قرر مجلس مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية EITI في 16 أكتوبر/تشرين اول الحالي إعادة وضع وتوصيف العراق كدولة "ممتثلة" وفقًا لمعايير المبادرة ونمط عملها؛ وهذا بالتأكيد تطور مهم يستحق الترحيب والتشجيع والثناء لكل من ساهم في هذا الانجاز.

استند قرار مجلس المبادرة على تقرير "تحقق validation" شامل وشفاف وتشاركي أعدته الأمانة الدولية للمبادرة، والذي قام بزيارة العراق وتقييم كل ما اتخذ من اجراءات كانت مصممة خصيصًا لمعالجة ما تسبب في قيام المجلس بتعليق وضع العراق لدى المبادرة في أكتوبر/تشرين اول 2017.

يجب تهنئة العراق، ولا سيما وزارة النفط وجميع المعنيين بنشاطات المبادرة في العراق، على الجهود المتواصلة التي اثمرت بإعادة وضع البلد في المبادرة كدولة ممتثلة. وفي الوقت الذي أشارك فيه الشعور بالإنجاز، كما تم التعبير عنه في تصريح الوزارة (في 20 تشرين اول 2019)، فإنني أدعو الوزارة إلى القيام بما هو مطلوب للحفاظ على هذا الإنجاز وتعزيزه. وبالتالي، إذا كان لهذه القضية أي معنى وفائدة وتبعات لمستقبل الشفافية في العراق بشكل عام وفي الصناعة الاستخراجية بشكل خاص، لابد لي، في هذه المداخلة المقتضبة، من التنبيه والتذكير اولا ببعض الضوابط التي وردت في واعتمدها القرار اعلاه ثم تقديم مجموعة من الاقتراحات التي ارى من المفيد مناقشتها واعتماد ما يصلح منها للمضي قدمًا بهدف المحافظة على وتعزيز موقع العراق في المبادرة.

تحذير مهم وتذكير ضروري

من اجل تجنب عودة الإحساس الزائف بالرضا الذي ينشأ عادة عن قناعة "تم إنجاز المهمة mission accomplished"، ارى من الاهمية بمكان الاشارة، والتأكيد تحليليا، أن قرار مجلس المبادرة جاء مشروطا؛ وهذا يحتم على كل من الجهات العراقية المعنية والوزارة ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من الجهات ان تكون على علم بما يلي:

أولاً، طبقًا لـ"بطاقة النتائج/الأداء Scorecard" النهائية لتقرير الامانة الدولية للمبادرة، كانت النتيجة الإجمالية للعراق هي "تقدم ملموس/تقدم ذي معنى Meaningful progress"، بعبارة أخرى ان "التقدم الملموس" يشكل في الواقع الحد الأدنى للمحافظة على صفة الدولة الممتثلة في المبادرة. وعليه يترتب على ذلك أنه ينبغي على العراق، كحد ادنى، المحافظة على هذا "التقدم الملموس" ولكن ينبغي العمل على تعزيز التقدم لدرجات اعلى طبقا لبطاقة النتائج التي استند عليها تقرير مجلس المبادرة.

وفي الواقع وعند تفحص بطاقة الأداء فإنني ارى انه من السهل والممكن فعلاً الانتقال من حالة "التقدم الملموس" إلى حالات اعلى؛ إلا ان أي تراجع في التنفيذ الى مستوى أقل من "التقدم الملموس/تقدم ذي معنى" الحالي سيقود بالتأكيد الى اعادة تعليق صفة العراق وموقعه في المبادرة، لذا اقتضى التنبيه والتحذير المبكر.

ثانياً، يؤيد قرار مجلس المبادرة وجهة نظر "لجنة التحقق Validation Committee" في المبادرة والتي مفادها أنه يتوجب على العراق اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التصحيحية اللازمة. وقد ورد في القرار اثنا عشر تصحيحًا على وجه التحديد وهي مرتبطة بـ "المتطلبات" المرقمة 1.2; 1.4; 1.5; 2.6.a; 4.1; 4.5; 4.8; 4.9; 6.1; 7.1; 7.3 and 7.4..

