تقدم التجربة الأسترالية نموذجًا لتطوير قطاع الكهرباء عبر تنويع مصادر الإنتاج، والتوسع في الطاقة الشمسية والتخزين، وتحديث الشبكات، وإشراك المواطنين في إنتاج الطاقة. ويستطيع العراق الاستفادة من هذه التجربة لمعالجة أزمته المزمنة من خلال استثمار الغاز المحلي، وتقليل الفاقد، وإصلاح الإدارة، وتشجيع الطاقة المتجددة، ضمن خطة وطنية متكاملة تضمن...

تقدم التجربة الأسترالية في قطاع الكهرباء نموذجًا مهمًا لفهم كيفية الانتقال من الاعتماد على منظومة تقليدية لإنتاج الطاقة إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا ومرونة، تجمع بين محطات التوليد الكبيرة والطاقة الشمسية والرياح والبطاريات والشبكات الذكية، وتفتح المجال أمام المواطنين والشركات للمشاركة في إنتاج الكهرباء وإدارتها. وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها لم تقتصر على إضافة مصادر جديدة للطاقة، بل امتدت إلى إعادة تنظيم السوق، وتطوير البنية التحتية، وتغيير العلاقة بين المنتج والمستهلك، والبحث عن وسائل تضمن استقرار الإمدادات في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

وتكتسب التجربة أهمية خاصة بالنسبة إلى العراق، الذي يمتلك موارد كبيرة من النفط والغاز وإمكانات واسعة لاستثمار الطاقة الشمسية، لكنه لا يزال يواجه أزمة كهرباء معقدة تنعكس على الحياة اليومية والنشاط الاقتصادي والخدمات العامة. وتكشف هذه المفارقة أن امتلاك مصادر الطاقة لا يضمن وحده الحصول على كهرباء مستقرة، إذ يتوقف ذلك أيضًا على كفاءة تحويل الموارد إلى طاقة كهربائية، وقدرة الشبكات على نقلها وتوزيعها، وفاعلية الإدارة في تقليل الهدر وتنظيم الاستهلاك وتوجيه الاستثمارات نحو الاختناقات الحقيقية.

ومن هنا، تطرح التجربة الأسترالية سؤالًا يتجاوز حدود المقارنة بين بلدين مختلفين في الظروف والقدرات: كيف يمكن تحويل أزمة الكهرباء من مشكلة تتكرر مع كل صيف إلى فرصة لإعادة بناء قطاع الطاقة على أسس اقتصادية وتقنية ومؤسسية أكثر استدامة؟ وهل يستطيع العراق الاستفادة من المبادئ التي قامت عليها التجربة الأسترالية، من دون استنساخ نموذج لا يتطابق بالضرورة مع طبيعة أزمته واحتياجاته؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من فهم المراحل التي مر بها التحول الأسترالي، والعوامل التي أسهمت في تقدمه، والنتائج التي حققها، فضلًا عن التحديات التي لا تزال تواجهه، قبل الانتقال إلى دراسة ما يمكن أن يستفيده العراق من هذه التجربة في وضع برنامج وطني يعالج جذور أزمة الكهرباء، بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة تعيد إنتاجها.

أولًا: لماذا احتاجت أستراليا إلى تغيير منظومة الكهرباء؟

لفهم التجربة الأسترالية، ينبغي العودة إلى طبيعة منظومة الكهرباء التي قامت عليها البلاد خلال عقود طويلة، فقد اعتمدت بصورة واسعة على محطات التوليد المركزية التي تستخدم الفحم والغاز، مستفيدة من مواردها الطبيعية الكبيرة والبنية الصناعية القائمة حول إنتاج الوقود واستخدامه. وكانت الكهرباء تنتقل من محطات الإنتاج عبر شبكات النقل ذات الجهد العالي، قبل أن تصل إلى شبكات التوزيع والمنازل والمصانع والمؤسسات، ضمن نموذج تقليدي يقوم على إنتاج الكهرباء في عدد محدود من المواقع الكبيرة ونقلها إلى ملايين المستهلكين.

ومع مرور الوقت، بدأت الظروف التي يقوم عليها هذا النموذج تتغير؛ إذ أصبح قطاع الكهرباء بحاجة إلى استثمارات جديدة لتعويض تقادم محطات التوليد، وازدادت أهمية خفض الانبعاثات، كما أتاح التطور التكنولوجي إنتاج الكهرباء الشمسية والريحية بكلفة تنافسية في مواقع متعددة، بدل الاعتماد الكامل على محطات الوقود التقليدية. وفي الوقت نفسه، أدى انتشار الألواح الشمسية المنزلية إلى تغير طبيعة الشبكة، لأن المستهلك الذي كان يستقبل الكهرباء فقط أصبح قادرًا على إنتاجها، بل وإرسال جزء منها إلى الشبكة عند توافر الشروط الفنية والتجارية اللازمة.

وهكذا، لم تعد المسألة تتعلق باختيار مصدر جديد للطاقة فحسب، وإنما بإعادة النظر في منظومة صُممت أساسًا لنقل الكهرباء من المحطات المركزية إلى المستهلكين، بينما أخذت الكهرباء تُنتج بصورة متزايدة داخل الأحياء السكنية والمنشآت التجارية والمزارع والمحطات الشمسية والريحية البعيدة عن مراكز الاستهلاك. وقد فرض هذا الواقع تحديات جديدة تتعلق بتوازن العرض والطلب، واستقرار الجهد والتردد، وكفاءة الشبكات، والتعامل مع فائض الإنتاج في بعض ساعات النهار وانخفاضه خلال الليل.

ولم يبدأ الإصلاح الأسترالي مع انتشار الطاقة الشمسية وحدها، بل سبقته تحولات مؤسسية وتنظيمية مهمة، كان من أبرزها إنشاء السوق الوطنية للكهرباء عام 1998، التي ربطت أسواق عدد من الولايات في شرق البلاد وجنوبها ضمن منظومة تسمح بتبادل الطاقة والمنافسة بين المنتجين. ثم تطور الإطار المؤسسي بإنشاء الهيئة الأسترالية لسوق الطاقة والجهة التنظيمية الأسترالية للطاقة عام 2005، وتأسيس مشغل سوق الطاقة الأسترالي عام 2009، بما أسهم في الفصل بين وضع قواعد السوق وتشغيل المنظومة والرقابة التنظيمية عليها. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه السوق لا تشمل أستراليا الغربية والإقليم الشمالي، اللذين يمتلكان ترتيبات كهربائية منفصلة.

وقد أتاح هذا التطور المؤسسي وجود إطار تنظيمي يمكن من خلاله إدارة التحول التدريجي، بدل ترك القطاع لمجموعة من القرارات الاستثمارية المنفصلة التي لا تجمعها رؤية واحدة. وأصبح بالإمكان تقييم الاحتياجات المستقبلية من الكهرباء، وتحديد مواقع التوليد المناسبة، ودراسة مشروعات النقل والتخزين، وتنظيم مشاركة المستثمرين والمستهلكين، مع استمرار الجدل حول توزيع التكاليف وضمان عدالة الأسعار وكفاية الاستثمارات.

والأهم أن أستراليا لم تتعامل مع التحول على أنه مشروع قصير الأمد يمكن إنجازه خلال سنوات قليلة، بل بوصفه عملية مستمرة تتطلب تغييرًا في البنية التقنية والاقتصادية للقطاع. وقد تجسد هذا التوجه في الخطة المتكاملة لنظام الكهرباء لعام 2026، التي أصدرها مشغل السوق في 25 حزيران/يونيو، وحدد فيها مسارًا لتطوير الإنتاج والتخزين والشبكات حتى عام 2050، بالاستناد إلى توقعات الطلب وتقاعد محطات الفحم والمتطلبات التشغيلية والاقتصادية.

