات التي تجعل السفن قادرة على التجارة. ويمكن فرض عقوبات على المالكين والمشغلين والوسطاء، والضغط على دول الأعلام لإلغاء التسجيل، ومنع السفن من دخول الموانئ، وحرمانها من الصيانة والوقود وشهادات التصنيف والتأمين.
كما تسمح الأقمار الصناعية وتحليل البيانات بتتبع السفن عند إغلاق أجهزة التعريف الآلي، ورصد عمليات نقل الحمولات في البحر، والكشف عن التناقض بين مسارات السفن ووثائقها. ويمكن استخدام البيانات المالية وسجلات الشركات للوصول إلى المالك المستفيد الحقيقي خلف الشركات المسجلة بأسماء مؤقتة.
غير أن هذه الوسائل لا تمنح واشنطن حقًا قانونيًا مطلقًا في توقيف كل سفينة لا تلتزم بعقوباتها. ففي أعالي البحار تخضع السفينة أساسًا لولاية دولة العلم، ولا يجوز اعتراضها لمجرد تعاملها مع دولة خاضعة لعقوبات أحادية، ما لم يوجد أساس قانوني آخر، مثل انعدام الجنسية أو القرصنة أو التهريب أو قرار صادر عن مجلس الأمن.
كما أن قرارات المنظمة البحرية الدولية المتعلقة بأساطيل الظل تركز على التسجيل المزور والسلامة والتأمين والمخاطر البيئية، ولا تجعل العقوبات الوطنية الأميركية قانونًا بحريًا عالميًا.
لذلك يظل القضاء الكامل على أساطيل الظل أمرًا صعبًا. فكلما زادت الضغوط، ظهرت شركات جديدة وأعلام بديلة وموانئ ومسارات أكثر تعقيدًا. وقد تنجح العقوبات في رفع كلفة العمل خارج النظام الرسمي، لكنها لا تضمن إنهاء التجارة الموازية.
أين تنتهي السلامة وتبدأ الهيمنة؟
تمثل مكافحة السفن غير الآمنة هدفًا مشروعًا، لكن الإشكال يظهر عندما يختلط معيار السلامة بمعيار الالتزام السياسي بالعقوبات.
فقد تكون السفينة مسجلة بصورة صحيحة، وتكشف عن مالكها ومسارها، وتحمل تأمينًا صادرًا عن جهة غير غربية، لكنها تنقل نفطًا من دولة خاضعة للعقوبات الأميركية. وفي هذه الحالة لا تكون المشكلة بالضرورة في سلامة السفينة، بل في طبيعة التجارة التي تمارسها.
إذا جرى وضع الحالتين في فئة واحدة، فقد يتحول مفهوم أسطول الظل من وصف للسفن الخطرة وغير القانونية إلى أداة لتصنيف كل سفينة تعمل خارج النظام الغربي على أنها غير مشروعة.
وعندها تصبح الشفافية البحرية جزءًا من نظام رقابة شامل، يتطلب من السفينة الكشف عن مالكها وحمولتها وسعر البضاعة ومصدر التمويل وهوية المشتري، ليس لأغراض السلامة وحدها، بل للتحقق من توافق نشاطها مع السياسة الاقتصادية والأمنية للقوة المهيمنة.
ولا يعني ذلك رفض الشفافية أو الدفاع عن التلاعب بالسجلات والتأمين، بل ضرورة التمييز بين القواعد الدولية التي تحمي البحارة والبيئة وسلامة الملاحة، وبين العقوبات الأحادية التي تعكس خيارات سياسية لدولة أو تحالف.
الإطار القانوني وحدود القوة
تمنح اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار السفن والطائرات حق المرور العابر في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وتنص على أن هذا المرور لا يجوز إعاقته. كما تسمح للدول المطلة بتنظيم المسارات بما يضمن السلامة ومنع التلوث، من دون تحويل المضيق إلى طريق مغلق أو خاضع لشروط تمييزية.
لكن أزمة هرمز كشفت الفجوة بين وجود الحق القانوني والقدرة على ممارسته. فالقانون يمنح السفينة حق العبور، لكنه لا يزيل الألغام ولا يمنع الصواريخ والطائرات المسيّرة، ولا يجبر شركة الشحن على المخاطرة بالسفينة والطاقم.