مرة أخرى، يتم تحديد الثغرات والإجراءات التصحيحية ذات الصلة بشكل أساسي بتلك المتطلبات التي سجل العراق فيها تقدمًا متواضعا والذي يحتم عليه العمل على تحقيق مستويات أعلى واكثر تقدما مما هي عليه الان. من الناحية العملية والفعلية يساعد مجلس المبادرة السلطات العراقية من خلال تحديد موضوع وكيفية اتخاذ الإجراءات التصحيحية وبالتالي توفير خارطة طريق مفيدة ويمكن الاسترشاد بها لما يجب القيام به من الان فصاعداً.

ثالثًا، ان الإطار الزمني لاتخاذ هذه الإجراءات التصحيحية والتحقق منها ليس مفتوحاً بل محدداً بفترة زمنية معينة. حيث تضمن قرار المجلس أن التقدم الواجب تحقيقه لمعالجة الفجوات بالإجراءات التصحيحية المذكورة أعلاه سوف يخضع لـ"المصادقة والتحقق" والتي تقرر أن تبدأ في 16 نيسان/أبريل 2021. وهذا يعني أن مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية (IEITI) والجهات والمنظمات ذات الصلة لديها ثمانية عشر شهراً لإنهاء ما يجب القيام به بشأن هذه الإجراءات التصحيحية لضمان بقاء العراق دولة ممتثلة؛ الفشل في القيام بذلك سيقود بالتأكيد الى تكرار تعليق صفة العراق في المبادرة.

رابعا، ينبغي الفهم والقناعة ان الإجراءات التصحيحية المذكورة أعلاه يجب ان تكون اضافية وليس على حساب المتطلبات الأخرى التي حققت تقدما مرضيا حسب ما ورد في بطاقة النتائج/الأداء. بمعنى آخر، يجب ان لا تكون هناك اية مبادلة tradeoff على حساب الانجازات الجيدة التقييم حاليا؛ ما الذي يجب العمل على تحقيقه هي مستويات متقدمة على ما تم تحقيقه وخاصة بالنسبة للمتطلبات التي شهدت "تقدم ملموس" مع الاخذ بنظر الاعتبار المتغيرات التي تضمنها المعيار الجديد EITI Standard الذي تم اعتماده في مؤتمر المبادرة الذي عقد في باريس، في شهر حزيران/يونيو 2019.

تخطيط ما يجب عمله

تتحمل مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية، برئاسة وزير النفط، مسؤولية ما يجب عليها اتخاذه من جميع ومختلف الإجراءات والتدابير اللازمة من خلال خطة متفق عليها تتعلق بما يلي:

أولاً، يجب على مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية قراءة، بعناية وايجابية، جميع المستندات التي اعتمدها وقدمها مجلس المبادرة والتي أدت إلى قراره الاخير في 16 أكتوبر الحالي. والغرض من ذلك هو إعداد قائمة مرجعية تحدد ما يجب القيام به وكيف ومتى ومن قبل من لتنفيذ الإجراءات المخطط لها قبل 16 أبريل 2021 بفترة مناسبة تسمح بالمراجعة والتقييم المهني الموضوعي المستقل عند الضرورة.

ثانياً، تقديم اقتراحات محددة بشأن كيفية تحسين جودة وشمولية وتغطية التقرير السنوي وخطة العمل وتقرير النشاطات وأية منشورات أخرى تصدر عن المبادرة. يفضل أن تخضع جميع هذه المستندات والتقارير لرقابة الجودة الخارجية قبل نشرها وتوزيعها على نطاق واسع. أن تجربة السنوات العشر الأخيرة تشير إلى أن هذه التقارير، خاصة التقارير السنوية، مليئة بالأخطاء والعيوب والنواقص والتكرار النصي وغير ذلك من العيوب.