ومن هنا يمكن استخلاص أول درس للعراق: إن معالجة أزمة الكهرباء تحتاج إلى تخطيط يتجاوز الاحتياجات الموسمية، ويضع المشروعات الجديدة ضمن منظومة واضحة تحدد ما يجب إنتاجه، وأين ينبغي إنتاجه، وكيف يُنقل إلى المستهلكين، وما الموارد اللازمة لتشغيله وصيانته، بدل التعامل مع كل نقص جديد بوصفه مشكلة تستدعي إضافة محطة أخرى بمعزل عن بقية مكونات القطاع.

ثانيًا: التحول الأسترالي.. من محطات التوليد المركزية إلى منظومة متعددة المصادر

تقوم إحدى المميزات الأساسية للتجربة الأسترالية على تغيير العلاقة التقليدية بين إنتاج الكهرباء واستهلاكها؛ فلم تعد محطات التوليد الكبيرة المصدر الوحيد الذي تعتمد عليه الشبكة، بل أصبحت الكهرباء تتدفق إليها من محطات الطاقة الشمسية والرياح، ومن ملايين المنظومات الصغيرة المثبتة على أسطح المنازل والمنشآت التجارية والصناعية. وقد أدى هذا التنوع إلى ظهور منظومة أكثر تعقيدًا من الناحية التشغيلية، لكنها تتيح في المقابل الاستفادة من مصادر متعددة وتقليل الاعتماد على مصدر واحد في أوقات معينة.

وتبرز الطاقة الشمسية المنزلية بوصفها أحد أكثر مظاهر التحول الأسترالي وضوحًا، إذ تجاوز عدد المنظومات الشمسية المثبتة على الأسطح أربعة ملايين منظومة بحلول عام 2025، قبل أن تشير دراسة ماكينزي المنشورة في حزيران/يونيو 2026 إلى تجاوز العدد 4.3 ملايين منظومة بنهاية العام السابق. ويعكس هذا الانتشار تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا مهمًا، لأن جزءًا متزايدًا من إنتاج الكهرباء أصبح مرتبطًا باستثمارات موزعة على المنازل والمنشآت، لا بمحطات الطاقة التابعة للشركات والحكومات وحدها.

ولم يحدث هذا الانتشار نتيجة انخفاض أسعار الألواح الشمسية وحده، بل ساعدت عليه سياسات تشجيعية خففت الكلفة الأولية على المستهلكين، من خلال نظام شهادات تكنولوجيا الطاقة الصغيرة، الذي يمنح المنظومات المؤهلة حوافز مالية يمكن أن تتحول إلى خصم على سعر الشراء والتركيب. كما أتاحت ترتيبات تنظيمية في مناطق مختلفة بيع فائض الإنتاج إلى الشبكة وفق تعرفة وشروط محددة، ما جعل الاستثمار المنزلي في الطاقة الشمسية أكثر ارتباطًا بالمنظومة الكهربائية العامة.

وتكمن الأهمية الاقتصادية لهذا التحول في أن الكهرباء المنتجة داخل المنزل أو المنشأة يمكن أن تخفض الكمية التي تحتاج إلى شرائها من الشبكة خلال ساعات النهار، بينما يساعد انتشار التوليد المحلي على تقليل الطلب الذي يجب أن تلبيه محطات الإنتاج المركزية في تلك الساعات. لكن هذه الفائدة لا تتحقق بالدرجة نفسها في جميع المواقع والأوقات، إذ تتوقف على مستوى الإشعاع الشمسي، ونمط الاستهلاك، وجودة المعدات، والقدرة الاستيعابية للشبكة، والضوابط المنظمة لتبادل الكهرباء معها.

ولذلك، فإن التوليد المنزلي لا يعني الاستغناء الكامل عن الشبكة العامة، لأن الأسرة تحتاج إلى الكهرباء خلال الليل وفترات الغيوم، كما أن تشغيل المنظومة في حالات انقطاع الكهرباء يتطلب تصميمًا فنيًا مناسبًا، وقد يحتاج إلى بطاريات وأجهزة تحكم وفصل تضمن سلامة المستخدمين والعاملين في الشبكة. ومن هنا انتقلت أستراليا إلى مرحلة أخرى في التحول، تتمثل في الجمع بين إنتاج الكهرباء الشمسية وتخزينها وإدارة استخدامها على مدار اليوم.

البطاريات.. كيف أصبحت الكهرباء المنتجة نهارًا متاحة في المساء؟

من أبرز المشكلات التي تواجه منظومات الطاقة الشمسية عدم التطابق بين أوقات الإنتاج وأوقات الاستهلاك، إذ ترتفع كمية الكهرباء المنتجة خلال ساعات سطوع الشمس، بينما قد تستمر الحاجة المرتفعة إليها بعد غروبها، عندما يعود السكان إلى منازلهم وتزداد أحمال الإنارة والأجهزة والتبريد أو التدفئة بحسب الموسم.

وقد ساعد تطور البطاريات على معالجة جزء من هذه المشكلة، من خلال تخزين الكهرباء الزائدة خلال النهار وإعادة ضخها عند ارتفاع الطلب أو انخفاض الإنتاج الشمسي. ولا تقتصر أهمية البطاريات على توفير الكهرباء لعدد إضافي من الساعات، بل تمتد إلى قدرتها على الاستجابة السريعة لتغيرات الشبكة، والمساهمة في تنظيم التردد، وتخفيف بعض ضغوط الذروة، وتقليل الحاجة إلى تشغيل مصادر توليد مرتفعة الكلفة لفترات قصيرة.

وفي تموز/يوليو 2025، بدأت الحكومة الأسترالية تنفيذ برنامج لتشجيع البطاريات المنزلية، يمنح الأسر والمنشآت الصغيرة المؤهلة دعمًا يستهدف خفض الكلفة الأولية بنحو 30%، مع تعديل الحوافز تدريجيًا بما يتناسب مع تطور أسعار البطاريات وأحجامها. ويكشف هذا البرنامج عن تطور في السياسة العامة؛ فبعد تشجيع المواطنين على إنتاج الكهرباء الشمسية، أصبح الاهتمام يتجه أيضًا إلى تمكينهم من الاحتفاظ بجزء من الإنتاج واستخدامه عندما تكون الحاجة إليه أكبر.

وقد امتد التحول إلى البطاريات الكبيرة المرتبطة بالشبكة، التي تستطيع شراء الكهرباء أو استيعابها عندما يتوافر الإنتاج، ثم إعادة ضخها خلال ساعات الذروة. ووفق تقرير مشغل السوق الأسترالي عن الربع الأول من عام 2026، تضاعفت القدرة المركبة للبطاريات الكبيرة خلال الاثني عشر شهرًا السابقة بأكثر من مرتين، بعد إضافة 4445 ميغاواط من القدرة الجديدة، بينما وصل متوسط مساهمة البطاريات في نقل الطاقة من النهار إلى ذروة المساء إلى 1115 ميغاواط. وهذه الأرقام تبين الدور المتزايد للتخزين في التشغيل اليومي للمنظومة، مع ضرورة التمييز بين قدرة البطاريات بالميغاواط وسعتها التخزينية بالميغاواط ساعة، التي تحدد مدة استمرارها في التجهيز.

والدرس الذي تقدمه هذه التجربة للعراق يتمثل في أن الطاقة الشمسية يمكن أن تساعد على تخفيف الضغط على المحطات التقليدية خلال النهار، بينما يسمح التخزين المدروس باستخدام جزء من إنتاجها في المساء أو أثناء الانقطاعات، ولا سيما في المستشفيات ومحطات المياه والمنشآت الحيوية. ومع ذلك، فإن البطاريات ليست بديلًا شاملًا عن مصادر التوليد المستمرة أو عن إصلاح الشبكات، لأن قدرتها على التجهيز محدودة بسعتها ومستوى شحنها، كما أن جدواها الاقتصادية تختلف باختلاف طبيعة الأحمال وكلفة الكهرباء والوقود.