ومن هذه الفجوة تنشأ قوة الولايات المتحدة. فهي لا تملك حقًا قانونيًا خاصًا في إدارة البحار، لكنها تملك قدرة عسكرية لا تتوافر لمعظم الدول والمؤسسات الدولية. ولذلك تستطيع تقديم نفسها بوصفها الجهة القادرة على حماية الحق الذي يعجز القانون وحده عن ضمانه.
لكن استخدام هذه القدرة لفرض رسوم أو لاستبعاد حمولات وسفن معينة قد يضعف شرعية الدور الأميركي. فإذا أصبحت الحماية مشروطة بالمقابل المالي أو بالالتزام بالعقوبات الأميركية، فإنها تنتقل من حماية قاعدة دولية مشتركة إلى إدارة انتقائية للملاحة.
الصين وحدود الهيمنة الأميركية
تمثل الصين التحدي الأكبر لاستمرار الهيمنة الأميركية على النظام الملاحي، لأنها تجمع بين قاعدة صناعية ضخمة وأسطول تجاري متنامٍ واستثمارات واسعة في الموانئ وسلاسل الإمداد.
ففي الوقت الذي تتفوق فيه الولايات المتحدة عسكريًا وماليًا، تتفوق الصين في بناء السفن وتشغيل الموانئ وإنتاج المعدات البحرية. ويمنحها ذلك القدرة على تطوير خدمات تأمين وتمويل وتصنيف وصيانة يمكن أن تقلل اعتماد التجارة على المنظومة الغربية.
وتستطيع بكين توسيع التسويات باليوان، ودعم شركات التأمين الحكومية، وإبرام عقود طويلة الأجل مع الدول المنتجة، وربط الموانئ التي تستثمر فيها بشبكة لوجستية وتجارية مستقلة نسبيًا.
لكن الصين لا تستفيد من انهيار حرية الملاحة. فهي تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأولية عبر مسافات طويلة وممرات معرضة للاضطراب. ولذلك تحتاج إلى استقرار البحار بقدر حاجتها إلى تقليص السيطرة الأميركية عليها.
والمسار الأكثر احتمالًا ليس أن تستبدل الصين النظام الأميركي بنظام صيني كامل، بل أن تعمل على بناء بدائل جزئية تتيح لها ولشركائها الاستمرار في التجارة عند استخدام واشنطن للعقوبات والخدمات البحرية أداةً للضغط.
من يستفيد ومن يدفع الكلفة؟
تستفيد الولايات المتحدة من تحويل الحماية البحرية إلى أداة تفاوضية؛ إذ تستطيع مطالبة الحلفاء بتحمل جزء من النفقات أو تقديم استثمارات وتنازلات اقتصادية وسياسية مقابل استمرار المظلة الأمنية.
كما تستفيد شركات التأمين والخدمات البحرية المعترف بها من خروج المنافسين غير الممتثلين، وتستفيد شركات البيانات والأقمار الصناعية من ارتفاع الطلب على مراقبة السفن والحمولات. وقد تستفيد شركات الشحن التي تملك سفنًا حديثة ومؤمنة من انخفاض عدد الناقلات المتاحة وارتفاع أجور النقل.
لكن الكلفة النهائية لا تبقى داخل قطاع الملاحة. فارتفاع التأمين وأجور الشحن وتغيير المسارات ينتقل إلى الدول المستوردة، ثم إلى الشركات والمستهلكين. وتكون الدول النامية الأكثر تعرضًا لأنها تعتمد على الواردات ولا تملك مخزونات أو بدائل كافية.
وبذلك يصبح تسعير الأمن البحري شكلًا من أشكال الضريبة غير المباشرة على التجارة العالمية. فكل دولار إضافي يدفع لحماية الناقلة أو تأمينها يظهر لاحقًا في سعر الوقود والغذاء والأسمدة والكهرباء والسلع المصنعة.
مستقبل النظام الملاحي العالمي
السيناريو الأول: نظام أميركي للملاحة المشروطة
تبقى البحار مفتوحة من الناحية القانونية، لكن الوصول الآمن والاقتصادي إليها يرتبط بالمنظومة الأميركية–الغربية. تحصل السفن الممتثلة على التأمين والتمويل والحماية ودخول الموانئ، بينما تواجه السفن الخارجة عن النظام كلفة أكبر ومخاطر أعلى.
ولا تحتاج الولايات المتحدة في هذا السيناريو إلى فرض رسم عالمي مباشر، بل تستعيد كلفة الحماية عبر مساهمات الحلفاء والاستثمارات وعقود التسليح والاتفاقات التجارية والامتثال السياسي.
