إن قضية الإصلاح أو الفساد هي عملية مترابطة ومتداخلة وليست مفكّكة، وأهم قاعدة صلاح هنا هي قاعدة المجتمع، فإن صلح صلح النظام السياسي وإن فسد فسد النظام. فالحكومة هي ابن شرعي لطبيعة بيئتها الاجتماعية، ومن المحال تفكيك هذه العلاقة التلازمية، ومن هنا تنبع حتمية تحصين أفكار الأفراد وتشذيب سلوكياتهم لخلق حاضنة لا تلد إلا الحكم الصالح...
(إن المحيط الاجتماعي هو الذي يحدد طبيعة الحكم سواء كان صالحا أو فاسدا)
الإمام الشيرازي
إن العلاقة بين طبيعة السلطة وصلاح المجتمع أو فساده هي واحدة من أعقد الجدليات الفكرية والسياسية التي شغلت الفلاسفة والمصلحين عبر التاريخ، فهل الحكومة مجرد مرآة عاكسة لثقافة الشعب وقيمه، أم أنها كيان مستقل يملك القدرة على صياغة أخلاق المجتمع وتوجيه سلوكه؟ هذا التساؤل يضعنا أمام دائرة مغلقة من التأثير المتبادل، حيث يصعب فصل السبب عن النتيجة، وتتداخل فيه المسؤولية الأخلاقية والسياسية بين الراعي والرعية.
الرأي الأول يذهب إلى أن المجتمع هو الأصل، وأن الحكومات ما هي إلا نبتة طبيعية تخرج من تربته الثقافية والاجتماعية وحتى الأخلاقية.
ووفق هذا المنظور، فإن الحكومة الصالحة لا يمكن أن تولد في بيئة يهيمن عليها الفساد والمحسوبية وغياب الوعي، كما أن الحكومة الفاسدة لا تجد لها موطئ قدم في مجتمع يتمسك أفراده بالنزاهة والقانون ويرفضون الانصياع للظلم.
إن القوانين والأنظمة، مهما بلغت دقتها، تظل حبراً على ورق ما لم تحرسها قيم المجتمع. ومن هنا، فإن إصلاح السلطة يبدأ حتماً من قاعدة الهرم، أي من خلال تربية الفرد وتوعية المجموع، لأن الحاكم في نهاية المطاف هو ابن هذا المجتمع، يحمل ثقافة بيئته ونقاط قوتها أو ضعفها إلى سدة الحكم.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن السلطة هي المحرك الأساسي وصانعة التحولات الكبرى. فالحكومة الفاسدة تمتلك أدوات قوية لترسيخ الفساد وجعله نمط حياة لا مفر منه، من خلال إفساد التعليم، وغياب العدالة، وتجويع الشعوب، مما يدفع الأفراد، مكرهين، إلى تبني سلوكيات ملتوية للبقاء على قيد الحياة.
على العكس من ذلك، فإن القيادة الصالحة والمؤسسات القوية تستطيع، بفرض سيادة القانون وتطبيق العدالة الناجزة، أن تقوّم السلوك المجتمعي وتصنع بيئة تحفز النزاهة والإنتاج، حتى وإن كان المجتمع يعاني من رواسب سلبية. فالسلطة هنا هي القدوة والموجّه، وبصلاح رأس الهرم ينصلح الجسد كله، لكن النظرة الأكثر واقعية وعمقاً ترى أن هذه العلاقة ليست ذات اتجاه واحد، بل هي حلقة دائرية وتفاعلية مستمرة.
المجتمع الفاسد ينتج بيئة تسهل صعود الفاسدين، وهؤلاء الفاسدون بدورهم يعمقون فساد المجتمع ليضمنوا استمرار نفوذهم. وبالمثل، فإن الوعي المجتمعي يلد مطالب إصلاحية تقود إلى حكومة صالحة، وهذه الحكومة تعمل على تحصين المجتمع ورفع كفاءته، لذلك، لا يمكن إلقاء اللوم بالكامل على طرف دون الآخر، فالصلاح والفساد في منظومة الدولة والمجتمع عملية تشاركية حيث لا تنهض الأوطان إلا بتلازم الوعي مع الإرادة السياسية.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام):
(من المحيط الاجتماعي - فاسداً كان أو صالحاً - تنشأ الحكومات، ففساد أو صلاح الحكومات نابع من صلاح أو فساد المحيطات، ولذا ورد في الحديث، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (كيفما تكونوا يولى عليكم).
عدم الرضوخ للمسؤول الفاسد
إذن هي نتيجة طبيعية لا تحديد إلى ذكاء شديد لاكتشافها وتأشيرها، والعمل في ضوئها، بمعنى إذا حوصر المجتمع بنظام سياسي فاسد من الواجب أن يبتعد عن الاستسلام والرضوخ إلى المسؤولين الفاسدين، لاسيما وأن هذا النظام سوف يعمل بقوة على تكريس ثقافة الفساد بكل أنواعه، حتى يقع الشعب ضمن هذه المنظومة التي تلبّي مصالح النظام.
والحقيقة التي لابد أن يفهمها المجتمع أو الشعب كله، هي ليس هنالك منقذا للشعب غير نفسه، تبعا للآية القرآنية التي تقول (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)،ولذا وجب على الشعوب لاسيما النخب الموجودة فيها أن تسعى بجدية هائلة لكي تُصلح نفسها، أو بمعنى أدق أن تساعد الشعب كله على أن يكون واعيا ومثقفا.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(من الطبيعي أن المحيط الاجتماعي الصالح ينشئ الأفراد الصالحين الذين يصلون إلى الحكم، والمحيط الاجتماعي الفاسد ينشئ الأفراد الفاسدين الذين يصلون إلى الحكم).
