بيل إيموت

 

لندن ــ لا شك أن تحركات الأسعار بهذا القدر من الضخامة والسرعة كتلك التي قلبت أسواق النفط رأساً على عقب منذ يونيو/حزيران 2014 كفيلة بإيلام بعض الناس وإسعاد بعضهم الآخر. ورغم أن الآلام تميل إلى اجتذاب القدر الأعظم من الاهتمام، فإن الفوائد لا تقل أهمية ــ إن لم تكن أكثر أهمية. إن انخفاض سعر برميل النفط الخام بنحو 70% يمثل تحويلاً مالياً هائل الضخامة بقيمة 3 تريليون دولار أميركي في هيئة دخل سنوي من منتجي النفط إلى مستهلكيه.

ونتيجة لهذا، فبرغم تسبب انحدار أسواق الأسهم والمزيد من انخفاض أسعار النفط (وغيره من السلع الأساسية) في إثارة الكثير من الأحاديث حول ركود عالمي آخر، فمن المرجح أن تثبت التوقعات الرهيبة كونها مفرطة في التشاؤم ومضللة. من المؤكد أن الهبوط الحاد الذي سجلته أسعار النفط من شأنه أن يُفضي إلى فائزين وخاسرين، ولكن أعظم المخاطر ستكون سياسية وليست اقتصادية.

ولعل أفضل طريقة للنظر إلى تحول الحظوظ على هذا النحو تتمثل في فحص بطاقات صعود مسؤولي صندوق النقد الدولي إلى الطائرات. فهم بدلاً من الذهاب إلى أثينا يتوجهون الآن إلى باكو. والواقع أن الدكتاتوريات المنتجة للنفط في آسيا الوسطى، بما في ذلك أذربيجان، كانت بين الدول الأشد تضرراً بانخفاض الأسعار ــ خاصة وأنها تظل، بحكم كونها من دول الاتحاد السوفييتي سابقا، شديدة الاعتماد على التجارة مع روسيا، وهي دولة أخرى منتجة للنفط.

ومن الواضح أن الدول المثقلة بالديون المستوردة للنفط في منطقة اليورو: اليونان، وإيطاليا، وأسبانيا (وألمانيا أيضاً من المرجح أن تستفيد) ستكون من أكبر المستفيدين من تراجع الأسعار. وسوف تعاني أسواق صادراتها في الاقتصادات الناشئة، وهو ما من شأنه أن يثبط الآمال في التعافي استناداً إلى التجارة، ولكن هذا التأثير السلبي يمكن التعويض عنه تماماً بفِعل المكاسب غير المتوقعة نتيجة للانخفاض الكبير في تكاليف الطاقة. وسوف يستند النمو في منطقة اليورو على الزيادة الناتجة في الطلب المحلي، بدلاً من الصادرات.

أما الدول المنتجة والمستوردة للنفط في نفس الوقت، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فمن المرجح أن يكون التأثير على اقتصاداتها أكثر تعقيدا. ففي العامين 2013 و2014، كانت شركات الطاقة تهيمن على الاستثمار في الأعمال والمشاريع، وسوف تترجم التخفيضات في هذا القطاع إلى خسارة الوظائف وتراجع الطلب على شركات التصنيع وشركات الخدمات التي تتولى التوريد لهذه الصناعة.

ومن ناحية أخرى، من المتوقع أن يرتفع الإنفاق الاستهلاكي في البلدين. ففي حين ادخر المستهلكون في الولايات المتحدة حتى الآن قسماً كبيراً من المكاسب غير المتوقعة التي حصلوا عليها نتيجة لانخفاض أسعار الوقود، فقد بدأت مكاسب الأسر تترجم إلى مستويات أعلى من الإنفاق.