ثالثًا، كيفية جعل مجلس اصحاب المصلحة MSG أكثر فاعلية وإنتاجية ويأخذ زمام المبادرة ويكون له دورًا فعالًا في وعلى وجه الخصوص: صياغة شروط وضوابط اختيار و لوائح تكليف الاداري المستقل الذي تعهد له مهمة اعداد التقرير السنوي؛ عملية إعداد التقرير السنوي من خلال منهجية أكثر تشاركية؛ تغطية التقرير السنوي وفقًا لأحدث متطلبات معيار المبادرة؛ تأمين تأثيرات مباشرة ومتنامية وتشجيع المشاركة المجتمعية الأوسع والتواصل معها؛ والتركيز على الظواهر السلبية المؤثرة، وخاصة مشكلة الفساد المستشري على نطاق واسع وغير ذلك من الأمور ألاخرى.

رابعًا، يجب أن تكون الامانة الوطنية لمبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية مثالًا للشفافية الفعلية من خلال نشر كل ما يتعلق بأنشطتها على موقعها الالكتروني، بما في ذلك محاضر اجتماعات اصحاب المصلحة؛ توثيق حضور الأعضاء الذي يتم التحقق منه بتواقيعهم؛ القضايا التي تمت مناقشتها وكيفية اتخاذ القرارات، إلخ.

خامساً، ضمان الكشف الكامل، وفق دليل تفصيلي ملزم، عن البيانات في الوقت المناسب عن جميع نشاطات وجوانب الصناعة الاستخراجية في البلاد، ولا سيما من قبل الوزارة والشركات الحكومية العاملة في قطاع النفط الاستخراجي بما في ذلك الكميات والمؤشرات المالية؛ يجب نشر هذا الكشف عن البيانات شهريًا ويمكن الوصول إليه من خلال موقع مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية.

سادساً، منح الأولوية لتطوير الجهود والطاقات الوطنية البشرية والمؤسسية للأمانة الوطنية للمبادرة ومشاركتها في إعداد التقارير السنوية على وجه الخصوص، في تطوير قاعدة البيانات الشاملة، في توفير أنشطة الدعم التقني والمهني والتحليلي، في تنظيم ورش العمل والموقع الالكتروني وغيرها من الأنشطة الأخرى؛

سابعاً، تعاني مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية من انخفاض الدعم والتمويل الخارجي الذي أثر على مستوى وتواتر أنشطتها. وقد نجم هذا التراجع عن عوامل عديدة اهمها حذف العراق من قائمة اولويات معهد حوكمة الموارد الطبيعية NRGI؛ تعليق صفة العراق كدولة ممتثلة في مبادرة الشفافية EITI لعامين متواصلين منذ أكتوبر 2017 والتخفيض الكبير جدا في تمويل البنك الدولي لنشاطات المبادرة العراقية.

لحسن الحظ، أبرم العراق مؤخرًا (أو تم تجديدها فعليًا) اتفاقية تعاون مع برنامج النفط مقابل التنمية في النرويج الذي تديره وكالة NORAD، وبالتالي، أُنصح مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية العراقية بشدة الاستفادة من هذا الاتفاق ومن الفرص المختلفة التي يوفرها.

ثامنا، كل ما ذكر أعلاه مجدٍ وقابل للتنفيذ ومفيد؛ ولكن يجب أن تبدأ مبادرة الشفافية العراقية العمل عليها على الفور. قد يكون من المناسب قيام المبادرة بعقد "ورشة عمل مهنية متخصصة ذات توجه عملي" يتم إعدادها بشكل جيد للمتخصصين والخبراء الذين يتمتعون بسجل حافل في معالجة ما ورد أعلاه بهدف صياغة خارطة الطريق العملية والتنفيذية.

* استشارية التنمية والأبحاث/العراق-النرويج

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0