ثالثًا: الشبكات الذكية.. الحلقة التي تربط الإنتاج بالاستهلاك

لم يكن توسيع إنتاج الكهرباء المتجددة كافيًا لإنجاح التحول الأسترالي، لأن إضافة محطات جديدة لا تحقق فائدتها الكاملة إذا كانت الشبكات عاجزة عن استيعاب إنتاجها ونقله إلى المناطق التي تحتاج إليه. وكلما زاد عدد مصادر التوليد الصغيرة والمتغيرة، أصبحت إدارة الشبكة أكثر تعقيدًا، وازدادت الحاجة إلى تقنيات حديثة تراقب تدفق الكهرباء، وتتنبأ بالأحمال، وتضبط الجهد والتردد، وتحدد مواقع الأعطال والاختناقات قبل تحولها إلى انقطاعات واسعة.

وفي النموذج التقليدي، تنتقل الكهرباء غالبًا من المحطة المركزية إلى المستهلك عبر مسار محدد، أما في النموذج الحديث، فقد تنتج المنازل والمنشآت الكهرباء وتستهلكها وتخزنها وتصدر فائضها في أوقات مختلفة، ما يجعل الشبكة مطالبة بإدارة تدفقات متعددة الاتجاهات. ولهذا، أصبحت العدادات الذكية وأجهزة التحكم الرقمي والتنبؤ بالإنتاج والطلب عناصر أساسية في تحسين كفاءة المنظومة، إلى جانب تطوير خطوط النقل والمحولات والمحطات الثانوية.

وتشير دراسة ماكينزي المنشورة في 30 حزيران/يونيو 2026 إلى أن التحول الأسترالي دخل مرحلة أصبحت فيها قدرة الشبكات على استيعاب الإنتاج الجديد وتنفيذ مشروعات النقل والتوزيع تحديًا رئيسيًا، بعد التوسع الكبير في مصادر الطاقة المتجددة والتخزين. وتلفت الدراسة إلى الحاجة إلى نحو ستة آلاف كيلومتر من خطوط النقل الجديدة بحلول عام 2050، وإلى ارتفاع تكاليف المشروعات وتأخر تنفيذ عدد منها، بما يؤكد أن التحول في مصادر الطاقة لا يمكن فصله عن تحديث البنية التحتية اللازمة لنقل الكهرباء.

وتوضح هذه التطورات أن نجاح المنظومة الكهربائية لا يقاس بعدد محطات التوليد أو حجم الطاقة المركبة وحدهما، بل بقدرتها على إيصال الكهرباء عند الحاجة إليها وبالكلفة المناسبة، مع المحافظة على استقرار الشبكة وسلامة تشغيلها. فقد تكون الكهرباء متوافرة في منطقة غنية بالشمس أو الرياح، لكنها لا تصل إلى منطقة صناعية أو سكنية تحتاج إليها إذا كانت خطوط النقل غير كافية، أو كانت المحولات تعمل بالقرب من حدود قدرتها التشغيلية.

وتحمل هذه المسألة دلالة مباشرة للعراق، الذي يحتاج إلى النظر إلى شبكات النقل والتوزيع بوصفها جزءًا من الحل الإنتاجي نفسه، لا مجرد وسيلة لنقل الكهرباء بعد إنتاجها. فإصلاح الخطوط والمحولات وتقليل الاختناقات يمكن أن يرفع كمية الكهرباء المتاحة للمستهلكين، بينما قد تؤدي إضافة محطات إنتاج جديدة إلى نتائج محدودة إذا بقيت الشبكات غير قادرة على استيعاب طاقتها أو إيصالها بصورة مستقرة.

رابعًا: ما نتائج التحول الأسترالي حتى عام 2026؟

تظهر نتائج التجربة الأسترالية في ثلاثة مجالات مترابطة: زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء، وتوسع مشاركة المواطنين والشركات في الإنتاج والتخزين، وتغير طريقة إدارة الطلب والأسعار خلال ساعات اليوم. ومن المهم التمييز بين النتائج الفعلية التي سجلتها المنظومة وبين الأهداف المستقبلية التي لا تزال تحتاج إلى استثمارات وتشغيل مستقر، لأن التحول الأسترالي لم يكتمل بعد، وما زالت البلاد تعتمد على مصادر الطاقة التقليدية إلى جانب المصادر المتجددة.

زيادة حصة الكهرباء المتجددة وتراجع الاعتماد على الفحم

في 29 كانون الثاني/يناير 2026، أعلن مشغل سوق الطاقة الأسترالي أن مصادر الطاقة المتجددة والتخزين وفرت أكثر من نصف احتياجات الكهرباء في السوق الوطنية خلال الربع الأخير من عام 2025، للمرة الأولى على امتداد ربع سنوي كامل. وقد تزامن ذلك مع زيادة إنتاج الرياح بنسبة 29% والطاقة الشمسية الكبيرة بنسبة 15% مقارنة بالربع المناظر من العام السابق، بينما تراجع إنتاج الكهرباء المعتمد على الفحم بنسبة 4.6%، وانخفض إنتاج المحطات الغازية بنسبة 27%. وتوضح هذه الأرقام أن مصادر الطاقة المتجددة لم تعد عنصرًا إضافيًا محدود التأثير، بل أصبحت قادرة على تغطية جزء كبير من الطلب في فترات ممتدة، مع استمرار الحاجة إلى التوليد التقليدي والتخزين لضمان استقرار المنظومة.

وفي الربع الأول من عام 2026، بلغت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة 46.5% من إنتاج الكهرباء في السوق الوطنية، وهي أعلى حصة مسجلة لربع أول من السنة، وفق تقرير مشغل السوق المنشور في 30 نيسان/أبريل. وقد ساعد إنتاج الطاقة الشمسية المنزلية على تعويض الزيادة في الطلب الأساسي، بحيث بقي الطلب الذي يتعين على محطات الشبكة المركزية تلبيته مستقرًا نسبيًا، رغم ارتفاع الطلب الكلي على الكهرباء.

وتكشف هذه النتيجة عن أهمية لا تظهر بالضرورة عند الاكتفاء بمقارنة القدرات الإنتاجية للمحطات، إذ إن الكهرباء التي ينتجها المواطن ويستهلكها مباشرة داخل منزله تقلل ما يحتاج إلى سحبه من الشبكة، حتى عندما لا ترتفع القدرة الإنتاجية لمحطات الدولة. ومن هذا المنظور، أصبح التوليد المنزلي جزءًا من إدارة الطلب على الشبكة، وليس مجرد مصدر إضافي للكهرباء، وهو جانب يمكن أن تكون له أهمية كبيرة في العراق إذا جرى تنظيمه ضمن برنامج وطني يراعي الظروف الفنية والاقتصادية للمستهلكين.

تراجع أسعار الجملة وتغير اقتصاديات إنتاج الكهرباء

من النتائج التي تستحق الدراسة تأثير التوسع في الطاقة المتجددة والتخزين في أسعار الكهرباء داخل سوق الجملة، فقد بلغ متوسط السعر في السوق الوطنية الأسترالية 50 دولارًا أستراليًا لكل ميغاواط ساعة خلال الربع الأخير من عام 2025، بانخفاض قدره 44% عن الربع نفسه من العام السابق. ويشير مشغل السوق إلى أن زيادة إنتاج الطاقة المتجددة والتخزين أسهمت في هذا الانخفاض، من خلال تقليل الاعتماد على بعض مصادر التوليد التقليدية المرتفعة الكلفة خلال فترات معينة.

واستمر تأثير البطاريات في الظهور خلال الربع الأول من عام 2026، عندما بلغ متوسط سعر الجملة 73 دولارًا أستراليًا لكل ميغاواط ساعة، بانخفاض نسبته 12% مقارنة بالربع المناظر من عام 2025، رغم ارتفاعه عن الربع الأخير من السنة السابقة بسبب ظروف الطلب والحرارة. وقد أصبحت البطاريات التقنية الأكثر تكرارًا في تحديد سعر السوق خلال ذلك الربع، إذ حددت السعر في نحو 32% من فترات التداول، وهو ما يعكس تغير دور التخزين من أداة احتياطية إلى عنصر مؤثر في التشغيل اليومي واقتصاديات السوق.