ولعلنا لا نخطئ حين نقول أن قضية الإصلاح أو الفساد هي عملية مترابطة ومتداخلة، وليست مفكّكة، بمعنى عندما نريد حكما سياسيا سليما، يجب أن نبدأ بالنفوس والقلوب وحتى الأجسام، فلا يمكن أن يخرج حكم صالح من قلب فاسد ولا من بدن عليل، حتى تاريخ الإنسان له دخل كبير في قضية الصلاح أو الفساد، بمعنى كلما كان تاريخ الإنسان والشعب ناصعا مشرقا منصفا سليما، هذا يساعد على بزوف حكم سياسي صالح ويصح العكس أيضا.
وأهم قاعدة صلاح هنا هي قاعدة المجتمع، فإن صلح صلح النظام السياسي وإن فسد النظام السياسي، وهذا يعني أن العملية ترابطية متشابكة مع بعضها، ومن المحال أن يتم تفكيكها وإظهار نتائج معاكسة لها، وهذا ما يفسر تأكيد العلماء والمصلحون على أهمية وحتمية زرع اللبنات الاجتماعية السليمة، حتى يكون زرعها صالحا وسليما.
الإمام الشيرازي يقول حول هذه النقطة:
(الحكم ينبع من سُلّم النفس، والبدن، والتاريخ، والمحيط الاجتماعي، والمحيط الطبيعي، وهو جزء من المحيط الاجتماعي، فبصلاح المحيط الاجتماعي التابع لصلاح النفس يصلح الحكم، وبفساده يفسد الحكم).
مسببات ولادة الحكم الصالح
وهنا نكتشف نتيجة منطقية بالغة الأهمية تتعلق بطبيعة علاقة الناس مع الدنيا من ناحية ومع الآخرة من ناحية أخرى، فحين يتشبث الإنسان ويربط جذوره بالمادة الدنيوية، سوف تنقطع جذوره عن السماء ويصبح ذا توجهات وأهداف حدودها الدنيا لا أكثر، فيربط مصيره ومساعيه وحتى أعماله بدنياه لا أكثر، وهذا خطأ فادح يرتكبه الإنسان ضد نفسه.
وإذا كانت بوصلة الإنسان تتجه نحو السماء، سوف تكون جذورها مرتبطة بها، فيكون إنسانا مختلفا عن الإنسان الدنيوي المادي المحدود، فمن يخلد إلى السماء ترفعها إليه وتمنحه المنزلة والمكانة التي تليق به ويستحقها، وهذا بالطبع يساعد على بناء بنية اجتماعية صالحة يمكنها إفراز أنظمة سياسية محصّنة من الانحراف ولا تقرب الفساد.
يقول الإمام الشيرازي حول نتائج الخلود إلى الأرض والارتباط بالسماء:
(إن من يقطع جذوره بالسماء ليخلد إلى الأرض، ومن يقطع جذوره من الأرض ليطمئن إلى السماء سوف يتلقى كل واحد منهما - فرداً أو جماعةً أو أمةً - جزاءه الطبيعي المناسب له).
ولابد أن يعرف أي إنسان بأن هناك مجموعة من أنواع الجزاء سوف يتلقها بعض النظر عن كونه (فردا أو جماعة)، بعضها يتعلق بشخصه حصرا، ومنها ما يخص تاريخه، وكذلك الجزاء البرزخي، بالإضافة إلى جزاء الحشر الجمعي، وهنالك أيضا جزاء الجنة والنار، وكلّ حسبما يستحق.
أما ما يخص الجزاء الشخصي، فإن كل شخص يؤذي الآخرين ويتسبب لهم في آلام أو أنواعا أخرى من الأذى، سوف يُجزى بهذه الأفعال التي آذى بها الناس، وعلى العكس من ذلك تماما، فإن من يُحسِن سوف يُحسَن له، أي أنه يُجزى بالإحسان.
(إن هنالك خمسة أنواع من الجزاء يتلقاها الإنسان - فردا أو جماعة - الجزاء الشخصي، والجزاء التاريخي، والجزاء البرزخي، وجزاء المحشر، والجزاء بالجنة أو النار. فالجزاء الشخصي هو أن الإنسان المحسن يُحسن اليه، والإنسان المسيء يُساء إليه، فمن أهان الناس أُهين، ومن احترمَ الناس اُحترم).
خلاصة ما نفهمه من هذه الكلمة، أن العمل على بناء المجتمع أخلاقيا وإصلاحيا، سوف يصبّ بالنتيجة في خلق حكم صالح، تربته صالحة، مرتبطة بالحاضنة الاجتماعية التي ينمو في تربتها، لذا فإن أي نظام سياسي هو ابن شرعي لطبيعة بيئته الاجتماعية، لذلك يحث العلماء المصلحون الناس على تثقيف أنفسهم وزيادة وعيهم وتحصين أفكارهم وتشذيب سلوكياتهم، لكي يحصلوا بالنتيجة على حاضنة اجتماعية مكتملة صالحة لا تلِد إلا الحكم الصالح.



اضف تعليق