في 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري توصل مؤتمر قمة التغير المناخي المنعقد في باريس إلى اتفاقية بخصوص الحد من ارتفاع درجات الحرارة بحلول عام 2050 إلى أقل من درجتين مئويتين. وهذه هي الاتفاقية الأولى التي تلزم جميع دول العالم بتقليص انبعاثات غازات الكربون.

وقد اعتبرت الاتفاقية عند توقيعها إنجازا تاريخيا مهما لما يتوقع ان يكون له من مردودات إيجابية على المناخ العالمي وما يتعلق بذلك من أوجه النشاط البشري على الأرض.

المؤكد ان جميع الدول الصناعية الكبرى، وقبلها الدول ذات الماضي الاستعماري مسؤولة بشكل مباشر عما الت اليه الأوضاع المناخية في العالم.. وربما تعود جذور هذا التأثير لهذه الدول الى أيام توسعها الاستعماري وما احدثته من تغيير في الكثير من المناطق التي استعمرتها.

من هنا ظهر مصطلح "الامبريالية البيئية" والذي صاغه "الفريد كروسبي" في العام 1986 لوصف اشكال التغير المادي التي طرأت على بيئات المجتمعات المستعمرة خلال الاحتلال الكولونيالي. ووفقا لهذه الفرضية لم تغير الامبريالية الهياكل الثقافية والسياسية والاجتماعية وحسب للمجتمعات المستعمرة، لكنها خربت كذلك البيئات واشكال العيش التقليدية فيها.

وساق كروسبي حجة مقنعة بشتان نجاح الامبريالية الاوربية بوصفها تشتمل في الأساس على "عنصر بيولوجي وبيئي"، فالأمراض الاوربية نقلت بجهالة (ونادرا جدا عن عمد)، الى أجزاء أخرى من المعمورة حيث اهلكت قسما كبيرا من السكان الأصليين وبالتالي سهلت الغزو العسكري والتكنولوجي الأوربي. ويمكن النظر كذلك الى وباء ايبولا الذي كثيرا ماينتشر في قارة افريقيا حاصدا أرواح الالاف من سكانها، وغيرها الكثير من الامراض والاوبئة والتي نجدها علاجاتها لدى شركات الادوية الاوربية والأمريكية الكبرى.

والاهم ان المحاصيل والماشية التي أدخلت لهذه المناطق لم تدعم الجيوش الغازية والسكان الاستعماريين فحسب، بل غيرت جذريا فيما يطلق عليه كروسبي اسم "الاوروبّات المستحدثة" (المستعمرات الاستيطانية)، بيئة الأراضي المحتلة باسرها بطرق جلبت بالضرورة الاضرار على السكان الأصليين وابادت او جلبت المخاطر على المواطن الاصلية للنباتات وعالم الاحياء التي تعتمد عليها ثقافاتهم وحياتهم ذاتها في بعض الأحيان. وسريعا أصبحت "الاوروبّات المستحدثة" القائمة في تلك المناطق المعتادة في النصفين الشمالي والجنوبي "كندا والولايات المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا والأرجنتين" والتي تقارب جدا مناخ اوربا، المصدّرين الأساسيين للمحاصيل الغذائية الاوربية برغم ان احياء المواطن الاصلية فيها كانت مختلفة ومتنوعة الى حد كبير.

وكما يرى كروسبي فان المناطق التي تصدّر اليوم المزيد من المواد الغذائية اوربية المنشأ، الحبوب واللحوم، أكثر من أي أراض أخرى على سطح الارض، لم يكن لديها قمح او شعير او نبات الشيلم او ماشية او خنازير او خراف او ماعز على الاطلاق منذ خمسة قرون. ومما يمكن التدليل عليه ان هذا قد افضى الى أعمق التغيرات البيئية التي شهدها العالم.

ويمكن تكوين رابط مباشر بين المجاعات الحالية في مناطق افريقيا جنوب الصحراء الكبرى والإصرار الأوربي على الاستزراع المتكرر للمحاصيل النقدية من اجل التصدير للمراكز الحضرية عوضا عن دورة المحاصيل التقليدية مما ابقى منطقة الصحراء في وضع بائس.

وبوصفها شكلا رئيسيا من الاشكال الاوربية لشغل الحيّز، وبوصفها اكثر وسائل التحكم الاجتماعية والإقليمية تأثيرا، فان الامبريالية البيئية لا يمكن ان يستخف بها. ويمكن ان يمتد معنى هذا المصطلح ليشمل ميدان الكولونيالية الجديدة في التسجيل الغربي (او متعدد الجنسيات) الحالي لبراءات اختراع أنواع نباتات وحيوانات "عالم ثالث" وفي التدمير العالمي (برعاية كل من الشركات الغربية والآسيوية) للغابات المطيرة على سبيل المثال.

ومؤخرا سيقت حجج بان جذور الوعي البيئي الغربي الحالي موجودة في الإمبراطورية البريطانية. ففي الهند والكاريبي صادف الاوربيون توجهات نحو عالم الطبيعة تختلف بصورة جذرية عن توجهاتهم، وكانت بصفة عامة توجهات "أكثر حفظا وصيانة" وأكثر احتراما وايمانا بالمذهب الحيوي (الاعتقاد بحضور روح حية في النباتات والجماد والظواهر لطبيعية).

وكثيرا ما اضطرت السياسات الاوربية في المستعمرات الى التوصل الى حلول وسطية مع هذه التوجهات المختلفة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0