لكن انخفاض أسعار الجملة لا يعني تلقائيًا أن فواتير جميع المستهلكين انخفضت بالنسبة نفسها، لأن السعر النهائي يتضمن تكاليف النقل والتوزيع والتجزئة والرسوم، كما تختلف التعرفات بين المناطق والشركات والمستهلكين. ولهذا ينبغي قياس النجاح الاقتصادي من خلال الكلفة الكلية للكهرباء التي تصل إلى المستهلك، ومدى استقرار الأسعار على المدى الطويل، وليس من خلال انخفاض سعر الجملة في فترة محددة وحده.

توسيع الاستثمار وظهور قطاع كهربائي جديد

لم يقتصر التحول على إنتاج الكهرباء واستهلاكها، بل فتح مجالات جديدة للاستثمار في الألواح الشمسية والبطاريات والمحولات والشبكات الرقمية وخدمات الصيانة والتحكم، وأصبح ربط مصادر الإنتاج والتخزين الجديدة بالشبكة نشاطًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. ووفق بيانات مشغل السوق الصادرة في تموز/يوليو 2026، وصلت قدرات جديدة من التوليد والتخزين تبلغ 9.1 غيغاواط إلى مرحلة التشغيل الكامل خلال السنة المالية الأسترالية المنتهية في حزيران/يونيو 2026، وهو مستوى يزيد على ضعف ما تحقق في السنة المالية السابقة. وتشمل هذه القدرات تقنيات مختلفة، ولا تمثل كلها كهرباء متاحة بصورة مستمرة على مدار اليوم.

وتبرز هنا أهمية الربط بين تطوير قطاع الكهرباء والتنمية الاقتصادية، لأن الاستثمار في الطاقة لا يقتصر أثره على توفير الخدمة المباشرة، بل يمتد إلى نمو الشركات المتخصصة، وتطوير مهارات العاملين، وإيجاد طلب على المعدات والخدمات الهندسية والرقمية. وبالنسبة إلى العراق، فإن تنفيذ برنامج واسع للطاقة الشمسية والشبكات الذكية يمكن أن يكون فرصة لبناء قدرات محلية في التصميم والتركيب والصيانة والتصنيع المرتبط بالمعدات الكهربائية، بدل الاكتفاء باستيراد المنظومات الجاهزة وتركيبها من دون تطوير الخبرات الوطنية اللازمة لاستدامتها.

خامسًا: هل حلت أستراليا جميع مشكلات الكهرباء؟

رغم النتائج التي حققتها أستراليا، فإن تجربتها لا تمثل حالة مكتملة من الاستقرار في جميع الظروف، بل عملية تحول مستمرة تفرض تحديات جديدة بقدر ما تعالج مشكلات سابقة. فكل زيادة في مساهمة الطاقة الشمسية والرياح تتطلب تطوير القدرة على موازنة العرض والطلب، وتأمين الكهرباء خلال الفترات التي ينخفض فيها الإنتاج المتجدد، مع المحافظة على القدرة التشغيلية اللازمة للتعامل مع الأعطال المفاجئة والتقلبات المناخية.

وقد حددت الخطة المتكاملة لعام 2026 مسارًا لتطوير المنظومة حتى عام 2050 يقوم على الجمع بين الطاقة المتجددة وشبكات النقل والتوزيع والتخزين والتوليد الغازي الاحتياطي، مع الأخذ بالحسبان تقاعد محطات الفحم وارتفاع الطلب المستقبلي. ووفق نمذجة مشغل السوق، يمثل هذا المزيج المسار الأقل كلفة من بين البدائل التي جرت دراستها لتلبية الطلب وضمان موثوقية التجهيز ضمن السياسات المعتمدة، لكنه يظل مشروطًا بتنفيذ الاستثمارات المطلوبة في التوقيت المناسب.

وتتمثل إحدى المشكلات في أن وفرة الكهرباء الشمسية خلال النهار قد تتزامن مع انخفاض الطلب على إنتاج المحطات المركزية، بينما يرتفع الطلب على هذه المحطات مجددًا بعد غروب الشمس. وإذا لم تتوافر بطاريات كافية أو مصادر توليد مرنة أو شبكات قادرة على نقل الكهرباء بين المناطق المختلفة، فقد يؤدي هذا التفاوت إلى ضغوط تشغيلية واقتصادية، حتى مع وجود قدرات كبيرة من الطاقة المتجددة.

كما تبرز مشكلة تنفيذ مشروعات الشبكات، إذ تشير دراسة ماكينزي إلى أن عددًا من مشروعات النقل الأسترالية ذات الأولوية واجه تأخيرات تتراوح بين سنة وأربع سنوات، نتيجة عوامل تشمل إجراءات الموافقات، والحصول على الأراضي، والاعتراضات المجتمعية، وارتفاع تكاليف المعدات والتنفيذ. ويعني ذلك أن سرعة إنشاء مصادر إنتاج جديدة قد تتجاوز قدرة البنية التحتية على استيعابها، فتتحول الشبكة نفسها إلى عائق أمام الاستفادة الكاملة من الاستثمارات.

وهذا الجانب من التجربة مهم للعراق، لأن الاستفادة من النموذج الأسترالي تتطلب فهم حدود الطاقة المتجددة والتخزين بقدر فهم مزاياهما. فلا يمكن التعويل على الطاقة الشمسية وحدها لمعالجة عجز الكهرباء خلال الليل أو أثناء العواصف الترابية الممتدة، كما لا يصح التعامل مع البطاريات بوصفها بديلًا اقتصاديًا مناسبًا لجميع أنواع الأحمال ومدد التجهيز، وإنما ينبغي اختيار مزيج من مصادر الطاقة يحقق الاستقرار بأقل كلفة كلية ممكنة، وفق دراسات فنية تراعي ظروف البلاد.

سادسًا: أزمة الكهرباء العراقية.. لماذا لم تتحول وفرة الطاقة إلى استقرار في التجهيز؟

تختلف أزمة الكهرباء في العراق عن طبيعة التحول الأسترالي في جانب جوهري، فأستراليا تعمل على إعادة تشكيل منظومة كهربائية واسعة ومؤسسية لتلبية متطلبات المستقبل وتغيير مصادر الإنتاج، بينما يحتاج العراق، إلى جانب تحديث المنظومة وتنويع مصادرها، إلى معالجة عجز أساسي في توفير الكهرباء بصورة منتظمة. ولذلك، فإن الاستفادة من التجربة الأسترالية ينبغي أن تبدأ بتشخيص المشكلات العراقية وتحديد أولوياتها، وليس بافتراض أن التوسع في الطاقة المتجددة وحده سيؤدي إلى النتائج نفسها.

فجوة كبيرة بين الطلب والإنتاج الفعلي

تمثل الفجوة بين الطلب على الكهرباء والطاقة المتاحة فعليًا أحد أبرز مظاهر الأزمة العراقية، وهي فجوة تتفاقم خلال الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استخدام أجهزة التبريد، فضلًا عن النمو السكاني والعمراني وتوسع النشاط الاقتصادي. وفي اجتماع للجنة الكهرباء والطاقة النيابية بشأن الاستعدادات لصيف 2026، أشارت اللجنة إلى أن الطلب المتوقع خلال ذروة الصيف يبلغ نحو 60 ألف ميغاواط، مقابل إنتاج قائم بحدود 17 ألف ميغاواط في الفترة التي ناقشتها، مع الإشارة إلى تأثير انخفاض إمدادات الغاز المستورد وتوقف بعض مصادر استيراد الكهرباء. وتمثل هذه الأرقام تقديرات وظروف تشغيل مرتبطة بذلك الاجتماع، ولا تعبر بالضرورة عن متوسط الإنتاج والطلب الفعليين طوال العام.