ومن المرجح أن ينفق أهل الاقتصاد عِدة أشهر في حيرة من أمرهم حول السبب وراء تباطؤ ظهور التأثيرات الناجمة عن انخفاض أسعار النفط في إحصاءات الاستهلاك. ولكنها في نهاية المطاف سوف تظهر في الإحصاءات، كما تعودت كلما حدث مثل هذا الانخفاض الكبير. والسؤال الأكثر أهمية هنا موجه إلى علماء السياسة: أي الحكومات سوف تنهار هذا العام، وما هي العواقب؟

ليس من قبيل المصادفة أن آخر أزمات الأسواق الناشئة، في الفترة 1997-1998، كانت أيضاً مرتبطة بهبوط حاد في أسعار النفط. وفي تلك الحالة، كان دكتاتور في إندونيسيا، وديمقراطي هش في روسيا، من أكبر الضحايا. ففي مايو/أيار 1998، بعد مرور تسعة أشهر من اندلاع الأزمة المالية في شرق آسيا، استقال الرئيس الإندونيسي سوهارتو بعد 31 عاماً في السلطة. وبعد بضعة أشهر، عجزت روسيا عن سداد ديونها السيادية بسبب انهيار عملتها. وفي الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 1999، استقال الرئيس بوريس يلتسين، تاركاً البلاد بين يدي رئيس الوزراء المعين حديثاً فلاديمير بوتن.

وفي محاولة التنبؤ بأي الحكومات قد تواجه مصيراً مماثلاً هذه المرة، فإن المعايير الأساسية ــ بالإضافة إلى التأثير المالي الناتج عن تراجع أسعار النفط ــ تتلخص في الصمود والمرونة. فهل يتمتع النظام باحتياطيات مالية يستطيع بتوظيفها تخفيف الصدمة وكسب الوقت لضبط أوضاعه؟ وهل تتمتع الدولة بنظام مصرفي قوي؟ وهل يتمكن نظامها السياسي من احتواء الإحباط الشعبي المتنامي أو توجيهه عبر المؤسسات القائمة؟ لا شك أن الأنظمة المعتَمِدة على النفط والتي تفشل في تلبية هذه المعايير تصبح في ورطة أكيدة.

الواقع أن هذا الإطار التحليلي ينتج رؤى مثيرة للدهشة. فبقدر ما يحب الخبراء التنبؤ بانهيار النظام الملكي في المملكة العربية السعودية، فمن المرجح أن يكون نصيبهم خيبة الأمل مرة أخرى. فالسعودية هي الدولة المنتجة للنفط الأرخص تكلفة في العالم، ورغم أن جمودها السياسي أمر لا جدال فيه، فقد أظهرت قدراً من المرونة الاقتصادية من خلال خفض ميزانيتها وإدخال إصلاحات واسعة النطاق.

أما روسيا، فقد تكون أقل حظاً برغم كل تبجحها ووعيدها. ذلك أن قوتها السياسية لا تضاهيها قدرة مماثلة على الصمود مالياً واقتصاديا. وسوف يحاول بوتن إخفاء الألم، ولكن من المرجح عند نقطة ما أن يصبح الألم مضنياً وموهناً للعزيمة.

إن الضحايا المحتملين كثيرون، والعواقب التي قد يخلفها ذلك على الاستقرار الجيوسياسي في مختلف أنحاء العالم مزعجة. فقد كانت فنزويلا في أزمة مالية قبل فترة طويلة من اندلاع أزمة النفط، وتبدو نيجيريا أشبه كثيراً بالحال التي كانت عليها روسيا في عام 1998 ــ ديمقراطية هشة تواجه أزم عُملة.

أما عن التساؤل حول من قد يلقى نفس مصير سوهارتو في الأشهر المقبلة، فإن أفضل تخميناتي تشير إلى واحد أو أكثر من حكام النفط المستبدين في آسيا الوسطى، في أذربيجان وكازاخستان وتركمنستان. وفي كل الأحوال، يَعِدُنا هذا العام بأنه سوف يكون مشوقا ــ ومروعاً إذا كنت دكتاتوراً متشبثاً بالسلطة في دولة مصدرة للنفط.

* رئيس التحرير السابق لمجلة الإيكونوميست

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0