السيناريو الثاني: نظام بحري بطبقتين
تتكون الطبقة الأولى من السفن الرسمية ذات الملكية والتأمين والتمويل الواضح، والتي تستطيع الوصول إلى الموانئ والأسواق الرئيسية.
أما الطبقة الثانية فتضم أساطيل الظل التي تعتمد على شركات وأعلام وتأمين وتمويل وموانئ بديلة. ويؤدي هذا الانقسام إلى رفع المخاطر البيئية والأمنية، وزيادة كلفة الرقابة والتجارة.
وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، لأن العقوبات لن توقف التجارة بالكامل، لكنها ستدفع جزءًا متزايدًا منها إلى خارج النظام الرسمي.
السيناريو الثالث: تقسيم البحار إلى مناطق نفوذ
قد تتطور المنافسة إلى مسارات وموانئ مرتبطة بكتل سياسية مختلفة. وتظهر طرق تحميها الولايات المتحدة، وشبكات موانئ وخدمات مرتبطة بالصين، وقوافل أو ترتيبات حماية روسية، إلى جانب قوى إقليمية تسعى إلى فرض قواعدها ورسومها.
وفي هذا السيناريو تبقى البحار مفتوحة جغرافيًا، لكنها تفقد وحدتها القانونية والتجارية، وتحصل السفن على معاملة مختلفة بحسب علمها ومالكها وحمولتها وتحالفاتها.
السيناريو الرابع: إعادة بناء نظام متعدد الأطراف
يقوم هذا السيناريو على تعزيز دور الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية، وإنشاء آليات جماعية لتمويل سلامة الطرق البحرية وإزالة الألغام ومكافحة القرصنة وحماية البيئة.
ويتطلب ذلك وضع قواعد موحدة للشفافية والتأمين والتفتيش، مع الفصل بين متطلبات السلامة البحرية والعقوبات الأحادية، ومنع تحويل حماية الممرات إلى وسيلة للجباية أو السيطرة السياسية.
ويظل هذا السيناريو الأفضل لحماية التجارة العالمية، لكنه يحتاج إلى توافق بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والدول الساحلية، وهو توافق يصعب تحقيقه في ظل تصاعد المنافسة الدولية.
الخاتمة: من يملك مفاتيح البحر؟
فتحت أزمة مضيق هرمز مرحلة جديدة في التفكير بمستقبل الملاحة العالمية. فقد أظهرت أن تعطيل ممر بحري واحد قادر على إرباك الطاقة والتجارة والأسعار في مناطق بعيدة، وأن القوة التي تستطيع إعادة فتحه تستطيع أيضًا المطالبة بثمن اقتصادي أو سياسي مقابل الحماية.
كما كشفت أن الصراع لم يعد يدور حول السيطرة على المضائق والممرات وحدها، بل حول السيطرة على النظام الذي يسمح للسفينة بالعمل: التأمين والتمويل والتسجيل والتصنيف والموانئ والبيانات والحماية العسكرية.
لا تستطيع الولايات المتحدة احتكار البحار ماديًا، لأنها لا تملك غالبية الأسطول التجاري، ولأن صناعة السفن تتركز في آسيا، ولأن الصين أصبحت قوة تجارية وبحرية لا يمكن تجاوزها. لكنها تستطيع، بالتعاون مع حلفائها، فرض نفوذ واسع على شروط الملاحة الرسمية، وتحديد السفن التي تحصل على الخدمات والحماية والوصول إلى الأسواق.
ومن هنا تصبح ملاحقة أساطيل الظل جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي. فالولايات المتحدة تنظر إلى هذه الأساطيل بوصفها وسيلة للالتفاف على العقوبات ومصدرًا للمخاطر، بينما تراها الدول المستهدفة أداة لبناء تجارة لا تخضع بصورة كاملة للقرار الغربي.
وقد يقود ذلك إلى بحار مفتوحة من الناحية الجغرافية، لكنها منقسمة من الناحية السياسية والاقتصادية: سفن تحظى بالحماية والاعتراف، وسفن تتحرك خارج النظام، وقوى تسعّر الأمن، ودول تستخدم التأمين والتمويل والموانئ لتحديد من يستطيع التجارة.
وبذلك لم يعد السؤال الأساسي: من يسيطر على مضيق هرمز أو باب المندب أو ملقا؟
بل أصبح:
من يملك مفاتيح النظام الملاحي العالمي، ومن يحدد شروط الدخول إليه، ومن يتحمل في النهاية كلفة حماية التجارة الدولية؟



اضف تعليق