وتكشف هذه الأرقام حجم التحدي، لكنها لا تعني أن المطلوب هو إنشاء محطات جديدة تعادل الفرق العددي مباشرة، لأن معالجة الفجوة تتطلب احتساب الإنتاج الفعلي لمحطات التوليد، وكفاءة استخدام الوقود، والقدرة المتاحة في أوقات الذروة، وحالة الشبكات، والفاقد، وإمكانات إدارة الاستهلاك. كما ينبغي التمييز بين القدرة المركبة للمحطة، التي تحدد حجمها الاسمي، والقدرة المتاحة فعليًا، التي قد تنخفض بسبب الأعطال أو نقص الوقود أو الظروف المناخية أو القيود التشغيلية.

وقد أشار تقرير وكالة الطاقة الدولية الصادر في كانون الثاني/يناير 2025 عن مرونة قطاع الطاقة العراقي إلى وجود اختلاف كبير بين القدرة الاسمية المركبة والقدرة المتاحة فعليًا وقت إعداد التقرير، نتيجة مشكلات فنية وتشغيلية متراكمة، إلى جانب ارتفاع الطلب المرتبط بالحرارة والنمو السكاني. وتوضح هذه المعطيات أن مجرد امتلاك محطات ذات قدرة اسمية كبيرة لا يضمن استقرار التجهيز ما لم تتوافر مستلزمات التشغيل والصيانة والوقود والشبكات القادرة على نقل الإنتاج.

الغاز العراقي.. مورد محلي لا يُستثمر بالكامل

تظهر إحدى المفارقات الأساسية في أزمة الكهرباء العراقية في استمرار الحاجة إلى إمدادات الغاز المستورد لتشغيل جزء من محطات الإنتاج، رغم امتلاك البلاد موارد كبيرة من الغاز الطبيعي المصاحب لاستخراج النفط. ويعود جانب من المشكلة إلى أن تحويل الغاز الخام إلى وقود صالح للاستخدام في محطات الكهرباء يحتاج إلى منشآت لجمعه ومعالجته ونقله، مع توافر الاستثمارات والعقود والبنية التحتية التي تضمن استمرارية التجهيز.

ويبين تقرير البنك الدولي العالمي عن حرق الغاز لعام 2026 أن العراق لا يزال من الدول الرئيسية التي تشهد حرقًا لكميات كبيرة من الغاز المصاحب، في وقت بلغ فيه إجمالي الغاز المحروق عالميًا نحو 167 مليار متر مكعب خلال عام 2025. ويعكس هذا الواقع أهمية النظر إلى الغاز المصاحب بوصفه موردًا اقتصاديًا يمكن أن يدعم أمن الطاقة عند استثماره، بدل التعامل معه بوصفه ناتجًا ثانويًا لاستخراج النفط يمكن التخلص منه بالحرق.

ومن هنا، فإن زيادة إنتاج الكهرباء في العراق لا ينبغي أن تنفصل عن تطوير قطاع الغاز، لأن إضافة محطات غازية جديدة من دون ضمان الوقود اللازم لتشغيلها قد توسع الفجوة بين القدرة الاسمية والقدرة المتاحة. ويقتضي ذلك ربط قرارات الاستثمار في التوليد بمشروعات جمع الغاز ومعالجته وتطوير خطوط أنابيب النقل، مع دراسة الخيارات المناسبة لرفع كفاءة المحطات القائمة، ومنها تحويل المحطات الغازية المؤهلة إلى الدورة المركبة التي تستفيد من حرارة العادم لإنتاج كهرباء إضافية من الوقود نفسه.

ويعني ذلك أن استثمار الغاز المحلي يمثل أحد المسارات الأساسية لمعالجة الأزمة في المدى القريب والمتوسط، بالتوازي مع تطوير الطاقة الشمسية والشبكات والتخزين، من دون أن يتحول الاعتماد على الغاز إلى مبرر لتأجيل التنويع المستقبلي لمصادر الطاقة.

الفاقد الكهربائي.. الكهرباء التي لا تتحول إلى خدمة

لا تقتصر المشكلة العراقية على إنتاج الكهرباء، بل تشمل أيضًا الكميات التي تُفقد خلال نقلها وتوزيعها، والكهرباء المستهلكة التي لا يجري قياسها أو تحصيل قيمتها بصورة منتظمة. ويؤدي الجمع بين الفاقد الفني والتجاري إلى تقليل كفاءة الاستثمارات، وزيادة الضغط على الموازنة العامة، وإضعاف قدرة القطاع على تمويل أعمال الصيانة والتحديث، حتى عندما ترتفع كميات الكهرباء المولدة.

وفي البيان الختامي لبعثة صندوق النقد الدولي إلى العراق، المنشور في 15 أيار/مايو 2025، أشار الصندوق إلى أن الفاقد في عمليات توزيع الكهرباء بلغ 55% خلال عام 2024، مع ارتباط جزء كبير منه بالتجاوزات والربط غير القانوني، وما يترتب على ذلك من خسائر مالية كبيرة. كما أشار إلى إجراءات لنشر العدادات الذكية وتحسين الفوترة والتحصيل، داعيًا إلى تسريع الإصلاح مع حماية الفئات محدودة الدخل عند تعديل منظومة الدعم والتعرفة.

ومن الضروري هنا التمييز بين الفاقد الفني، الذي يحدث نتيجة مقاومة الخطوط ومشكلات المحولات والمعدات وتقادم الشبكات، والفاقد التجاري، الذي يرتبط بالقياس والتجاوزات والفوترة والتحصيل. كما أن خسارة الإيرادات ليست بالضرورة خسارة مادية للطاقة بالمقدار نفسه؛ فقد تصل الكهرباء إلى المستهلك ويستخدمها فعلًا، لكن قيمتها لا تُسجل أو لا تُحصّل بصورة صحيحة. ولهذا، فإن معالجة المشكلة تتطلب أدوات مختلفة، تجمع بين تحديث الشبكات وتحسين القياس والجباية والرقابة.

ويكشف هذا الجانب أن إصلاح قطاع الكهرباء يمكن أن يحقق نتائج مهمة قبل بناء محطات جديدة، لأن تقليل الفاقد الفني يزيد نسبة الكهرباء المنتجة التي تصل إلى المستهلك، بينما يساعد ضبط الفاقد التجاري على تحسين الإيرادات وتوفير موارد إضافية للتشغيل والصيانة. لكن نجاح هذه الإجراءات يتطلب أيضًا تحسين جودة الخدمة وتعزيز ثقة المواطن في منظومة الكهرباء العامة، حتى لا يتحول التحصيل إلى إجراء مالي منفصل عن التزام الدولة بتوفير التجهيز المنتظم.

أزمة الكهرباء بوصفها عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا

عندما لا يحصل المواطن على الكهرباء العامة بصورة مستقرة، فإنه يلجأ إلى مصادر بديلة لتلبية احتياجاته، وفي مقدمتها المولدات الأهلية والمنظومات المنزلية المختلفة. وقد يؤدي ذلك إلى تحمل الأسرة كلفة مزدوجة، تتمثل في دفع أجور الكهرباء العامة وكلفة الاشتراك بمصدر إضافي، إلى جانب تكاليف الوقود والمعدات والصيانة عند استخدام مولدات خاصة أو منظومات منزلية.

وتنعكس هذه التكاليف على النشاط الاقتصادي، لأن الورش والمصانع والمتاجر والمشروعات الصغيرة تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل المعدات والتبريد والإنارة وحفظ المنتجات، وكلما ارتفعت كلفة الحصول على الطاقة أو انخفضت موثوقيتها، ازدادت الضغوط على كلفة الإنتاج واستمرارية العمل. ولذلك، فإن إصلاح قطاع الكهرباء لا يمثل مشروعًا خدميًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل يرتبط بقدرة العراق على تنمية الصناعة والزراعة والخدمات وتحسين بيئة الاستثمار وإيجاد فرص عمل جديدة.

وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقييمه للاقتصاد العراقي لعام 2025 إلى أن نقص الكهرباء والفاقد والاختلالات المالية في القطاع تؤثر في الإنتاجية والاستدامة المالية، مؤكدًا الحاجة إلى تحديث الكهرباء وتطوير موارد الغاز المحلي. ويعني ذلك أن استمرار الأزمة لا يقتصر أثره على انقطاع الخدمة، بل يمتد إلى توزيع الموارد العامة وكلفة النشاط الاقتصادي وفرص التنمية المستقبلية.

سابعًا: كيف يمكن للعراق الاستفادة من التجربة الأسترالية؟

تقدم التجربة الأسترالية للعراق مجموعة من الدروس العملية التي يمكن الاستفادة منها في إصلاح قطاع الكهرباء، لكنها لا تقدم نموذجًا جاهزًا يمكن نقله بكل تفاصيله، نظرًا إلى الاختلاف في طبيعة المنظومة الكهربائية ومستوى الاستثمارات والظروف المناخية والموارد المتاحة والقدرات المؤسسية. فالعراق يحتاج إلى معالجة العجز في الإنتاج وتوفير الوقود وتقليل الفاقد، بينما تتجه أستراليا بصورة متزايدة إلى إدارة منظومة متعددة المصادر والتخطيط لارتفاع الطلب وتقاعد محطات الوقود التقليدية.

ولهذا، فإن نقطة البداية العراقية ينبغي أن تتمثل في تحديد المشكلات التي يمكن معالجتها سريعًا باستخدام الموارد القائمة، ثم بناء منظومة أكثر تنوعًا ومرونة على المدى المتوسط والطويل، بحيث يسير تطوير الطاقة الشمسية والتخزين بالتوازي مع تحسين إنتاج الكهرباء التقليدية وتحديث الشبكات وتقليل الهدر.

1. تحويل المواطن من مستهلك للكهرباء إلى شريك في إنتاجها

يمكن للعراق الاستفادة من انتشار التوليد المنزلي في أستراليا عبر إطلاق برنامج وطني لتشجيع استخدام الألواح الشمسية على أسطح المنازل والمباني الحكومية والمدارس والمستشفيات والمنشآت التجارية والصناعية، مع إعطاء الأولوية للمواقع التي تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء خلال النهار، لأن هذا النمط من الاستهلاك يسمح بالاستفادة المباشرة من الإنتاج الشمسي وتقليل الحاجة إلى شراء الكهرباء من الشبكة أو تشغيل المولدات.

ولا ينبغي أن يقوم البرنامج على دعوة المواطنين إلى شراء الألواح الشمسية بصورة فردية فقط، بل يجب أن يتضمن آليات تمويل ميسرة، وحوافز مدروسة، ومواصفات فنية موحدة، ونظامًا لترخيص الشركات المؤهلة، وضمانات للصيانة وجودة المعدات، مع وضع قواعد واضحة لربط المنظومات بالشبكة واحتساب الكهرباء المصدرة إليها. ويمكن الاستفادة من التجربة الأسترالية في تصميم حوافز تخفض الكلفة الأولية، من دون افتراض أن آلية الدعم المناسبة للاقتصاد الأسترالي يمكن تطبيقها في العراق بالحجم أو الصيغة نفسيهما.

وتبرز أهمية هذا البرنامج في إمكانية تخفيف الطلب على الشبكة خلال ساعات النهار، خاصة مع ارتفاع استهلاك أجهزة التبريد في الصيف، فضلًا عن تقليل حاجة المؤسسات العامة إلى الكهرباء التقليدية خلال ساعات العمل. ومن الممكن البدء بالمباني الحكومية والمؤسسات التعليمية والصحية، لأن هذه المشروعات تسمح بقياس نتائج الاستثمار وكلفة الإنتاج وحجم الوفر بصورة منتظمة، قبل التوسع في برامج التمويل المخصصة للمنازل والمشروعات الصغيرة.

لكن ينبغي أن تترافق هذه الإجراءات مع دراسة قدرة شبكات التوزيع على استيعاب الإنتاج الشمسي، إذ إن ربط أعداد كبيرة من المنظومات بصورة غير منظمة قد يؤدي إلى مشكلات في الجهد وتدفق الكهرباء وحماية المعدات، خصوصًا في الشبكات الضعيفة. ولذلك، فإن التوليد اللامركزي ينبغي أن يكون جزءًا من خطة تطوير الشبكة، وليس نشاطًا منفصلًا عنها.

2. استثمار الغاز المحلي بدل استمرار فقدان مورد أساسي

يختلف العراق عن أستراليا في أن جزءًا من معالجته العاجلة يحتاج إلى استثمار موارد وقود محلية غير مستغلة بالكفاءة المطلوبة، وفي مقدمتها الغاز المصاحب لاستخراج النفط. ومن هنا، ينبغي إعطاء أولوية لمشروعات جمع الغاز ومعالجته وربطه بمحطات الكهرباء، مع تحديد المشروعات التي يمكن أن توفر كميات إضافية من الوقود خلال فترات زمنية أقصر، مقارنة بإنشاء محطات إنتاج جديدة لا يتوافر لها الوقود اللازم.

ويقتضي هذا المسار تنسيقًا مؤسسيًا بين قطاعي النفط والكهرباء، بحيث لا تُتخذ قرارات الاستثمار في استخراج النفط وإنتاج الغاز وإنشاء محطات التوليد بصورة منفصلة، وإنما ضمن خطة تحدد الكميات المتاحة والمتوقعة من الوقود، واحتياجات المحطات القائمة والجديدة، ومواقعها، وكلفة النقل والمعالجة، والجدوى الاقتصادية لكل مشروع.

كما ينبغي دراسة رفع كفاءة المحطات الحالية من خلال تحسين الصيانة وتحديث أنظمة التحكم والتبريد وتطوير المحطات الغازية المؤهلة إلى الدورة المركبة، لأن زيادة الكهرباء المنتجة من كمية الوقود نفسها يمكن أن تخفف الضغط على الموارد وتقلل الحاجة إلى إضافات إنتاجية مرتفعة الكلفة.

وتتيح هذه المقاربة الجمع بين معالجة الاحتياجات العاجلة وتنويع مصادر الطاقة مستقبلًا، بحيث يستثمر العراق موارده الغازية لتوفير الكهرباء المستقرة، ويستخدم الطاقة الشمسية لتخفيف استهلاك الوقود خلال ساعات النهار، ويطور التخزين والشبكات لتوسيع مساهمة المصادر المتجددة تدريجيًا وفق متطلبات التشغيل والجدوى الاقتصادية.

3. تحديث الشبكات وتقليل الفاقد قبل التوسع غير المدروس في الإنتاج

يكشف الدرس الأسترالي المتعلق بتطوير شبكات النقل والتوزيع أن الكهرباء لا تحقق فائدتها الاقتصادية والاجتماعية لمجرد إنتاجها، وإنما عندما تصل إلى المستهلك في الوقت المطلوب وبالكفاءة المناسبة. وبالنسبة إلى العراق، فإن هذا المبدأ يقتضي وضع برنامج وطني لتحديث الشبكات يبدأ بتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للأعطال والاختناقات والفاقد، ثم توجيه الاستثمارات إلى المشروعات التي يمكن أن تحقق أكبر تحسن في مستوى التجهيز وكفاءة استخدام الموارد.

وتبدأ المعالجة بتوفير قاعدة بيانات دقيقة تحدد كمية الكهرباء التي تدخل إلى كل منطقة وتخرج منها، وحالة المحولات والخطوط والمحطات الثانوية، وحجم الاستهلاك المسجل وغير المسجل، ومناطق التجاوزات والتوصيلات غير القانونية. وبعد ذلك يمكن اعتماد برنامج تدريجي للعدادات الذكية وتحسين القياس والفوترة والتحصيل، مع تطوير أنظمة الرقابة والصيانة التي تسمح بالكشف المبكر عن الأعطال وتحديد مواقع الفاقد.

ولا يعني تطوير الجباية نقل أعباء الأزمة إلى المواطنين بصورة مباشرة، بل ينبغي أن يترافق مع تحسين الخدمة وإعادة تنظيم الدعم بما يراعي الفئات محدودة الدخل، وضمان العدالة في القياس والتحصيل ومنع التجاوزات. فكلما تحسنت جودة الكهرباء العامة وأصبحت أكثر انتظامًا، توافرت ظروف أفضل لتعزيز الالتزام بالتعرفة وتقليل الحاجة إلى المصادر البديلة.

ومن المهم أن تُربط إجراءات تقليل الفاقد بمؤشرات أداء معلنة لكل منطقة وشبكة، بحيث يمكن تحديد مقدار الكهرباء التي جرى توفيرها نتيجة الإصلاح، والتحسن في ساعات التجهيز، والتغير في الأعطال والإيرادات، بدل الاكتفاء بالإعلان عن شراء المعدات أو تركيب العدادات من دون قياس أثرها الفعلي.

4. إدخال التخزين وإدارة الطلب بدل الاعتماد الكامل على زيادة التوليد

يمكن للعراق الاستفادة من تطور البطاريات في أستراليا عبر تنفيذ مشروعات تخزين مدروسة في المواقع التي تحقق فائدة تشغيلية واقتصادية واضحة، مثل المستشفيات ومحطات المياه والمرافق الحيوية وبعض المناطق التي يمكن فيها تخفيف أحمال الذروة المسائية. وينبغي أن تقوم هذه المشروعات على مقارنة تكاليف التخزين ببدائل التجهيز الأخرى، مع احتساب عمر البطاريات وكفاءة الشحن والتفريغ وكلفة الصيانة والاستبدال ومتطلبات السلامة.

وبالتوازي مع ذلك، يمكن تطوير برامج لإدارة الطلب على الكهرباء، تبدأ بتحسين كفاءة أجهزة التبريد والعزل الحراري للمباني، وتنظيم استهلاك المؤسسات العامة والمنشآت الكبيرة، وتشجيع استخدام المعدات الموفرة للطاقة. ويسمح تحسين كفاءة الاستهلاك بتقليل النمو في الأحمال المطلوبة دون تقليل الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها المواطنون، وهو ما يجعل إدارة الطلب جزءًا من معالجة العجز وليس مجرد دعوة عامة إلى ترشيد الكهرباء.

وتبرز أهمية هذا الجانب في العراق بسبب ارتفاع الطلب على التبريد خلال الصيف، الأمر الذي يجعل الاستثمار في كفاءة المباني والأجهزة وتأهيل منظومات التبريد خيارًا ينبغي مقارنته اقتصاديًا بكلفة إنشاء قدرات إضافية لتلبية الاستهلاك المرتفع. ويمكن أن تساعد العدادات الذكية وأنظمة إدارة الأحمال في تحديد أوقات الذروة وتطوير برامج استهلاك طوعية أو تعاقدية للمؤسسات الكبيرة، مع مراعاة طبيعة نشاطها واحتياجاتها التشغيلية.

5. بناء إدارة متكاملة للكهرباء بدل تشتت المشروعات والقرارات

من أهم جوانب التجربة الأسترالية الفصل بين الجهات المسؤولة عن تنظيم السوق وتشغيل المنظومة ومراقبة الأداء، مع وجود تخطيط متكامل يربط احتياجات الإنتاج والتخزين والشبكات بالطلب المستقبلي. ولا يعني ذلك أن العراق ملزم باعتماد الهيكل المؤسسي الأسترالي نفسه، وإنما يمكنه الاستفادة من وضوح المسؤوليات وتكامل البيانات والتخطيط والرقابة، بما يسمح بتحديد الجهة المسؤولة عن كل قرار ونتيجته.

ويتطلب ذلك تطوير خطة وطنية واحدة للكهرباء، تربط بين مشروعات إنتاج الغاز والطاقة التقليدية والمتجددة، وتحديث النقل والتوزيع، وبرامج تقليل الفاقد وإدارة الاستهلاك، مع تحديد أولويات الاستثمار على أساس الحاجة الفعلية والجدوى الاقتصادية والأثر المتوقع في جودة الخدمة.

كما ينبغي أن تخضع المشروعات الجديدة لمعايير موحدة تشمل كلفة الكهرباء المنتجة والواصلة إلى المستهلك، ومدى توافر الوقود، ومتطلبات الربط والصيانة، والقدرة على الاستمرار في الظروف المناخية الصعبة. وتساعد هذه المعايير على المقارنة بين البدائل المتاحة وتوجيه الموارد إلى المشروعات التي تحقق أكبر منفعة من حيث استقرار التجهيز وكلفته، بدل الاقتصار على حجم القدرة الإنتاجية المعلنة.

ويكتسب تطوير القدرات البشرية أهمية خاصة في هذا المجال، لأن تشغيل الشبكات الحديثة يحتاج إلى مهندسين وفنيين متخصصين في أنظمة التحكم والتنبؤ بالأحمال والتخزين والطاقة الشمسية والأمن السيبراني وصيانة المعدات. ويمكن ربط مشروعات الاستثمار والتجهيز ببرامج تدريب ونقل معرفة للمؤسسات العراقية، بما يساعد على بناء قطاع قادر على تشغيل المنظومة وتطويرها وصيانتها بقدرات وطنية متنامية.

 ثامنًا: خارطة طريق عراقية.. من المعالجات الموسمية إلى الحل المستدام

إن إنهاء أزمة الكهرباء العراقية يحتاج إلى برنامج إصلاح متدرج، يميز بين الإجراءات التي يمكن أن تحسن التجهيز خلال فترة قصيرة، والمشروعات التي تتطلب استثمارات أكبر وسنوات من التنفيذ، مع المحافظة على التكامل بين المسارين. فالمعالجة العاجلة ينبغي أن تركز على استعادة القدرات المعطلة وتحسين الوقود والشبكات، بينما يتجه الإصلاح طويل الأمد إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا وكفاءة وقدرة على تلبية الطلب المستقبلي.

المرحلة الأولى: استعادة القدرة المتاحة وتحسين التجهيز. تبدأ هذه المرحلة بإجراء تقييم فني ومالي شامل لمحطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتحديد أسباب خروج القدرات المركبة عن الخدمة، وحجم الوقود المطلوب لاستعادتها، والمناطق التي تعاني أكبر اختناقات في الشبكة. ويُعطى الاهتمام لصيانة المعدات وتأهيل المحطات والمحولات والخطوط التي يمكن أن يؤدي إصلاحها إلى زيادة الكهرباء الواصلة إلى المستهلكين خلال فترة محدودة، مع إعداد برنامج خاص للتعامل مع ذروة الطلب الصيفي وتوفير مصادر احتياطية للمرافق الحيوية.

المرحلة الثانية: تطوير الوقود المحلي وتقليل الفاقد. تتجه هذه المرحلة إلى تسريع مشروعات جمع الغاز المصاحب ومعالجته، وتحسين كفاءة محطات الكهرباء القائمة، وتنفيذ برامج تستهدف المناطق ذات الفاقد المرتفع عبر تحديث الشبكات والعدادات وأنظمة القياس والتحصيل. وينبغي أن تُربط هذه الإجراءات بمؤشرات تحدد مقدار الطاقة الإضافية التي أصبحت متاحة، وكميات الوقود المحلي المستثمرة، ونسبة التحسن في الفاقد، وحجم الموارد المالية التي أمكن توفيرها أو استعادتها.

المرحلة الثالثة: توسيع الطاقة الشمسية والتخزين وفق أولويات مدروسة. يمكن البدء بمشروعات الطاقة الشمسية في المؤسسات الحكومية والمستشفيات والمدارس والمنشآت الصناعية، ثم تطوير برامج تمويل وحوافز للمنازل والمشروعات الصغيرة، بالتزامن مع إنشاء مشروعات تخزين في المواقع التي تسمح بتحسين استقرار الشبكة وتخفيف أحمال الذروة. وتحتاج هذه المرحلة إلى إطار تنظيمي واضح يحدد شروط الربط بالشبكة والتعرفة والمواصفات الفنية والسلامة والصيانة وحماية المستهلكين والمستثمرين.

المرحلة الرابعة: الانتقال إلى منظومة كهربائية حديثة ومتكاملة. تشمل هذه المرحلة استكمال تحديث شبكات النقل والتوزيع، وتوسيع أنظمة المراقبة والتحكم وإدارة الأحمال، وتطوير منظومة تنظيمية ومالية تتيح الاستثمار المستدام، مع استمرار تحسين كفاءة الاستهلاك وتنويع مصادر الإنتاج. كما ينبغي تحديث الخطة الوطنية بصورة دورية وفق تغير الطلب والتكنولوجيا وأسعار المعدات والوقود ونتائج المشروعات المنفذة، بحيث تصبح إدارة الكهرباء عملية مستمرة للتطوير والتقييم، لا سلسلة من الاستجابات للأزمات الطارئة.

ولكي تتحول هذه الخارطة إلى برنامج قابل للتنفيذ، ينبغي أن تتضمن لكل مرحلة جدولًا زمنيًا واحتياجات تمويلية ومسؤوليات محددة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع نشر تقارير دورية تتيح متابعة النتائج الفعلية. ولا بد أن يكون المؤشر الأساسي هو مقدار التحسن الذي يشعر به المواطن في انتظام الكهرباء وكلفتها وجودتها، لأن نجاح الاستثمار لا يكتمل بمجرد دخول محطة جديدة إلى الخدمة إذا لم ينعكس إنتاجها على مستوى التجهيز.

تاسعًا: ماذا يمكن أن يحقق العراق إذا نجح في إصلاح منظومة الكهرباء؟

تمتد النتائج المحتملة لإصلاح قطاع الكهرباء إلى مجالات أوسع من زيادة ساعات التجهيز، إذ يمكن أن يسهم استقرار الطاقة في تخفيض الكلفة التي تتحملها الأسر والمنشآت للحصول على مصادر بديلة، وتحسين قدرة المصانع والمزارع والمتاجر على العمل، ورفع كفاءة الخدمات العامة، وتوفير ظروف أفضل للاستثمار والإنتاج. وتتوقف هذه النتائج على مدى نجاح البرنامج في تقليل الفاقد وتوفير الوقود وتحديث الشبكات، وعلى قدرة الإدارة على تحويل الاستثمارات إلى تحسن فعلي ومستمر في الخدمة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن استثمار الغاز المحلي ورفع كفاءة المحطات يمكن أن يساعدا في تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وتخفيف تعرض قطاع الكهرباء لاضطرابات الإمدادات الخارجية، بينما يمكن أن يؤدي تحسين الجباية وتقليل الفاقد التجاري إلى تعزيز الموارد المتاحة للصيانة والتطوير. أما التوسع المدروس في الطاقة الشمسية، فيمكن أن يقلل استهلاك الوقود التقليدي خلال ساعات النهار، ويوفر فرصًا للشركات المحلية والعاملين في التصميم والتركيب والصيانة والخدمات التقنية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يمكن أن ينعكس تحسن التجهيز على تقليل حاجة الأسر إلى المولدات الأهلية وما يرتبط بها من أعباء مالية وضوضاء وتلوث، فضلًا عن تحسين عمل المؤسسات الصحية والتعليمية والخدمية التي تحتاج إلى طاقة مستقرة. كما يمكن أن يسهم تطوير نظم الإنتاج والتخزين اللامركزية في تعزيز قدرة بعض المرافق الحيوية على الاستمرار عند حدوث أعطال واسعة، بشرط توافر أنظمة تشغيل احتياطية مناسبة وصيانة منتظمة.

وتتجسد النتيجة الأهم في الانتقال من قطاع يركز على سد النقص الآني إلى منظومة قادرة على التخطيط للطلب المستقبلي والتكيف مع تغير الظروف، بحيث يصبح الاستقرار الكهربائي أحد الأسس التي تقوم عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدل أن يبقى عائقًا متكررًا أمامها.

الخاتمة: من وفرة مصادر الطاقة إلى وفرة الكهرباء المستدامة

تكشف التجربة الأسترالية أن تطوير قطاع الكهرباء لا يتحقق من خلال استبدال مصدر للطاقة بآخر فحسب، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الإنتاج والشبكات والتخزين والاستهلاك والإدارة والاستثمار، ضمن منظومة متكاملة قادرة على التكيف مع تغير الطلب والتكنولوجيا والظروف الاقتصادية. وقد أسهم هذا النهج في توسيع مساهمة الطاقة المتجددة وانتشار التوليد المنزلي والتخزين وتحسين أداء السوق خلال فترات مختلفة، مع استمرار تحديات تتعلق بتحديث الشبكات وكلفة الاستثمارات وضمان موثوقية الإمدادات.

وبالنسبة إلى العراق، فإن الاستفادة من التجربة ينبغي أن تبدأ من طبيعة أزمته المحلية، التي تجمع بين العجز في الإنتاج الفعلي، وعدم استثمار موارد الغاز بالكفاءة المطلوبة، والفاقد المرتفع، وضعف الشبكات، والاختلالات المالية والإدارية. ولهذا، فإن الحل يحتاج إلى الجمع بين إصلاح المنظومة القائمة وتطوير نموذج جديد للإنتاج والاستهلاك، بدل التعامل مع الطاقة الشمسية أو إنشاء المحطات الكبيرة أو تحديث العدادات بوصفها حلولًا منفصلة يمكن لأي منها إنهاء الأزمة بمفرده.

ويمكن استخلاص خمس توصيات أساسية تحدد اتجاه الإصلاح:

1. اعتماد خطة وطنية متكاملة للكهرباء: تربط بين إنتاج الطاقة وتوفير الوقود والنقل والتوزيع والتخزين والاستهلاك، وتحدد أولويات الاستثمار وفق الاحتياجات الفعلية والجدوى الاقتصادية.

2. استثمار الغاز العراقي ورفع كفاءة المحطات القائمة: بما يسمح بزيادة الكهرباء المتاحة وتقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية، مع التوسع التدريجي في مصادر الطاقة المتجددة.

3. إصلاح الشبكات وتقليل الفاقد الفني والتجاري: عبر تحديث البنية التحتية والعدادات وأنظمة الإدارة والرقابة، وربط تحسين التحصيل بجودة الخدمة وحماية الفئات محدودة الدخل.

4. تشجيع التوليد الشمسي اللامركزي والتخزين: ضمن برامج تمويل وتنظيم ومواصفات فنية مدروسة، تتيح مشاركة المواطنين والمؤسسات في إنتاج الكهرباء وتخفيف الضغط على الشبكة العامة.

5. بناء إدارة مؤسسية قائمة على النتائج والمحاسبة: تعتمد وضوح المسؤوليات والشفافية والتخطيط طويل الأمد وتنمية القدرات الوطنية، وتقيس النجاح بمدى تحسن استقرار الكهرباء وكلفتها وجودتها، وليس بحجم الإنفاق والقدرات الإنتاجية المعلنة وحدهما.

إن الدرس الذي يمكن أن يستخلصه العراق من التجربة الأسترالية هو أن معالجة أزمة الكهرباء تبدأ بتغيير طريقة التفكير في القطاع نفسه؛ فالكهرباء ليست مجموعة محطات تنتج الطاقة ثم تنقلها إلى المنازل، وإنما منظومة مترابطة تتطلب إدارة متكاملة للموارد والإنتاج والشبكات والاستهلاك والتمويل. وكلما نجح العراق في تطوير هذه المنظومة على أسس فنية واقتصادية ومؤسسية واضحة، أصبح أكثر قدرة على تحويل موارده الطبيعية الكبيرة إلى كهرباء مستقرة تدعم حياة المواطنين وتنمية الاقتصاد، وتفتح المجال أمام انتقال تدريجي من إدارة الأزمة إلى بناء أمن كهربائي مستدام.

اضف تعليق